خلال نحكيها بصراحة..

الصحة النفسية للشباب الفلسطيني تحت الضغط.. "الأحداث غير الطبيعية تترك آثاراً نفسية عميقة"

05.09.2026 03:27 PM

وطن للأنباء: لم تعد الصحة النفسية لدى الشباب الفلسطيني قضية هامشية، في ظل واقع تتراكم فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بالتزامن مع تداعيات الحرب والنزوح والفقدان والخوف والاعتقالات والاقتحامات المتكررة، ما يضع شريحة واسعة من الشباب أمام أعباء نفسية متزايدة.

واستضافت حلقة جديدة من بودكاست "نحكيها بصراحة"، الذي يبث عبر شبكة وطن الإعلامية بدعم من مؤسسة فريدريش نومان من أجل الحرية الألمانية، الناشطة الشبابية في مجال الصحة النفسية رناد حموز، لمناقشة واقع الصحة النفسية للشباب الفلسطيني، وتأثير البطالة والحرب والاحتلال والوصمة الاجتماعية على قدرتهم على مواجهة الضغوط وطلب المساعدة.

وأكدت حموز أن السنوات الأخيرة شهدت تعقيداً متزايداً في الواقع النفسي للشباب الفلسطيني، مشيرة إلى أن فقدان فرص العمل والأمان الاقتصادي والنفسي، إلى جانب الاعتقالات والاقتحامات المتكررة، كلها عوامل تؤثر سلباً في الصحة النفسية للشباب.


"البطالة لا تسرق فرصة العمل فقط.. بل الأمل أيضاً"
ولم تعد البطالة، وفق النقاش، مجرد مشكلة اقتصادية، بل أصبحت تمس شعور الشباب بقيمتهم ومكانتهم وقدرتهم على بناء مستقبلهم.
وأوضحت حموز أن أعداداً متزايدة من الخريجين يجدون أنفسهم أمام سوق عمل محدود، فيما يعمل كثير منهم في وظائف لا تتناسب مع تخصصاتهم الجامعية، الأمر الذي قد يقود إلى الإحباط وفقدان الأمل.
وقالت إن الشاب الذي يقضي سنوات في الدراسة والتخصص ثم لا يجد فرصة عمل في مجاله قد يصل إلى مرحلة يتساءل فيها عن جدوى مواصلة التعليم أصلاً، وهو ما يفاقم القلق المزمن لدى الشباب.


غزة والضفة.. صدمات مختلفة وقلق واحد
وتطرقت الحلقة إلى الفوارق بين الواقع النفسي للشباب في قطاع غزة والضفة الغربية، في ظل اختلاف طبيعة الأحداث والضغوط التي يتعرض لها الفلسطينيون في المنطقتين.
وأشارت حموز إلى أن المجتمع في قطاع غزة يواجه ما وصفته بـ"الصدمة الجماعية"، نتيجة تعرض مختلف الفئات العمرية والاجتماعية للحروب والأحداث الصادمة، من الأطفال والنساء والشباب إلى كبار السن.
أما في الضفة الغربية، فتتجسد الضغوط في الاعتقالات والمداهمات والنزوح وفقدان الأحبة والشعور بالعجز أمام ما يحدث في غزة، الأمر الذي يراكم القلق ويؤثر في قدرة الشباب على التخطيط للمستقبل.


"نعيش يومنا بيوم"..
وأكدت حموز أن استمرار الأحداث الصادمة يجعل كثيراً من الشباب يعيشون حالة من عدم اليقين بشأن المستقبل، قائلة إن فقدان الأمل وشعور العجز وفقدان الأحبة بصورة متكررة يدفعان الشباب إلى التركيز على مجرد تجاوز اليوم، بدلاً من التخطيط للمستقبل.
وأضافت أن الخوف والقلق والتوتر المتكرر يمكن أن يترك آثاراً نفسية متراكمة، ما يستدعي تعزيز المبادرات التي تساعد الشباب على التعامل مع هذه الضغوط والوصول إلى المختصين عندما تصبح الحاجة لذلك ضرورية.


البيئة الداعمة.. "كتف أسند عليه"
وفي مواجهة هذه الضغوط، برزت أهمية وجود دوائر دعم آمنة حول الشباب، سواء داخل الأسرة أو بين الأصدقاء أو في المجتمع.
وأكدت حموز أن وجود مساحة آمنة يستطيع فيها الشاب الحديث عن مشاعره من دون أحكام مسبقة يعزز قدرته على التكيف والمرونة النفسية، مشيرة إلى أن الدعم الاجتماعي يمكن أن يشكل عاملاً حامياً في مواجهة الضغوط النفسية.


السوشيال ميديا.. مساحة للمقارنة ومضاعفة الإحباط
وحذرت حموز من أن وسائل التواصل الاجتماعي قد تتحول، بالنسبة لبعض الشباب، إلى عامل إضافي للضغط النفسي.
وأوضحت أن الشاب الذي يواجه البطالة أو يشعر بأنه لا يحقق ما يطمح إليه قد يقارن نفسه بأقرانه الذين يعرضون عبر منصات التواصل صوراً عن النجاح والعمل والسفر والزواج، من دون أن يعرف الظروف الحقيقية التي مروا بها.
وأكدت أن ما يظهر على مواقع التواصل لا يعكس بالضرورة القصة الكاملة، الأمر الذي قد يدفع بعض الشباب إلى الشعور بالفشل والإحباط وفقدان الأمل.


