د. عماد سالم يكتب لـوطن: التعليم والتدريب المهني والتقني في فلسطين: من تطوير الاستراتيجيات إلى إصلاح منظومة التنفيذ والمساءلة

منذ أكثر من عقدين ونحن نعود إلى السؤال نفسه: كيف نطور منظومة التعليم والتدريب المهني والتقني في فلسطين؟ وخلال هذه السنوات عُقدت عشرات المؤتمرات والندوات وورش العمل، وأُعدت الدراسات والاستراتيجيات والخطط التنفيذية، ونُفذت مشاريع ممولة أوروبياً ودولياً، ورُصدت ملايين اليوروهات لتطوير المؤسسات والمناهج والتجهيزات وتأهيل الكوادر وبناء القدرات.
لم تكن المشكلة يوماً في نقص الأفكار أو غياب التشخيص أو عدم معرفة ما يحتاجه هذا القطاع. بل إن كثيراً من التحديات التي نناقشها اليوم كانت حاضرة في الدراسات والتقارير والتوصيات منذ سنوات طويلة، وبعضها يعود إلى بدايات الاستراتيجية الوطنية الأولى.
فقد بدأت الاستراتيجية الوطنية للتعليم والتدريب المهني والتقني عام 1999، وشهدت مراجعات وتحديثات لاحقة، أبرزها عام 2008، ثم الاستراتيجية المعدلة عام 2010، التي وضعت أهدافاً تتعلق بتحسين الجودة، وتعزيز العلاقة بسوق العمل، وتطوير الحوكمة والتمويل، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، وبناء منظومة وطنية متكاملة للمؤهلات.
ومع ذلك، فإن مراجعة مسيرة القطاع تكشف عن فجوة مستمرة بين ما جرى التخطيط له وما تحقق فعلياً على مستوى المؤسسات والتدريب والتشغيل.
أولاً: استثمارات كبيرة ومشاريع متعاقبة... فما حجم الأثر؟
عند مراجعة مسيرة الدعم الدولي للقطاع، نجد أن حجم الاستثمارات والبرامج التي نُفذت أو أُطلقت كان كبيراً، سواء على مستوى تطوير السياسات أو البنية التحتية أو المناهج أو تأهيل المدربين.
فخلال الفترة 2011–2019، نُفذ مشروع دعم نظام التعليم والتدريب المهني والتقني بالتعاون مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، وبلغ الالتزام المالي لمرحلة التنفيذ الفعلية نحو 23.55 مليون يورو، إلى جانب مساهمات تمويلية مشتركة من الاتحاد الأوروبي والوكالة السويسرية للتنمية والتعاون.
وقد ساهم المشروع في تطوير الاستراتيجيات، وإعداد الإطار الوطني للمؤهلات، وتحديث معايير المناهج، وتأهيل المدربين والمرشدين المهنيين، وتطوير معلومات سوق العمل، وإنشاء مجالس محلية للتشغيل والتدريب.
ثم جاء مشروع التدريب المهني الموجه نحو الطلب (DoTVET I) ، الذي نُفذ خلال الفترة 2021–2024، بتمويل بلغ نحو 9.62 مليون يورو، وركز على تطوير قدرات المدربين، وتعزيز التدريب العملي، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص، وتحسين مواءمة البرامج التدريبية مع احتياجات أصحاب العمل.
وتواصل هذا المسار من خلال مشروع التدريب المهني الموجه نحو الطلب (DoTVET II) للفترة 2024–2027، بتمويل يبلغ 8 ملايين يورو، ويستهدف تعزيز الحوكمة، وتطوير معايير الجودة، والإطار الوطني للمؤهلات، وبناء قدرات العاملين، وتطوير نماذج تعاون بين مؤسسات التدريب والقطاع الخاص.
وفي مسار موازٍ، جرى توقيع اتفاقية تمويل ألمانية من خلال بنك التنمية الألماني (KfW) بقيمة 22 مليون يورو عام 2022، لدعم البنية التحتية لمؤسسات التعليم والتدريب المهني والتقني الحكومية، والمساهمة في إنشاء جامعة نابلس للتعليم المهني والتقني، إلى جانب تطوير صندوق تمويل القطاع المعروف بصندوق TIME.
