في ظل فقدان الوثائق في غزة.. حقوق النساء العقارية أمام تحديات إعادة الإعمار
وطن للأنباء: لا تقتصر تداعيات الحرب في قطاع غزة على تدمير المنازل والمنشآت، إذ طالت أيضاً وثائق وسندات الملكية، وغيّرت معالم أحياء وأراضٍ بأكملها، فيما تشتت العائلات والورثة بين النزوح داخل القطاع وخارجه، الأمر الذي يفتح الباب أمام تحديات قانونية معقدة مع بدء التحضير لمرحلة إعادة الإعمار.
وتبرز في هذا السياق أسئلة أساسية حول كيفية إثبات ملكية العقارات والأراضي في حال فقدان الوثائق، ومن يستحق التعويض عن العقارات المدمرة، خصوصاً عندما تكون الملكية الفعلية لشخص بينما العقار مسجل باسم شخص آخر، أو عندما تكون الأرض غير مسجلة أصلاً بصورة رسمية.
واستضاف بودكاست بدائل الذي يبث عبر شبكة وطن الاعلامية، المحامي د. نضال جرادة، الذي أكد أن ملف الملكية سيكون من أبرز التحديات التي ستواجه إعادة إعمار غزة، مشدداً على أن القضية لا تتعلق فقط بإعادة بناء المنازل، وإنما بتحديد أصحاب الحقوق في الأراضي والعقارات التي ستقام عليها مشاريع الإعمار.
الملكية تختلف عن الحيازة والتسجيل
وأوضح جرادة أن هناك فرقاً قانونياً بين الملكية والحيازة والتسجيل الرسمي، فالملكية تمنح صاحبها سلطات قانونية على الشيء، من بينها الاستعمال والتصرف والاستغلال، بينما تعني الحيازة السيطرة الفعلية على عقار أو منقول، وليس بالضرورة أن يكون الحائز هو المالك.
أما التسجيل الرسمي، فيتعلق بإثبات قيود الملكية لدى الجهات المختصة، مثل دوائر تسجيل الأراضي أو الجهات الرسمية المعنية بالعقارات والممتلكات.
وبحسب جرادة، فإن هذا التفريق يكتسب أهمية خاصة في غزة، حيث توجد عقارات وأراضٍ لا تحمل بالضرورة سجلات ملكية مكتملة، كما تختلف طبيعة الحقوق بحسب نوع الأرض وطريقة الانتفاع بها.
فقدان سند الملكية لا يعني ضياع الحق
وأشار جرادة إلى أن أعداداً كبيرة من سكان القطاع فقدوا وثائق ملكياتهم نتيجة النزوح والدمار، إلا أن فقدان الوثيقة لا يعني بالضرورة سقوط الحق القانوني في الملكية.
وأوضح أن إثبات الملكية يمكن أن يستند إلى مجموعة من الأدلة والقرائن، من بينها نسخ الوثائق الموجودة لدى الجهات الرسمية، أو لدى البلديات ومكاتب المحامين، إضافة إلى العقود القديمة والإيصالات والصور والشهادات وسجلات البلديات وغيرها من المستندات التي يمكن أن تتكامل لإثبات علاقة الشخص بالعقار.
وأكد أن هذه الأدلة قد لا تشكل وحدها سند ملكية رسمياً، لكنها يمكن أن تكون قرائن مساعدة في إثبات الحق، خصوصاً في الحالات التي فقد فيها أصحاب العقارات مستنداتهم الأصلية بسبب الحرب.
أراضٍ غير مسجلة وحقوق انتفاع
وتزداد تعقيدات الملكية في الأراضي التي لم تكن مسجلة رسمياً قبل الحرب، إذ أوضح جرادة أن قطاع غزة يضم أنواعاً متعددة من الأراضي والحقوق القانونية المرتبطة بها.
وأشار إلى وجود أراضٍ ملك وأراضٍ أميرية وأراضٍ تخضع لأنظمة تسجيل أو ضرائب مختلفة، إضافة إلى مساحات واسعة في مناطق المخيمات لا يملك سكانها بالضرورة سنداً يثبت ملكية رقبة الأرض، رغم امتلاكهم حقوقاً مرتبطة بالمباني أو منفعة الأرض.
وأوضح أن هذه المسألة تعود في جزء منها إلى الظروف التاريخية والسياسية التي نشأت عنها مخيمات اللاجئين، حيث أقيمت مبانٍ ومساكن على أراضٍ لا تعود ملكيتها للأشخاص المقيمين عليها، ما أدى إلى نشوء أشكال مختلفة من الحقوق، بينها ملكية المنفعة، دون امتلاك رقبة الأرض.
