في ظل تعطل القضاء وفقدان الوثائق خلال الحرب.. الوسائل البديلة تفتح نافذة لحماية الحقوق والممتلكات في غزة

20.10.2026 06:07 PM

وطن للأنباء: ألقت الحرب والدمار الواسع في قطاع غزة بظلال ثقيلة على منظومة العدالة، في ظل تضرر المؤسسات وتعطل عمل بعض المحاكم، وفقدان الوثائق والمستندات، ونزوح أطراف النزاعات وتشتتهم، ما جعل الوصول إلى القضاء وتسوية النزاعات، ولا سيما المتعلقة بملكية الأراضي والمنازل، أكثر صعوبة.

وفي ظل هذه الظروف، برزت الوساطة والتحكيم والتسوية الودية كآليات بديلة ومكملة للقضاء، يمكن أن تساهم في حماية الحقوق وتخفيف أعباء التقاضي والوصول إلى حلول أسرع، لكن ضمن ضوابط قانونية تضمن العدالة وحقوق جميع الأطراف.
واستضافت الحلقة الثانية من بودكاست بدائل الذي يبث عبر شبكة وطن الاعلامية، المحامية رولا موسى، مسؤولة الرقابة ورفع الوعي القانوني في مكتب مساواة غزة، وناقشت معها واقع العدالة خارج المحكمة، ودور الوسائل البديلة في معالجة نزاعات الملكية، وضمان حقوق الفئات الأكثر هشاشة في ظل الحرب والنزوح وفقدان الوثائق.

الحرب أضعفت الوصول إلى القضاء والعدالة

وقالت موسى إن الحرب أثرت بصورة كبيرة على الوضع القانوني في قطاع غزة، وعلى قدرة المواطنين على الوصول إلى القضاء، مشيرة إلى أن الأشهر الأولى شهدت تعطل عمل القضاء النظامي، إلى جانب الأضرار التي لحقت بمؤسسات العدالة.

وأوضحت أن منظومة العدالة نفسها كانت عرضة للاستهداف، بما في ذلك البنية التحتية للمحاكم ومقرات القضاء النظامي والشرعي، فضلاً عن استهداف موظفين وقضاة وأفراد الشرطة، الأمر الذي زاد من صعوبة وصول المتقاضين إلى العدالة.

وأضافت أن الحرب تسببت كذلك في فقدان عدد كبير من الوثائق والمستندات الرسمية، ما انعكس على قدرة المواطنين والمواطنات في قطاع غزة على إثبات حقوقهم، خصوصاً في قضايا الأراضي والمنازل والميراث والملكية.

الوسائل البديلة مكملة للقضاء وليست بديلاً عنه

أكدت موسى أن الوسائل البديلة لحل النزاعات كانت موجودة في القانون الفلسطيني قبل الحرب، إلا أن الظروف التي فرضها العدوان، بما فيها تضرر البنية التحتية وفقدان الوثائق والنزوح، عززت الحاجة إليها.

وشددت على أن هذه الوسائل ليست بديلاً عن القضاء، وإنما مكملة لدوره، داعية إلى استخدامها ضمن إطار قانوني واضح، وبما يضمن حقوق جميع الأطراف المتنازعة.

وأشارت إلى أن الوسائل البديلة قد تكون أسرع وأقل كلفة من التقاضي أمام المحاكم، لكنها لا ينبغي أن تقتصر على عامل السرعة، بل يجب أن تقترن بالأمان والعدالة وضمان الحقوق.

الوساطة المجتمعية.. رضا الأطراف أساس التسوية

وبيّنت موسى أن الوساطة المجتمعية تعد من أبرز آليات حل النزاعات، وتقوم على تدخل وسيط يتولى التوفيق بين الأطراف المتنازعة.

وأكدت أن اختيار الوسيط لا ينبغي أن يستند فقط إلى مكانته الاجتماعية أو كونه من كبار العائلة، بل يجب أن تتوافر فيه معايير الحياد والاستقلال والنزاهة والسمعة الحسنة، إلى جانب امتلاكه المعرفة والخبرة القانونية اللازمة.

وأضافت أن مؤسسات المجتمع المدني تعمل على تدريب وسطاء ومحامين وتشكيل لجان للوساطة، بما يساعد على نشر هذه الآليات بصورة قانونية وسليمة.

وأكدت أن الوسيط لا يمثل أياً من أطراف النزاع، ولا يفرض حلاً عليهم، بل يساعدهم على فهم المشكلة وطرح الخيارات والتوصل إلى اتفاق يرضي الأطراف.

وشددت على أن نجاح الوساطة يرتبط بوجود رضا حقيقي وإرادة حرة لدى جميع المتنازعين، بعيداً عن الضغط أو الإكراه أو استغلال الظروف الاقتصادية والاجتماعية.