هذه الأرقام تعكس حجم الاهتمام والاستثمار الدولي في هذا القطاع، ولا ينبغي التقليل من أهمية ما أتاحته هذه المشاريع من فرص للتطوير والتحديث. فقد ساهمت في إدخال تخصصات حديثة، وتطوير قدرات بشرية، وتحسين البنية التحتية، وفتح آفاق جديدة أمام المؤسسات والمتدربين.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس كم مشروعاً نُفذ، أو كم مليون يورو جرى تخصيصها، وإنما: ما النتائج المستدامة التي تركتها هذه الاستثمارات؟ وما الذي استمر بعد انتهاء المشاريع؟ وما الذي توقف؟ وما العائد الحقيقي الذي تحقق على مستوى جودة التدريب وفرص العمل؟
فنجاح المشروع لا ينبغي أن يقاس فقط بنسبة إنجاز أنشطته أو إغلاق موازنته، بل بمدى قدرته على إحداث تغيير مؤسسي يستمر بعد انتهاء التمويل.
ثانياً: الاستراتيجية ليست المشكلة الوحيدة... بل الفجوة بين التخطيط والتنفيذ
تكتسب هذه القضية أهمية إضافية عند قراءة تقارير مؤسسة التدريب الأوروبية (ETF)، ولا سيما مراجعة سياسات التعليم والتعلم مدى الحياة في فلسطين ضمن عملية تورينو لعام 2025.
فالتقرير يشير بوضوح إلى أن الاستراتيجية الوطنية الشاملة الأخيرة تعود إلى عام 2010، وأن كثيراً من السياسات والتوجهات اللاحقة بقيت مجزأة ضمن خطط ومبادرات مؤسسية مختلفة.
كما يشير إلى أن ضعف التنسيق، وتداخل المسؤوليات، وغياب منظومة موحدة وموثوقة للمعلومات، وضعف المتابعة والتقييم، كلها عوامل تحد من قدرة القطاع على تحقيق أهدافه.
والأكثر أهمية أن التقرير يلفت إلى أن البرامج والتخصصات التدريبية قد تُبنى أحياناً على مبادرات فردية أو توجهات رائجة أو أولويات بعض المشاريع الممولة، بدلاً من الاستناد إلى معلومات دقيقة ومحدثة عن الطلب الفعلي والمتوقع على المهارات في سوق العمل.
وهنا يجب أن نميز بين أمرين: تحديث الاستراتيجية الوطنية، وهو أمر تفرضه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية ومرور سنوات طويلة على الاستراتيجية السابقة، وبين الاعتقاد بأن إعداد استراتيجية جديدة يمثل بحد ذاته إصلاحاً للقطاع.
أنا لا أعارض تحديث الاستراتيجية، بل أرى ضرورته، لكنني أعتقد أن أي استراتيجية جديدة يجب أن تبدأ بمراجعة مستقلة لما سبقها، وتحديد ما نُفذ وما لم يُنفذ، وأسباب التعثر، والنتائج التي تحققت، ثم البناء على ما هو قائم.
فليس من المنطقي أن نبدأ في كل مرة من جديد، وكأن السنوات السابقة لم تترك لنا خبرة أو معرفة أو مؤسسات أو نتائج يمكن البناء عليها.
ثالثاً: الحوكمة وتعدد المرجعيات... من المسؤول عن النتيجة؟
من أبرز التحديات التاريخية التي واجهت القطاع تعدد الجهات والمؤسسات التي تقدم التعليم والتدريب المهني والتقني، واختلاف مرجعياتها وأولوياتها، وتداخل بعض أدوارها ومسؤولياتها.
فالقطاع لا يقتصر على جهة واحدة، وإنما تشارك فيه مؤسسات حكومية متعددة، ومؤسسات أهلية وخاصة، والجامعات والكليات التقنية، ووكالة الغوث، إلى جانب الشركاء الدوليين.
وقد حاولت السياسات والإصلاحات المؤسسية المتعاقبة معالجة هذه الإشكالية، وصولاً إلى إنشاء الهيئة الوطنية للتعليم والتدريب المهني والتقني بموجب القرار بقانون رقم (4) لسنة 2021، لتكون المرجعية الوطنية الناظمة للسياسات والتخطيط والتنسيق وتعبئة الموارد وتطوير منظومة الاعتماد والترخيص، بالتعاون مع الجهات التنفيذية ذات العلاقة.
وكان الهدف من هذا التوجه الانتقال من تعدد المبادرات والمرجعيات إلى منظومة وطنية متكاملة، تقوم على وضوح الأدوار وتكامل المسؤوليات.
