خلال بودكاست "نحكيها بصراحة": د. زيد الكيلاني: ما يواجهه التعليم في فلسطين ليس فاقداً تعليمياً... بل انهياراً يهدد مستقبل الشباب

27.06.2026 03:33 PM

وطن للأنباء: حصل طلبة المدارس على "ماجستير في الفاقد التعليمي"، هكذا وصف الناطق باسم وزارة التربية والتعليم حجم الأزمة التي تضرب قطاع التعليم الفلسطيني بعد سنوات من جائحة كورونا، وحرب الإبادة على غزة، والاجتياحات في الضفة الغربية، والأزمة المالية التي أدت إلى تقليص الدوام المدرسي وتراجع جودة العملية التعليمية.

أزمة لا تتوقف عند حدود التحصيل الدراسي، بل تمتد إلى شخصية الشباب ومستقبلهم وفرصهم في التعليم الجامعي وسوق العمل. وفي وقت تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتزايد الدعوات لتطوير المناهج، تبرز تساؤلات حول قدرة المنظومة التعليمية على مواكبة هذه التحديات.

وفي حديثه لبودكاست "نحكيها بصراحة"، الذي يبث عبر شبكة وطن الإعلامية بدعم من مؤسسة فريدريش نومان من أجل الحرية الألمانية، قال الخبير التربوي د. ثروت زيد الكيلاني إن توصيف ما تعيشه المنظومة التعليمية بـ"الفاقد التعليمي" لا يعكس حقيقة الواقع، معتبراً أن ما حدث هو "انهيار تعليمي"، لأن الأهداف الأساسية للتعليم لم تعد تتحقق بالشكل المطلوب، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على إعداد جيل الشباب للمستقبل.

وأوضح زيد الكيلاني أن الأزمة هي نتاج تراكم سنوات طويلة من التحديات، مشيراً إلى أن زمن الحصة الدراسية تقلص منذ عام 2007 من 45 دقيقة إلى 40 دقيقة، كما انخفضت مدة الاستراحة إلى عشر دقائق، قبل أن تتفاقم الأوضاع بفعل الإضرابات المتكررة، وأزمة الرواتب، وجائحة كورونا، وصولاً إلى الدوام الجزئي الحالي الذي اقتصر على ثلاثة أيام أسبوعياً، الأمر الذي أثر في جودة التعليم الذي يتلقاه الطلبة والشباب المقبلون على التعليم العالي.

وأضاف أن هذه الظروف دفعت المعلمين إلى التركيز على المفاهيم والمهارات الأساسية فقط، على حساب العديد من الموضوعات التعليمية، ما أدى إلى تراجع فعلي في سنوات التعلم التي يتلقاها الطلبة، موضحاً أن الطالب يحصل، في أفضل الأحوال، على ما يعادل تسع سنوات ونصف من التعليم الفعلي بدلاً من 12 عاماً، الأمر الذي أسهم في انتشار مظاهر "الأمية المقنعة"، بل والأمية الأبجدية لدى شريحة من الطلبة، وهو ما يهدد جاهزية الشباب أكاديمياً ومهنياً في المراحل اللاحقة.

وأكد زيد الكيلاني أن وظيفة التعليم لا تقتصر على نقل المعرفة أو تنمية المهارات الأكاديمية، وإنما تشمل بناء شخصية الطالب وتعزيز استقلاليته وقدرته على التفكير الناقد ومواجهة الأزمات. إلا أن تقليص الدوام المدرسي والفاقد التعليمي أثرا بشكل مباشر على التفاعل الاجتماعي داخل المدرسة، سواء بين الطلبة أنفسهم أو بينهم وبين المعلمين، ما انعكس سلباً على النمو النفسي والعاطفي والاجتماعي، وأضعف قدرة المدرسة على إعداد شباب يمتلكون حس المسؤولية والمواطنة والانفتاح على العالم.

وأشار إلى أن آثار الأزمة تمتد إلى التعليم العالي، حيث يلتحق كثير من الطلبة بالجامعات دون امتلاكهم المعارف والمفاهيم الأساسية التي يفترض اكتسابها في المرحلة المدرسية، ما يخلق فجوات معرفية ومهارية واضحة بين الطلبة.

وشدد زيد الكيلاني على أن الأولوية الوطنية اليوم يجب أن تتمثل في إعادة المعلم إلى المدرسة وضمان استقرار العملية التعليمية، داعياً إلى الاعتماد بصورة أكبر على الإمكانات الوطنية، من خلال مساهمة مؤسسات المجتمع والقطاع الخاص ورأس المال الوطني في دعم التعليم ضمن إطار المسؤولية المجتمعية، بما يحافظ على استقلالية القرار التعليمي وسيادته، ويضمن مستقبلاً أفضل للأجيال الشابة.

ودعا إلى إطلاق "ورشة وطنية مستدامة" تضم جميع الأطراف ذات العلاقة، من معلمين وطلبة وأولياء أمور وخبراء تربويين، إلى جانب ممثلين عن القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بهدف وضع خطة وطنية لإنقاذ التعليم ومعالجة التحديات التي تواجهه، باعتبارها استثماراً مباشراً في مستقبل الشباب الفلسطيني.

وفيما يتعلق بتطوير نظام الثانوية العامة، أوضح زيد الكيلاني أن تغيير النظام يمثل مطلباً وطنياً ومجتمعياً، لكنه يتطلب إعادة بناء فلسفة التقييم، من خلال منح الطلبة حرية اختيار المسارات التعليمية، واعتماد نظام تراكمي يقيس قدراتهم على مدار سنوات الدراسة، بدلاً من الاعتماد على امتحان واحد باعتباره البوابة الوحيدة للقبول الجامعي.

وأوضح أن النظام الجديد يستند إلى مشروع بدأ العمل عليه عام 2020، ويقوم على توزيع امتحانات الثانوية العامة على عامين، مع توفير مسارات تخصصية متنوعة، تشمل العلوم الطبية والهندسية واللغات والعلوم الإنسانية وغيرها. لكنه أشار إلى أن تطبيق هذا النظام يواجه تحديات عدة، أبرزها انخفاض أعداد الطلبة في بعض المناطق، لا سيما القرى، إضافة إلى الحاجة إلى تطوير المناهج بما يتناسب مع طبيعة كل مسار.

ورأى زيد الكيلاني أن النظام المطروح لا يمثل تحولاً جذرياً في فلسفة التقييم، بقدر ما يعيد تنظيم إدارة الامتحان، إذ جرى توزيع الاختبارات على عامين، بينما بقي امتحان الثانوية العامة يشكل المعيار الأساسي للقبول في الجامعات.

وفي ختام حديثه، أكد زيد الكيلاني أن الشباب يمثلون الطاقة الحقيقية للمجتمع، فيما تشكل الجامعات مرحلة النضج الفكري وتكوين الوعي والانخراط في الشأن العام، معتبراً أن التنسيق بين طلبة المدارس الثانوية وطلبة الجامعات يمكن أن يخلق حراكاً مجتمعياً ضاغطاً باتجاه إصلاح منظومة التعليم، باعتبارهم الفئة الأكثر تأثراً بمخرجاتها والأكثر ارتباطاً بمستقبل سوق العمل.

تصميم وتطوير