خلال بودكاست "نحكيها بصراحة": الذكاء الاصطناعي يفرض واقعاً جديداً.. خبير يدعو لتغيير أساليب التعليم الجامعي
وطن للأنباء: يشهد العالم اليوم تحولات متسارعة يقودها الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد مجرد أداة تقنية مساندة، بل أصبح قوة مؤثرة تعيد تشكيل سوق العمل وأساليب التعليم وحتى طرق التفكير والإنتاج. ومع التطور المتسارع لقدرات هذه التقنيات في إنجاز المهام وتحليل البيانات وصناعة المحتوى، تبرز تساؤلات جوهرية حول موقع الشباب في هذا الواقع الجديد؛ وكيفية مواكبة التطوات المتلاحقة والمهارات التي يجب اكتسابها للحفاظ على القدرة التنافسية في عالم يشهد تطورا وتغيرا بوتيرة غير مسبوقة.
وفي حديثه لبودكاست "نحكيها بصراحة" الذي يبث عبر شبكة وطن الإعلامية، بدعم من مؤسسة فريدريش نومان من أجل الحرية الألمانية، قال الريادي في مجال الذكاء الاصطناعي تامر منصور إن الذكاء الاصطناعي لن يلغي الوظائف التقليدية أو يحل مكانها بشكل كامل في الوقت الحالي، وإن كان ذلك قد يحدث في مرحلة ما مستقبلاً، موضحاً أن التحول الحقيقي يتمثل في تغير طبيعة الوظائف وشكلها. وأشار إلى أن عدداً كبيراً من الوظائف الإدارية والتقنية قد تتأثر إذا توفرت أدوات أو آلات قادرة على أداء المهام نفسها بكفاءة أعلى، ما يجعل الحاجة إلى بعض الأدوار البشرية أقل، مرجعاً ذلك إلى انخفاض تكلفة التقنيات وقدرتها على الإنجاز بشكل أكبر.
وأكد في الوقت ذاته أهمية العنصر البشري في إدارة أدوات وتقنيات الذكاء الاصطناعي وربطها ببعضها البعض، لافتاً إلى أن المرحلة المقبلة ستحتاج إلى موظفين يمتلكون الكفاءة والقدرة على التحليل والتفكير النقدي، بينما قد تتراجع الحاجة إلى بعض الوظائف الأخرى، وهو ما يمثل جوهر التحول الحاصل في طبيعة العمل.
وأضاف منصور أنه يحرص دائماً، خصوصاً عند حديثه مع الطلبة والخريجين، على التأكيد أن التركيز يجب أن يكون على اكتساب المهارات أكثر من التركيز على المعرفة النظرية فقط.
وأكد أن المعرفة المهارية يجب أن تنعكس من خلال التطبيق العملي، داعياً الشباب إلى خوض التجارب والممارسات العملية وعدم الاكتفاء بالتعليم النظري أو أساليب التلقين، لأن الخبرة العملية هي العنصر الأهم في التطور المهني واكتساب الكفاءات.
وفي رده على مدى جاهزية الجامعات الفلسطينية لمستقبل الذكاء الاصطناعي، قال منصور إن الجامعات في الدول المتقدمة تشهد تحولات كبيرة، مشيراً إلى دراسة أفادت بأن 35% من الجامعات الصينية خلال عامي 2023 و2025 قامت بتغيير تخصصاتها من تخصصات تقليدية إلى تخصصات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والأمن السيبراني، متسائلاً عن موقع الجامعات الفلسطينية من هذه التحولات العالمية.
وأضاف أن البرلمان في سنغافورة أقر عام 2024 قانوناً يلزم كل موظف حكومي يزيد عمره عن 40 عاماً بالالتحاق ببرنامج جامعي لمدة عام كامل لدراسة الذكاء الاصطناعي قبل العودة إلى عمله، وذلك بهدف تقليص الفجوة بين الأجيال في استخدام هذه التقنيات.