لكن إنشاء المرجعية الوطنية، مهما بلغت أهمية الخطوة، لا يكفي وحده. فالنجاح يتطلب تمكينها من ممارسة اختصاصاتها، وتوفير الموارد اللازمة، وتفعيل أدوات التنسيق والمتابعة، وتحويل السياسات الوطنية إلى التزامات تنفيذية لدى جميع الجهات المعنية.
كما أن الحوكمة لا تعني فقط تحديد من يضع السياسة ومن ينفذها، بل تعني أيضاً تحديد من يتابع الأداء، ومن يقيس النتائج، ومن يتحمل المسؤولية عند عدم تحقيق الأهداف.
وهنا تبرز ضرورة وجود نظام مساءلة مؤسسي لا يقوم على تبادل المسؤوليات أو الاكتفاء بتقديم تقارير الإنجاز، وإنما على تقييم الأثر الفعلي للسياسات والبرامج.
رابعاً: البنية التحتية والمعدات... هل تحولت الاستثمارات إلى تعليم تطبيقي؟
من القضايا التي تستحق مراجعة جادة مسألة الاستثمار في المختبرات والورش والمعدات والتجهيزات الحديثة.
فقد حصلت العديد من مؤسسات التعليم والتدريب المهني والتقني على معدات متقدمة من خلال المشاريع الدولية، وأُنشئت مختبرات وورش تدريبية في تخصصات مختلفة، بعضها يرتبط بالطاقة المتجددة والتكنولوجيا والصناعات الحديثة.
لكن امتلاك المعدات لا يعني بالضرورة استخدامها بكفاءة، ولا يعني أن المتدربين يحصلون على التدريب العملي المطلوب.
وفي هذا السياق، يورد تقرير تورينو لعام 2025 شهادة من أحد مراكز التدريب تشير إلى أن ما يصل إلى 98% من المعدات في المركز جاءت من المشاريع الممولة من الجهات المانحة. وهذه شهادة تخص المركز الذي وردت عنه، وليست نسبة إحصائية عامة لجميع مؤسسات القطاع، لكنها تعكس حجم الاعتماد على التمويل الخارجي.
كما يناقش التقرير مشكلة عدم الاستفادة الكاملة من بعض التجهيزات بسبب نقص المدربين المؤهلين، وارتفاع تكاليف المواد التشغيلية والصيانة، وعدم توافر موازنات مستدامة لتحديث المعدات.
وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا لا تكون خطة التشغيل والصيانة وتأهيل المدربين وتوفير المواد الخام جزءاً إلزامياً من كل مشروع لشراء المعدات وإنشاء المختبرات؟
إن شراء جهاز حديث لا يمثل إنجازاً مكتملًا إذا بقي خارج العملية التدريبية، وإنشاء مختبر لا يحقق هدفه إذا لم تتوافر له الكفاءات والمواد والموازنة اللازمة.
المطلوب أن ننتقل من قياس حجم التجهيزات التي دخلت المؤسسات إلى قياس نسبة تشغيلها، وعدد المتدربين الذين استفادوا منها، ومستوى المهارات التي اكتسبوها، ومدى ارتباطها بمتطلبات سوق العمل.
خامساً: المدرب المهني... الاستثمار الذي لا يجوز تأجيله
لا يمكن تطوير التعليم والتدريب المهني والتقني دون إعادة النظر في واقع المدربين والمدرسين المهنيين.
فالمدرب هو العنصر الأساسي في تحويل المنهاج والمعدات إلى مهارة وكفاءة عملية. ولا يكفي أن يمتلك شهادة أكاديمية أو خبرة سابقة؛ بل يجب أن يجمع بين الكفاءة المهنية والخبرة التطبيقية والقدرة التربوية على نقل المهارة.
وقد أشار تقرير تورينو إلى نقص المدربين المؤهلين، خصوصاً في التخصصات الحديثة، وصعوبة استقطاب الخبرات العاملة في القطاع الخاص نتيجة الفجوة في الأجور والحوافز، فضلاً عن محدودية فرص التطوير المهني المستمر.
وتزداد أهمية هذه القضية في ظل ظهور تخصصات تتطلب مهارات جديدة، مثل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وصيانة المركبات الكهربائية والهجينة، والأمن السيبراني، والتقنيات الرقمية، وأنظمة الطاقة المتجددة.