"أنت زلمة.. لا تبكي"
ومن أبرز القضايا التي ناقشتها الحلقة، الوصمة الاجتماعية المرتبطة بطلب المساعدة النفسية، خصوصاً بين الذكور.
وأشارت حموز إلى أن بعض الشباب لا يزالون محاصرين في صورة نمطية تعتبر أن الرجل يجب أن يكون قوياً دائماً، وألا يعبر عن خوفه أو حزنه أو ضعفه.
وقالت إن من حق الشاب أن يبكي ويخاف ويعبّر عن مشاعره، مؤكدة أن كبت هذه المشاعر، خصوصاً بعد التعرض المتكرر للأحداث الصادمة، قد يقود إلى الانسحاب والعزلة واضطرابات في النوم والشهية وغيرها من المؤشرات النفسية.


متى يصبح الضغط النفسي بحاجة إلى تدخل؟
وفي محاولة للتمييز بين الضغط النفسي الطبيعي والمشكلة التي تحتاج إلى تدخل، أوضح النقاش أن القلق أو الحزن المؤقت قد يكون جزءاً من الحياة اليومية، لكن القلق يصبح أكثر إثارة للقلق عندما يستمر ويبدأ بالتأثير في الروتين والمهام اليومية.
ومن أبرز المؤشرات التي تستوجب الانتباه: الشعور بالعجز، فقدان الشغف، اضطرابات النوم، تغير الشهية، العزلة والانسحاب من الأنشطة والعلاقات الاجتماعية.
وشددت الحلقة على ضرورة النظر إلى مدة الأعراض وشدتها وتكرارها، وعدم التعامل مع ظهور عرض عابر ليوم واحد باعتباره بالضرورة مؤشراً على اضطراب نفسي.


"طلب المساعدة ليس ضعفاً"
وأكدت حموز أن أحد أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً هو ربط المرض النفسي بالجنون، أو اعتبار اللجوء إلى الطبيب أو الأخصائي النفسي دليلاً على الضعف.
وشددت على أن الصحة النفسية ليست رفاهية، بل حق من حقوق الشباب، داعية كل من يشعر بأنه بحاجة إلى المساعدة إلى طلبها وعدم البقاء وحيداً أمام الضغوط.
وأشارت إلى وجود مؤسسات تقدم خدمات دعم وإرشاد نفسي مجانية، مؤكدة أن الوعي لدى الشباب بشأن أهمية طلب المساعدة شهد ارتفاعاً خلال الفترة الماضية.


هل تصل الخدمات النفسية إلى كل من يحتاجها؟
ورغم تعدد المؤسسات العاملة في مجال الصحة النفسية، ناقشت الحلقة وجود تحديات مرتبطة بقدرة الشباب على الوصول إلى الخدمات، خصوصاً في ظل البطالة والظروف الاقتصادية الصعبة.
وأوضحت حموز أن عدداً من المؤسسات يعمل على توفير خدمات مجانية، تشمل الإرشاد النفسي الفردي والجلسات النفسية المجتمعية، في المدن والقرى والمخيمات، داعية إلى تكثيف الجهود المشتركة بين المؤسسات والجهات المعنية لضمان وصول الخدمات إلى الفئات الأكثر احتياجاً.


الأسرة قد تكون "بيئة دعم".. وقد تتحول إلى مصدر ضغط
وحملت الحلقة الأسرة جزءاً مهماً من مسؤولية حماية الصحة النفسية للشباب، محذرة في الوقت نفسه من الضغوط التي قد يمارسها الأهل بصورة غير مقصودة، خصوصاً من خلال المقارنات مع الآخرين.
وأكدت حموز أن الأهل يستطيعون ملاحظة مؤشرات مهمة لدى أبنائهم، مثل التغير المفاجئ في الروتين والسلوك، زيادة العدوانية أو الانسحاب والعزلة، داعية إلى تخفيف الضغوط والمقارنات وتوفير بيئة أكثر دعماً.
وشددت على أن كل شاب أو طفل له ظروفه وقدراته الخاصة، وأن دور الأسرة يجب أن يكون داعماً لا مصدراً إضافياً للضغط.


المدرسة والجامعة.. أكثر من مجرد أماكن للتعليم
وأكدت الحلقة أهمية أن تتحول المدارس والجامعات إلى مساحات أكثر اهتماماً بالدعم النفسي والاجتماعي، باعتبار أن الشباب يقضون جزءاً كبيراً من حياتهم داخل المؤسسات التعليمية.
ودعت حموز إلى تعزيز خدمات الصحة النفسية في المدارس، وتدريب المعلمين على ملاحظة التغيرات السلوكية لدى الطلبة، وتعزيز مبادئ الإسعافات النفسية الأولية.
كما طرحت أهمية إدخال التوعية بمبادئ الإسعاف النفسي الأولي في الجامعات، بما يساعد الشباب على فهم الضغوط التي يمرون بها والتعامل معها بصورة أفضل.
نحو تعاون أوسع.. الصحة النفسية مسؤولية جماعية
وفي ختام الحلقة، شددت حموز على ضرورة تكثيف التعاون بين وزارة الصحة ومؤسسات المجتمع المدني والمجتمعات المحلية والجامعات، بدلاً من عمل المؤسسات بصورة منفصلة.
وأكدت أن توحيد الجهود وتوسيع نطاق المبادرات والحملات التوعوية يمكن أن يسهم في تعريف الشباب بالخدمات المتاحة وطرق الوصول إليها.
وتبقى الرسالة الأبرز التي حملتها الحلقة أن الاهتمام بالصحة النفسية ليس ترفاً ولا ضعفاً، بل ضرورة لحماية الشباب وتمكينهم من مواجهة واقع فلسطيني مثقل بالحرب والاحتلال والبطالة والقلق، وأن طلب المساعدة خطوة باتجاه التعافي وليس علامة على العجز.

تصميم وتطوير