وثائق بديلة لحماية الحقوق
وفي مثل هذه الحالات، يمكن الاستناد إلى مجموعة من الوثائق والقرائن التي تعزز حق الشخص في العقار أو منفعة الأرض، ومنها العقود، ووثائق الجهات المحلية، وفواتير الكهرباء والاتصالات، والتراخيص الصادرة عن البلديات، إضافة إلى السجلات والوثائق الموجودة لدى لجان اللاجئين والجهات الخدمية.
وأكد جرادة أن جمع هذه الأدلة يصبح أكثر أهمية في ظل فقدان الوثائق الأصلية، باعتبارها قد تساعد مستقبلاً في إثبات الحقوق عند إعادة تنظيم الملكيات أو معالجة ملفات التعويض وإعادة الإعمار.
ملكية النساء.. الاسم المسجل لا يحسم الحق
ويبرز ملف ملكية النساء كأحد الجوانب الحساسة في قضية العقارات، خصوصاً في الحالات التي تكون فيها المرأة صاحبة الحق الفعلي، بينما يسجل العقار باسم الزوج أو الأب أو الأخ.
وأوضح جرادة أن تسجيل العقار باسم شخص آخر لا يعني بالضرورة أنه المالك الحقيقي، إذ يمكن إثبات حقيقة الملكية بوسائل قانونية مختلفة، منها الشهادة والشهود والقرائن والأدلة المتعلقة بمصدر الأموال والاتفاقات التي تمت عند شراء العقار.
وأشار إلى وجود حالات تكون فيها المرأة هي التي موّلت شراء العقار، فيما جرى تسجيله باسم الزوج لأسباب اجتماعية، مؤكداً أن إثبات الصورية في التسجيل يمكن أن يتم من خلال الوسائل القانونية المتاحة.
حقوق الورثة لا تسقط بفقدان التسجيل
وفي ما يتعلق بحقوق البنات والورثة، أوضح جرادة أن وفاة صاحب العقار لا تؤدي إلى ضياع حقوق ورثته، حتى في حال عدم فرز العقار أو تسجيله بصورة منفصلة.
وبحسب حديثه، تثبت صفة الورثة من خلال حجة حصر الإرث الصادرة عن المحكمة المختصة، ومن ثم يصبح لكل وارث نصيبه القانوني في التركة.
وتزداد المسألة تعقيداً في حالات وفاة عدد من أفراد الأسرة في الوقت نفسه خلال القصف، إذ قد تنشأ إشكالات حول ترتيب الوفيات وتأثير ذلك في انتقال الإرث من شخص إلى آخر، وهي مسائل قال جرادة إنها أصبحت من القضايا التي تواجه المحاكم الشرعية في القطاع.
آلاف المفقودين يضيفون تعقيدات جديدة
أما في حالات المفقودين، فتختلف الإجراءات القانونية عن حالات الوفاة المثبتة، إذ يتطلب الأمر اتباع إجراءات قضائية خاصة لإثبات حالة الفقد وترتيب الآثار القانونية المترتبة عليها.
وأشار جرادة إلى أن وجود أعداد كبيرة من الأشخاص مجهولي المصير في غزة يجعل ملف المفقودين شديد الحساسية، خصوصاً عندما تكون لهم أملاك أو حقوق مالية أو ورثة ينتظرون تحديد وضعهم القانوني.
وبمجرد صدور حكم قضائي باعتبار الشخص مفقوداً وفق الإجراءات القانونية، تترتب الآثار التي تسمح بتنظيم حقوق الورثة والتعامل مع التركة وفقاً للقانون.
النازحون وأصحاب الأملاك خارج غزة
وتطرح الحرب أيضاً مشكلة أخرى تتعلق بأصحاب العقارات الذين غادروا القطاع أو نزحوا إلى مناطق أخرى، إذ قد يواجهون صعوبة في ممارسة السيطرة الفعلية على أملاكهم وحمايتها.
وأوضح جرادة أن القانون يتيح لصاحب الحق توكيل شخص آخر للقيام بالإجراءات اللازمة نيابة عنه، بما في ذلك متابعة الممتلكات والمحافظة عليها، وهو أمر يكتسب أهمية في ظل وجود أعداد كبيرة من أصحاب العقارات خارج القطاع.
حماية أموال القاصرين
وتحتاج حقوق القاصرين الذين أصبحوا ورثة خلال الحرب إلى ترتيبات قانونية خاصة، إذ لا يستطيع القاصر مباشرة التصرفات القانونية المتعلقة بأمواله بنفسه.