ولذلك، فإننا بحاجة إلى نظام وطني لإعداد المدربين وترخيصهم وتقييم أدائهم وتطويرهم المستمر، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية للخبرات المهنية، وإيجاد صيغ مرنة للاستفادة من خبراء القطاع الخاص والمهنيين العاملين في مواقع الإنتاج.
كما يجب أن تتضمن المشاريع الدولية مخصصات واضحة لبناء قدرات المدربين، وليس الاكتفاء بتدريبهم لمرة واحدة أو تمويل معدات قد لا تتوافر الكفاءات اللازمة لتشغيلها.
سادساً: سوق العمل... هل نُدرب وفق احتياجاته أم وفق ما هو متاح لدينا؟
إن جوهر التعليم والتدريب المهني والتقني هو إعداد أفراد يمتلكون المهارات والكفاءات التي يحتاجها الاقتصاد وسوق العمل.
لكن المشكلة أن بعض البرامج والتخصصات ما زالت تُصمم وفق الإمكانات المتاحة في المؤسسات، أو وفق ما يتوافر من تمويل، وليس بالضرورة وفق تحليل دقيق للطلب على المهارات والمهن.
وقد أشار تقرير مؤسسة التدريب الأوروبية إلى غياب نظام موحد وفعال لمعلومات سوق العمل، وتشتت البيانات بين المؤسسات، وصعوبة التنبؤ بالمهارات المطلوبة مستقبلاً.
كما أشار إلى أن بعض التخصصات قد تتوسع استجابة لاتجاهات رائجة، دون توافر أدلة كافية على حجم الطلب الفعلي عليها.
وهذا لا يعني أن التخصصات الحديثة أو الرقمية أو الخضراء غير مطلوبة، بل يعني أن إدخالها يجب أن يستند إلى دراسات جدوى وتحليل للطلب، وقدرة المؤسسات على توفير المدربين والمعدات، وفرص التدريب العملي والتشغيل.
ومن هنا تبرز أهمية تفعيل مجالس المهارات القطاعية، بحيث تجمع ممثلي المؤسسات التدريبية وأصحاب العمل والنقابات والغرف التجارية والصناعية، وتشارك في تحديد المهارات المطلوبة وتحديث المعايير والمناهج والتخصصات.
كما يجب ألا تظل الشراكة مع القطاع الخاص محصورة في توقيع مذكرات التفاهم أو المشاركة في الفعاليات، بل ينبغي أن تتحول إلى شراكة فعلية في تصميم البرامج وتنفيذ التدريب العملي وتقييم المتدربين وتوفير فرص التشغيل.
ويحتاج ذلك إلى حوافز حقيقية للمنشآت التي تستضيف المتدربين، مثل دعم جزء من أجور التدريب أو تقديم حوافز ضريبية أو تمويل مشترك، خصوصاً للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي لا تستطيع تحمل تكاليف التدريب بمفردها.
سابعاً: ماذا تقول بيانات تشغيل الخريجين؟
تظل نتائج تتبع الخريجين من أهم المؤشرات التي يمكن أن تساعدنا في تقييم فاعلية منظومة التعليم والتدريب المهني والتقني.
فقد أظهرت دراسة تتبع الخريجين التي أجرتها مؤسسة التدريب الأوروبية بالتعاون مع GIZ وEnabel، ونُشرت نتائجها عام 2019، أن نحو 38% من الخريجين كانوا يعملون بعد ستة أشهر من التخرج، و5% يعملون لحسابهم الخاص، فيما بلغت نسبة العاطلين عن العمل نحو 35%، بينما كان 16% يواصلون الدراسة.
هذه النتائج تتعلق بعينة الدراسة والبرامج التي شملتها، ولا يجوز تعميمها على جميع خريجي القطاع أو اعتبارها مؤشراً حديثاً للوضع الحالي، لكنها تقدم دلالة مهمة على ضرورة استمرار تتبع الخريجين وتحليل انتقالهم من التعليم إلى العمل.