وأكد منصور أن الشخص غير القادر على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الوقت الحالي يدخل ضمن نطاق الأمية الرقمية، مشيراً إلى أن المشكلة الأساسية في الجامعات الفلسطينية لا تكمن في الطلبة أو المحاضرين، بل في طبيعة النظام التعليمي القائم على الحفظ والامتحانات التقليدية والأبحاث المكتوبة، بدلاً من التركيز على المشاريع العملية وإنتاج مواقع إلكترونية أو تطبيقات أو أعمال تصميمية تعكس المهارات المكتسبة.
وأضاف أن المشكلة ترتبط أيضاً بالمخرجات المطلوبة من الطلبة وعدم منح الأكاديميين مساحة كافية لتطوير أساليب التدريس بما يواكب التحولات التقنية، داعياً أساتذة الجامعات إلى تطوير أفكارهم وفهمهم للذكاء الاصطناعي.
وأكد أن دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة التعليم الجامعي والمدرسي بات أمراً حتمياً، معتبراً أن المرحلة المقبلة ستشهد تراجعاً في مركزية الشهادة الجامعية بوصفها المعيار الوحيد للحصول على الوظيفة. وأفاد بتراجع قيمة الشهادة نفسها، في ظل توجه الشركات للبحث عن الأشخاص القادرين على تحقيق النتائج بغض النظر عن امتلاكهم شهادات أكاديمية من عدمه.
وحول استخدام الفلسطينيين لأدوات الذكاء الاصطناعي، أشار منصور إلى دراسة أظهرت أن أكثر من 70% من أفراد المجتمع الفلسطيني يستخدمون الذكاء الاصطناعي، وهي من أعلى النسب عالمياً، مقارنة بدول لا تتجاوز فيها نسبة الاستخدام 30%، بينما تبلغ في الولايات المتحدة نحو 40%.
واعتبر أن هذه النتائج تعكس وعياً فلسطينياً متزايداً بأهمية الذكاء الاصطناعي وسهولة الوصول إليه، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في طبيعة الاستخدام وجودته، موضحاً أن الاستخدام السائد ما يزال سطحياً إلى حد كبير مقارنة بالاستخدامات الإنتاجية والمتخصصة التي يمكن أن تفتح أمام الشباب فرصاً للعمل على المستوى العالمي.
وحول أبرز الأدوات المتاحة، أوضح منصور أن الأهم من الأداة نفسها هو عقلية المستخدم وقدرته على توظيفها بالشكل الصحيح. وأشار إلى أن أدوات المحادثة مثل ChatGPT تعد من أبرز الأدوات عالمياً، إلى جانب Gemini التابع لشركة جوجل، وGrok، إضافة إلى النموذج الصيني DeepSeek والنموذج الفرنسي Mistral.
أما في مجال إنتاج الصور، فأوضح أن نموذج الصور داخل ChatGPT يتصدر المشهد حالياً، يليه Gemini . وفي مجال إنتاج الفيديو، أشار إلى التقدم الصيني الكبير، حيث يتصدر نموذج Seedance 2 التابع للشركة المالكة لتطبيق تيك توك، يليه نموذج Kling الصيني، ثم Veo 3 التابع لشركة جوجل. أما في مجال الأبحاث فأشار إلى أداة NotebookLM التابعة لجوجل.
وفيما يتعلق بالأمان والخصوصية، شدد منصور على ضرورة عدم التركيز فقط على سلبيات الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى وجود قضايا قانونية رفعت في الولايات المتحدة ضد بعض الأدوات بدعوى تقديم نصائح ضارة، لكنه في المقابل أكد أن هذه التقنيات ساعدت الكثير من الأشخاص في تجاوز حالات نفسية صعبة.
ونصح بعدم مشاركة الأسرار الشخصية أو المعلومات الخاصة مع أدوات الذكاء الاصطناعي، لأن احتمالية الاختراق تبقى قائمة مستقبلاً، ما قد يعرّض الخصوصية للخطر. وفي المقابل، أكد أن مستوى الحماية والخصوصية في شركات الذكاء الاصطناعي العالمية مرتفع، لأن أي تسريب كبير للبيانات قد يؤدي إلى انهيار أو تراجع كبير في القيمة السوقية لهذه الشركات.