وأوضح جرادة أن القانون يوفر آليات لحماية أموال القاصر من خلال الولاية أو الوصاية، بحيث يتولى ولي قانوني معتمد إدارة حقوقه وفق الضوابط التي تحددها المحكمة المختصة، مع خضوع بعض التصرفات لرقابة قضائية بهدف منع الإضرار بمصلحة القاصر.
ارتفاع متوقع في النزاعات العقارية
ويرجح جرادة ارتفاع النزاعات المتعلقة بالأراضي والعقارات بعد الحرب، نتيجة حجم الدمار وتغير معالم المناطق واختفاء الحدود الفاصلة بين العقارات.
وقال إن بعض الدعاوى التي كانت نادرة قبل الحرب، مثل النزاعات المتعلقة بحدود الأراضي، قد تصبح أكثر حضوراً في ظل تدمير المنازل والمنشآت واختفاء المعالم التي كانت تساعد في تحديد حدود العقارات.
كما أن تضرر أو فقدان بعض السجلات المدنية والعقارية يزيد من صعوبة تحديد أصحاب الحقوق، ما يستدعي العمل على جمع وحفظ ما تبقى من السجلات والوثائق قبل الدخول في مراحل متقدمة من إعادة الإعمار.
الخرائط والأرشيف الإلكتروني أدوات لإعادة تحديد الملكيات
وفي المناطق التي تغيرت معالمها بالكامل، يمكن الاستفادة من الأرشيفات البلدية والخرائط القديمة والصور الجوية والأقمار الصناعية والتقنيات الحديثة للمساعدة في تحديد مواقع العقارات وحدودها.
وأشار جرادة إلى وجود أرشيفات إلكترونية لدى بعض البلديات يمكن الرجوع إليها للحصول على بيانات تتعلق بالملكية والحدود، وهو ما قد يشكل مصدراً مهماً في إعادة بناء ملفات الملكية التي تضررت أو فقدت وثائقها خلال الحرب.
من يستحق التعويض؟
ومن أبرز الأسئلة التي ستطرح مع بدء إعادة الإعمار، تحديد الجهة التي تستحق التعويض عن العقارات المدمرة، خصوصاً عندما يكون صاحب الحق الفعلي مختلفاً عن الاسم المسجل في السجلات.
وأكد جرادة أن عدم تسجيل العقار رسمياً لا يعني بالضرورة عدم وجود حق لصاحبه، مشيراً إلى أهمية وضع اليد والحيازة وغيرها من القرائن التي يمكن أن تساعد في تحديد صاحب الحق.
ويطرح ذلك الحاجة إلى آليات واضحة للتحقق من الملكيات قبل صرف التعويضات، بما يضمن عدم استبعاد أصحاب الحقوق بسبب فقدان الوثائق أو بسبب طبيعة نظام تسجيل الأرض.
ضرورة إنشاء سجل وطني موحد
وشدد جرادة على أن إنشاء سجل وطني موحد للملكية يمثل أولوية عاجلة قبل التوسع في عملية إعادة الإعمار، على أن يجمع بيانات الأراضي والبلديات والمحاكم والجهات ذات الصلة، ويتيح الوصول إلى المعلومات اللازمة لتحديد أصحاب الحقوق.
وأوضح أن تعدد أنواع الأراضي وتنوع السجلات المعمول بها في غزة يزيد الحاجة إلى قاعدة بيانات موحدة ومحدثة، تعتمد الوسائل الرقمية الحديثة وتساعد على الحد من النزاعات وحماية الملكيات.
كما يمكن أن يشكل هذا السجل أداة للحد من استغلال ظروف الحرب وفقدان الوثائق أو غياب أصحاب العقارات، بما يمنع محاولات الاستيلاء على الأملاك أو الادعاء بملكية عقارات دون سند قانوني.
إعادة الإعمار تبدأ من تحديد أصحاب الحقوق
وفي ظل حجم الدمار الذي طال أحياء كاملة في قطاع غزة، يرى جرادة أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تقتصر على توفير مواد البناء والتمويل، بل تحتاج أولاً إلى حسم الأسئلة المتعلقة بملكية الأراضي والعقارات.
فإعادة بناء المنازل تحتاج إلى الإسمنت والحديد والتمويل، لكن السؤال الأصعب يبقى: أين سيجري البناء، ولمن تعود الأرض؟.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تدخلات تشريعية وإدارية وقانونية عاجلة، وآليات واضحة لإثبات الملكية وحماية حقوق النساء والورثة والنازحين والمفقودين وأصحاب العقارات غير المسجلة، بما يضمن أن تكون إعادة الإعمار مدخلاً لحماية الحقوق لا مصدراً لنزاعات جديدة.