والأهم من معرفة نسبة التشغيل هو الإجابة عن أسئلة أكثر عمقاً:
كم خريجاً يعمل في مجال تخصصه؟ وكم منهم اضطر للعمل في مجال مختلف؟ وما مستوى الأجور؟ وما مدى استقرار الوظيفة؟ وهل يمتلك الخريج المهارات التي يتوقعها صاحب العمل؟ وهل يحتاج إلى إعادة تدريب قبل أن يصبح قادراً على أداء عمله بكفاءة؟
كما يجب ألا نحمّل مؤسسات التدريب وحدها مسؤولية البطالة، فالتشغيل يرتبط أيضاً بالوضع الاقتصادي العام، وحجم الاستثمار، وقدرة القطاع الخاص على التوسع، والظروف السياسية والقيود التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني.
لكن هذه الظروف تجعل مواءمة التدريب مع فرص العمل المتاحة والمستقبلية أكثر أهمية، وتفرض تطوير مسارات التشغيل الذاتي وريادة الأعمال والعمل الحر، إلى جانب الوظائف التقليدية.
ثامناً: التمويل الدولي والفرص المتاحة... من تعبئة الموارد إلى إدارة أثرها
لا يمكن الحديث عن تطوير التعليم والتدريب المهني والتقني دون الحديث عن التمويل، خاصة في ظل الأزمة المالية التي تواجه المؤسسات الحكومية الفلسطينية، ومحدودية قدرتها على تغطية تكاليف التطوير والتحديث والتشغيل.
وقد كان للتمويل الدولي دور مهم في دعم هذا القطاع، من خلال الحكومة الألمانية وبنك التنمية الألماني، والاتحاد الأوروبي، والوكالة البلجيكية للتعاون الدولي (Enabel)، والوكالة السويسرية للتنمية والتعاون، والبنك الدولي، واليونسكو، ومنظمات دولية أخرى.
لكن الفرصة الحقيقية لا تكمن فقط في الحصول على تمويلات إضافية، بل في تطوير آلية وطنية لتعبئة الموارد وتوجيهها وفق الأولويات والنتائج.
وفي هذا الإطار، تبرز عدة مسارات تستحق العمل عليها:
1. تفعيل صندوق التمويل الوطني للتعليم والتدريب المهني والتقني: والبناء على تجربة صندوق تنمية المهارات الذي جرى تطوير تصوره ضمن مشروع Enabel، والاستفادة من تجربة صندوق TIME المدعوم من بنك التنمية الألماني، وصولاً إلى آلية تمويل وطنية تدعم البرامج ذات الأولوية والمرتبطة باحتياجات سوق العمل.
2. تطوير التمويل القائم على النتائج: بحيث لا يقتصر التمويل على شراء المعدات أو تنفيذ الأنشطة، بل يرتبط بمؤشرات مثل عدد المتدربين الذين أكملوا التدريب، ونسبة اجتياز تقييم الكفاءة، وفرص التشغيل، ورضا أصحاب العمل، واستدامة البرامج.
3. توسيع الشراكة التمويلية مع القطاع الخاص: من خلال التمويل المشترك للتدريب العملي، والتلمذة المهنية، وتوفير المعدات والخبراء، وتقديم حوافز للمنشآت التي تستثمر في تدريب الشباب وتشغيلهم.
4. توجيه التمويلات الدولية نحو التحولات الاقتصادية الجديدة: بما يشمل الاقتصاد الأخضر والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية، والصناعات الذكية، والزراعة الحديثة، والخدمات الصحية والسياحية، والتخصصات التي تتيح فرصاً حقيقية للعمل الحر وريادة الأعمال.
5. ربط تمويل التدريب بأولويات التعافي والتنمية: خصوصاً في ظل الدمار الذي أصاب قطاع غزة، والحاجة إلى إعادة تأهيل المؤسسات التدريبية، وتطوير المهارات اللازمة لإعادة الإعمار، وخلق فرص عمل للشباب والنساء والفئات المتضررة.
6. تطوير نظام وطني لرصد التمويل والمشاريع: يتضمن قاعدة بيانات موحدة للمشاريع والجهات الممولة والمخصصات والأنشطة والنتائج، لمنع الازدواجية وتكرار التمويل، وضمان التكامل بين البرامج.
وتشير مراجعة السياسات لعام 2025 إلى أهمية تنويع مصادر التمويل، وتطوير آليات تقاسم التكاليف مع القطاع الخاص، والمنح المرتبطة بالأداء، والأوقاف والمساهمات المحلية، إلى جانب زيادة التمويل الحكومي الأساسي لتغطية التشغيل والصيانة والمواد التدريبية.