توثيق الاتفاق يضمن وضوح الحقوق وآليات التنفيذ

أوضحت موسى أن الوساطة يجب أن تنتهي، في حال التوصل إلى اتفاق، بوثيقة مكتوبة تتضمن تفاصيل النزاع والحقوق وآلية تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

وأشارت إلى أهمية التحقق من شخصية الأطراف الموقعة، ومن أن توقيعهم تم بإرادة حرة وسليمة، خصوصاً في ظل ظروف الحرب وفقدان الوثائق ووجود نازحين وغائبين ومسافرين.

وفي المقابل، أوضحت أن التحكيم يختلف عن الوساطة؛ إذ يخضع لإطار قانوني أكثر انضباطاً، ويتطلب اتفاقاً مسبقاً على التحكيم، ويمكن للمحكم أو هيئة التحكيم إصدار قرار ملزم للأطراف، مع وجود إجراءات قانونية تتعلق بتصديق الحكم أو فسخه.

ليست كل النزاعات قابلة للحل بالوسائل البديلة

وشددت موسى على أن اللجوء إلى الوسائل البديلة لا يصلح لجميع القضايا، إذ توجد نزاعات لا يجوز تسويتها بهذه الطرق، ومنها قضايا تتعلق بالنظام العام وبعض مسائل الأحوال الشخصية التي تدخل ضمن اختصاص المحاكم الشرعية.

وأوضحت أن الخطوة الأولى تتمثل في فهم طبيعة النزاع وتحديد ما إذا كان القانون يسمح بتسويته من خلال الوساطة أو غيرها من الوسائل البديلة.

فقدان سندات الملكية لا يعني فقدان الحق

وفيما يتعلق بفقدان الوثائق، وجهت موسى رسالة إلى المواطنين في قطاع غزة بضرورة عدم التأخر في إعادة بناء ملفات ملكياتهم، والبدء بجمع إفادات الشهود وتوثيقها، وطلب الاستشارات القانونية المتخصصة.

وأكدت أن فقدان سندات الملكية والمستندات الرسمية لا يعني فقدان الحق في الملكية، مشيرة إلى إمكانية الاستعانة بوسائل إثبات أخرى، مثل شهادات الشهود، والقرائن، والإقرارات، والوثائق العرفية أو الرسمية المتوفرة.

كما دعت إلى الاستفادة من السجلات والوثائق الموجودة لدى البلديات والجهات المحلية، بما في ذلك نسخ العقود والفواتير وغيرها من المستندات التي يمكن أن تساعد في إعادة بناء ملف الملكية.

وأشارت إلى أن القانون يتيح، في حالات فقدان الوثائق، الاستناد إلى مجموعة من وسائل الإثبات المكملة، ما يستدعي الحصول على استشارة قانونية قبل اتخاذ أي خطوة.

حماية النساء والنازحين والغائبين في نزاعات الملكية

وتطرقت موسى إلى ضرورة حماية حقوق النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب النازحين والغائبين والمفقودين، باعتبارهم من الفئات الأكثر هشاشة في ظروف الحرب.

وأكدت أهمية ضمان وصول هذه الفئات إلى العدالة والتمثيل القانوني والاستشارات القانونية المجانية، سواء أمام المحاكم أو من خلال الوسائل البديلة المكملة للقضاء.

وضربت مثالاً على ذلك بحالات قد تكون فيها امرأة قد دفعت ثمن شقة أو التزمت بسداد أقساطها، بينما سُجلت الملكية باسم زوجها، ثم توفي الزوج. وأوضحت أن وسائل الإثبات المختلفة، مثل فواتير المياه والكهرباء والشهود وشهود العقد وغيرها، يمكن أن تساهم في إثبات الحقوق، بحسب ظروف كل قضية.

وأكدت أن جمع الأدلة وفهم جميع أطراف النزاع، بمن فيهم الغائبون والنازحون والمفقودون، يشكل جزءاً أساسياً من الضمانة القانونية لأي تسوية.

دعوة إلى حلول سريعة ومجانية وآمنة

وفي ختام حديثها، أكدت موسى أن الواقع الذي يعيشه قطاع غزة يفرض الحاجة إلى وسائل سريعة ومجانية لتسوية النزاعات، لكنها شددت في الوقت ذاته على ضرورة أن تكون هذه الوسائل آمنة وعادلة وتحت مظلة قانونية.

وقالت إن الوسائل البديلة يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في تخفيف أعباء التقاضي، شرط أن تقترن بضمانات تحمي حقوق الأطراف، وتمنع الإكراه أو استغلال الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي فرضتها الحرب.

تصميم وتطوير