لبرنامج "عدل بودكاست" : د. أحمد الأشقر: عدم تنفيذ الأحكام القضائية في فلسطين ظاهرة تهدد النظام الدستوري والسلم الأهلي

18.09.2025 03:33 PM

وطن للأنباء: حذّر المحامي والقاضي السابق والمحاضر الجامعي د. أحمد الأشقر من تنامي ظاهرة عدم تنفيذ الأحكام القضائية وقرارات المحاكم في الأراضي الفلسطينية، مؤكداً أن هذه الممارسات باتت تمس جوهر العدالة وتهدد ثقة المواطن بالمؤسسة القضائية، ما ينعكس سلباً على النظام الدستوري والسلم الأهلي برمته.

ظاهرة مقلقة بأبعاد متعددة

وأوضح الأشقر، في حديث موسع في حلقة جديدة من برنامج "عدل بودكاست" الذي تنتجه الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم"، بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية عن تجربته القضائية والعملية في مهنة المحاماة، أن عدم تنفيذ الأحكام لم يعد حالات فردية بل تحوّل إلى ظاهرة مقلقة، حيث يشهد المجتمع الفلسطيني والمتقاضون استياءً واسعاً من تعطيل أو تأخير تنفيذ القرارات القضائية. ويرى أن هذه الظاهرة مرتبطة بعدة عوامل، منها:

• معيقات الاحتلال وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق الخاضعة لسيطرته.

• غياب الرقابة الفاعلة على الأجهزة المسؤولة عن التنفيذ.

• ضعف الإرادة المؤسسية والسياسية في فرض هيبة القانون.

• وجود تقصير إداري ومؤسسي، وأحياناً تقاعس أو سوء إدارة.

تنوع الأحكام وتعدد الجهات المنفذة

بيّن الأشقر أن الأحكام القضائية في فلسطين تتنوع بين مدنية وجزائية وإدارية، ولكل منها آليات تنفيذ مختلفة. ففي القضايا المدنية، مثل دعاوى إخلاء المأجور أو المطالبة بالحقوق المالية، تتولى دوائر التنفيذ إصدار الأوامر، فيما تلتزم الشرطة بتنفيذ قرارات الإخلاء أو الحبس. أما الأحكام الجزائية، فهي مسؤولية النيابة العامة بالتعاون مع الأجهزة الأمنية. وفيما يتعلق بالأحكام الإدارية، فهي واجبة النفاذ على الجهات الحكومية والنقابية، كقرارات إعادة موظف إلى عمله أو إعادة صرف راتبه.

لكن الأشقر أكد أن "الإشكالية تكمن في أن معظم هذه الأحكام لا تُنفذ بالصورة المطلوبة، مما يؤدي إلى تراكم آلاف القضايا والأوامر القضائية غير المنفذة"، وهو ما يضعف ثقة المواطن بالعدالة ويخلق حالة من الفوضى القانونية.

مظاهر التعطيل والتحايل

وأشار الأشقر إلى أن تعطيل التنفيذ يأخذ أشكالاً متعددة، منها المماطلة أو التجاهل، وأحياناً التحايل على قرارات الإفراج. وضرب مثالاً بحالات يُفرج فيها عن معتقل بقرار قضائي، لكن الأجهزة تعيد اعتقاله بعد أمتار من خروجه عبر فتح ملف جديد له، واصفاً ذلك بأنه "ممارسة خطيرة تشكل إساءة لاستعمال السلطة وتفريغاً للحكم القضائي من مضمونه".

واعتبر أن هذه التصرفات لا تقتصر على مخالفة القانون فقط، بل ترقى إلى جرائم فساد وانتهاك لحقوق الإنسان، وتتعارض مع الاتفاقيات الدولية التي التزمت بها فلسطين في مجال المحاكمة العادلة وضمان الحقوق.

نص دستوري واضح… ولكن

ذكّر الأشقر بالمادة (106) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لعام 2003، التي تنص على أن الأحكام القضائية واجبة النفاذ، وأن الامتناع عن تنفيذها أو تعطيلها يشكل جريمة يعاقب عليها بالحبس والعزل من الوظيفة. وأوضح أن هذه الحماية الدستورية لم تأتِ من فراغ، بل جاءت لضمان احترام مبدأ الفصل بين السلطات وحماية النظام الدستوري من الانهيار.

لكنه أشار في الوقت نفسه إلى غياب الآليات العملية التي تُلزم بعض المؤسسات، خاصة في الأحكام الإدارية، على التنفيذ السريع، مما يجعل النصوص الدستورية والقانونية غير فاعلة في الممارسة اليومية.

تداعيات خطيرة على السلم الأهلي

حذّر الأشقر من أن استمرار هذه الظاهرة يعني عملياً إفراغ القضاء من محتواه وتحويله إلى ديكور بلا سلطة، وهو ما يفتح الباب أمام شيوع أخذ الحق باليد وانتشار الفوضى. وأضاف:"إذا فقد المواطن ثقته بالقضاء، فلن يلجأ إلى المحاكم لحل نزاعاته، وسينصرف إلى القوة الذاتية، وهذا يهدد السلم الأهلي ويضرب النظام الدستوري برمته."

المسؤولية المشتركة والحلول المقترحة

وشدد الأشقر على أن مواجهة الظاهرة مسؤولية مشتركة تقع على عاتق:

• القضاء: بضرورة حماية استقلاله ورفض أي ممارسات تهدف للتحايل على أحكامه.

• السلطة التنفيذية: عبر تبني سياسة واضحة تلزم الأجهزة الأمنية والموظفين بتنفيذ الأحكام ومحاسبة الممتنعين.

• البرلمان: الغائب عن المشهد حالياً، والذي يُفترض أن يمارس دوره الرقابي.

• المجتمع المدني والإعلام: بفضح حالات التعطيل ودعم المواطنين في تقديم الشكاوى.

• نقابة المحامين: التي تمثل خط الدفاع الأول عن حقوق المواطنين، ولها مصلحة مهنية ووطنية في ضمان استقلال القضاء وتنفيذ أحكامه.

كما دعا إلى تعزيز الرقابة المجتمعية، وتفعيل دور المؤسسات الرقابية مثل هيئة مكافحة الفساد، إضافة إلى تمكين المواطن من استخدام حقه في التظلم والشكوى دون خوف من الانتقام.

قضاء مستقل أو لا قضاء

وفي ختام حديثه، أكد الأشقر أن جوهر العدالة لا يكتمل إلا بتنفيذ الأحكام القضائية، معتبراً أن القاضي الذي لا تُنفذ أحكامه يفقد هيبته واستقلاليته، وأن النظام السياسي برمته مهدد بالانهيار إن استمرت هذه الممارسات. وقال:"تنفيذ الأحكام القضائية ليس مسألة شكلية، بل هو الضمانة الأخيرة لحقوق الناس. إذا لم تُنفذ، فإننا أمام خطر فقدان النظام القضائي والدستوري، وفتح الباب أمام شريعة الغاب."

تصميم وتطوير