وهنا يجب أن نؤكد أن التمويل الدولي فرصة وشراكة تنموية مهمة، وليس بديلاً عن المسؤولية الوطنية في التخطيط والقيادة والاستدامة. فالمطلوب أن تنتقل المؤسسات من انتظار المشاريع إلى امتلاك القدرة على تحديد الأولويات، وإعداد البرامج القابلة للتمويل، والتفاوض مع الشركاء، وإدارة الموارد، وقياس أثرها.
تاسعاً: مراجعة مهنية من داخل المنظومة... ومسؤولية لا أتنصل منها
ولأنني أتناول هذا الموضوع من موقع الخبرة والممارسة، أجد من الضروري أن أوضح أنني لم أكن يوماً خارج هذه المنظومة أو بعيداً عن تفاصيلها.
لقد عملت لسنوات طويلة في مؤسسات التعليم والتدريب المهني والتقني، وفي مواقع إدارية وفنية متعددة، وشاركت في تطوير الخطط والبرامج والسياسات، وإدارة مراكز التدريب، ومتابعة المؤسسات، والعمل على ملفات سوق العمل والتخطيط والتطوير المؤسسي، كما شاركت في مراحل من العمل الوطني المرتبط بالتنسيق مع المؤسسات والشركاء الدوليين.
ولم أكن خلال معظم تلك السنوات صاحب القرار الاستراتيجي أو السلطة التي تتيح لي تغيير السياسات أو إعادة تشكيل المنظومة وفق ما أراه ضرورياً. كنت جزءاً من العمل المؤسسي، أتحمل مسؤولياتي المهنية والإدارية ضمن حدود الصلاحيات المتاحة لي.
وعندما أتيحت لي فرصة العمل في موقع قيادي ومحوري داخل الهيئة الوطنية للتعليم والتدريب المهني والتقني، لفترة قصيرة، كنت أدرك حجم التحديات وتراكم الاختلالات، وأهمية الانتقال من إدارة البرامج والمشاريع إلى بناء منظومة وطنية أكثر تكاملاً وفاعلية.
لكنني أقول ذلك بكل صراحة ومهنية: لم أتمكن خلال تلك الفترة المحدودة من إحداث الإصلاح المؤسسي والتغيير الذي كنت أطمح إليه، ولم تكن المدة أو الظروف أو حدود الصلاحيات والموارد كافية لتحقيق تحول بهذا الحجم والتعقيد.
ولا أذكر ذلك لتبرير ما لم يتحقق، أو للتنصل من المسؤولية المهنية، أو لإلقاء اللوم على أشخاص أو مؤسسات، بل لأن الإصلاح المؤسسي لا يتحقق بمجرد وجود أفكار جيدة أو وصول أشخاص يمتلكون الخبرة إلى مواقع المسؤولية؛ إنه يحتاج إلى إرادة مؤسسية وسياسية مستمرة، وبيئة داعمة، وصلاحيات واضحة، وموارد كافية، واستقرار في السياسات، وتعاون حقيقي بين جميع الأطراف.
كما أنني لا أرى أن التجارب السابقة كانت خالية من الإنجازات، ولا أن الجهود التي بذلها العاملون في المؤسسات أو الشركاء الدوليون كانت بلا قيمة. فقد تحققت إنجازات حقيقية، وتراكمت خبرات ومعارف وممارسات جيدة، لكنها لم تتحول بالقدر الكافي إلى إصلاح شامل ومستدام على مستوى المنظومة.
ومن هذا المنطلق، فإن مراجعتي اليوم هي مراجعة مهنية ووطنية، أبدأ فيها بمراجعة التجربة التي كنت جزءاً منها، قبل أن أطالب الآخرين بمراجعة أدائهم.
عاشراً: من إدارة المشاريع إلى إدارة النتائج... ما الذي ينبغي أن يتغير؟
في تقديري، نحن بحاجة اليوم إلى انتقال نوعي في طريقة إدارة هذا القطاع، يقوم على مجموعة من الأولويات العملية:
• إجراء مراجعة وطنية مستقلة للاستراتيجيات والمشاريع والتمويلات السابقة، وتحديد ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك.
• تحديث الاستراتيجية الوطنية ضمن رؤية شاملة للتنمية الاقتصادية والتشغيل والتعليم، دون فصلها عن مراجعة التنفيذ السابق.
• تمكين الهيئة الوطنية للتعليم والتدريب المهني والتقني من ممارسة دورها المرجعي والتنسيقي والتخطيطي، مع وضوح مسؤوليات المؤسسات التنفيذية.
• بناء نظام وطني موحد لمعلومات سوق العمل والمهارات، وربطه بتخطيط البرامج والتخصصات.
• اعتماد نظام مستدام لتتبع الخريجين وقياس التشغيل والتشغيل الذاتي ومدى ارتباط الوظائف بالتخصصات.
• تطوير منظومة إعداد المدربين وترخيصهم وتأهيلهم المستمر، واستقطاب الخبرات المهنية من سوق العمل.
• مراجعة واقع المختبرات والمعدات، وقياس نسب استخدامها وكفاءتها، وتوفير موازنات تشغيلها وصيانتها.
• تعزيز التدريب القائم على العمل والتلمذة المهنية، وتوفير حوافز فعلية للقطاع الخاص للمشاركة.
• تطوير منظومة وطنية للتمويل تقوم على تنويع المصادر وربط الإنفاق بمؤشرات الأداء والنتائج.
• إنشاء نظام متابعة وتقييم ومساءلة دوري، تُنشر نتائجه بشفافية، وتُستخدم مخرجاته في تعديل السياسات وتحسين الأداء.
ولا بد أن تكون هذه الأولويات جزءاً من برنامج إصلاح محدد، بجدول زمني ومسؤوليات ومؤشرات قياس واضحة، لا مجرد توصيات تضاف إلى تقرير أو وثيقة جديدة.
أخيراً: متى ننتقل من صناعة الاستراتيجيات إلى صناعة النتائج؟
إن التعليم والتدريب المهني والتقني ليس مساراً تعليمياً ثانوياً، ولا خياراً بديلاً لمن لم يتمكنوا من الالتحاق بالتعليم الأكاديمي، بل هو أحد أهم مداخل بناء رأس المال البشري، ورفع الإنتاجية، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد، ومواجهة البطالة، والاستعداد للتحولات التكنولوجية والمهنية المتسارعة.
لقد أنفقنا سنوات طويلة في إعداد الاستراتيجيات، واستثمرنا موارد مالية وبشرية كبيرة، واستفدنا من دعم دولي مهم، وأنتجنا كماً كبيراً من الدراسات والتوصيات والخبرات.
ولذلك، فإن المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تكون مجرد تكرار لما سبق، ولا أن تتحول إلى سباق جديد لإعداد الوثائق وإطلاق المشاريع والمؤتمرات.
نحن بحاجة إلى ثقافة مؤسسية مختلفة؛ ثقافة لا تقيس النجاح بعدد الاجتماعات والورش والدورات والمشاريع والأموال المصروفة، بل بما تغير فعلياً في قاعات التدريب والورش والمختبرات، وبما اكتسبه المتدربون من مهارات، وبما حصل عليه الخريجون من فرص عمل، وبما أضافته هذه المنظومة إلى الاقتصاد والمجتمع.
كما نحتاج إلى أن نسأل عن استدامة كل مشروع بعد انتهاء تمويله، وعن المسؤولية المؤسسية عن النتائج، وعن مدى قدرة المؤسسات الوطنية على قيادة التطوير بدلاً من الاكتفاء بإدارة التدخلات والمشاريع.
إن النقد هنا ليس تقليلاً من قيمة الجهود السابقة، بل هو محاولة للاستفادة منها ومنع تكرار أخطائها، والبناء على ما تحقق بدلاً من البدء من نقطة الصفر في كل مرة.
فالمشكلة لم تعد في أننا لا نعرف ماذا ينبغي أن نفعل، بل في قدرتنا على تحويل ما نعرفه إلى تغيير حقيقي ومستدام.
منذ أكثر من عشرين عاماً ونحن نطور استراتيجيات التعليم والتدريب المهني والتقني، فهل آن الأوان لأن ننتقل من تطوير الاستراتيجيات إلى تطوير المنظومة نفسها، ومن إدارة المشاريع إلى إدارة النتائج، ومن ثقافة الإنجاز الورقي إلى ثقافة الأثر والمساءلة؟
هذا هو السؤال الذي أعتقد أن القطاع ومؤسساته وشركاءه بحاجة إلى مواجهته اليوم.
"د. عماد سالم: خبير في التعليم والتدريب المهني والتقني وسوق العمل والتنمية والسياسات التعليمية"
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


