في الحلقة الثانية من "نافذة رقمية"
مختصون لوطن: "رقمنة التعليم" يتطلب توظيف التكنولوجيا لنقل المعرفة من النظام التقليدي إلى نظام مبني على البحث والمعرفة والتعلم الذاتي والتفكير والنقد
• "التعليم عن بعد" يختلف كليا عن التعليم الالكتروني الذي ما زلنا بعيدين عنه
• "رقمنة التعليم" يعتمد بشكل كبير على تطوير قدرات الطلاب ويكون دور المعلم "مسيرا" فقط
وطن: يشهد العالم تحولا رقميا في شتى مجالات الحياة، ومع جائحة كورونا انتشر هذا المجال الرقمي بشكل أكبر، ما استدعى انخراط كافة شرائح المجتمع به، خاصة بعد تحول المدارس إلى "التعليم عن بعد"، حيث أصبح الطلبة أكثر استخداما للانترنت، وهو ما عزز من مبادئ التعلم المستمر، و"تفريد" التعليم، والتعلم الذاتي.
في الحلقة الثانية من برنامج "نافذة رقمية" الذي تنتجه الحاضنة الفلسطينية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات "بيكتي"، بالتعاون مع شبكة وطن الإعلامية، سلطنا الضوء على ما فرضته "كورونا" من واقع جديد على صعيد التعليم والتوجه نحو التعليم الإلكتروني والتعليم عن بعد، وعن دور الأهالي والمعلمين، والمؤسسات الحكومية والخاصة ات العلاقة، وصولا إلى "رقمنة التعليم" بشكل كامل.
وأكد ضيفا الحلقة المهندس عارف الحسيني رئيس مجلس إدارة مؤسسة النيزك، والسيدة رند الوحش- منسقة البحث والرصد في الحملة العربية للتعليم للجميع- مركز "ابداع المعلم"، ضرورة البناء على ما وصلت إليه العملية التعليمية من مراحل خلال السنتين الماضيتين، وتقييم التجربة وتطويرها، للمراكمة على الجهود التي بذلت على صعيد تطوير قدرات المعلمين وتوفير البنية التحتية في المدارس للتحول إلى التعليم الالكتروني.
تعريفات واضحة
وقدم الحسيني تعريفا واضحا للمصطلحات المتعلقة بعملية التعلم عبر الإنترنت، وهل نحن في مرحلة "التعليم عن بعد" أو التعليم إلكتروني أو "رقمنة التعليم"، قائلا "يجب أن نفصل أن التعليم عن بعد والذي فرضته جائحة الكورونا يختلف تماماً عن رقمنة التعليم، فالأول الذي فرضته علينا جائحة كورونا يختلف تماماً عن التعليم الإلكتروني ورقمنة التعليم.
واستدرك "في الماضي كان المعلم في غرفة الصف يستخدم أدوات مختلفة ويمكن أن يستخدم الحاسوب بالطريقة التقليدية وجهاً لوجه وما فرضته الجائحة هو التعليم عن بعد، حيث يتم استخدام وسيلة تكنولوجية لكن بالآلية ذاتها المطبقة في أسلوب التعليم وبالأسس القديمة نفسها، ولكن بدلاً أن تواجد الطلبة في غرفة الصف، هم موجودون في بيوتهم ويستخدمون تطبيق "تيميز" أو "زووم" أو اي وسيلة تكنولوجية أخرى، والأستاذ في بيته يشرح الدرس كالمعتاد، وما جهاز الحاسوب هنا إلا وسيلة اتصال تكنولوجية فقط، عوضا عن اللقاء وجهاً لوجه.
وأضاف "بينما التعليم الإلكتروني ورقمنة التعليم تعني انتاج محتوى تعليمي واستخدام تطبيقات تعليمية والتي تركز على التعليم الذاتي والتفاعلي من خلال هذه الوسيلة التكنولوجية، وليس بالضرورة يوجد فيها معلم وطالب، ولكن هناك محتوى تعليمي والكتروني رقمي وتفاعلي ويعرض ذاتياً أو عن طريق معلم، حيث يمكن أن يكون التعليم الرقمي داخل غرفة الصف أو البيت أو تعليما ذاتيا وأيضاً من خلال التعليم عن بعد".
وأشار إلى أن "أفضل سيناريو من هذه الناحية أن يكون لدينا تعليم إلكتروني عن بعد، بحيث يتم استخدام الوسيلة التكنولوجية في التواصل واستخدام التعليم المتزامن، بحيث يتم تعليم كل طالب حسب وتيرة قدرته على التعلم... وأيضاً يوجد هنا تفاعل الكتروني وعرض للمعارف والمهارات والتقنيات بطريقة تعتمد على وسائل تكنولوجية وهناك التطبيقات وكل الوسائل الأخرى".
بين الواقع والوعودات
وقال الحسيني "كنت في لجنة ممثلة عن مؤسسات المجتمع المدني شكلتها وزارة التربية والتعليم، كانت مهمتها إقرار ما يجب أن يتم تعليمه بشكل وجاهي أو بشكل رقمي، وهناك كانت مفاجأة، حيث دائماً ما نقول بإنه يوجد امكانيات ووجود نسبة اتصال بالانترنت تصل لـ89%، ولكن في وجود الجائحة وجدنا أن هذا الاستعداد لم يتجاوز 49%، رغم حديث الكثير من المسؤولين عن الاستعدادات بوجود "تابلت" لكل طالب ومحتوى تعليمي فلسطيني رقمي متميز وتطبيقات عن تعليمات المتزامن مثل قراءة القصص المرسلة من المعلمين، ولكن عند محاولة تطبيق هذا الأمر ظهرت الفجوة الكبيرة في هذه العملية".
وتابع "يمكن القول إن موضوع العدالة في توفير التعليم كان الهاجس الأكبر، حيث يوجد مناطق وقرى نائية ومخيمات تعاني من ضعف الخدمات، وهناك أيضاً مشاكل كبيرة في البنية التحتية في العديد من المدن الفلسطينية بسبب الاحتلال وغيره، ولذلك كان هناك حديث في موضوع التعليم المدمج بحيث لو لم يستطع الطالب التواجد في الحصص أمام الحاسوب يستطيع تعويضها بأيام أخرى في المدرسة.
وكان هذا تحد آخر، وفق الحسيني، بحيث تم توفير 50% تعليم للطالب بشكل وجاهي ونفس النسبة من التعليم عن بعد، والسؤال هل حقاً حصل الطلاب على تعليم حقيقي نسبته 50%!".
وشدد على أن العملية التعليمية لا تحتاج كثيرا لتدخلات الأهل، حيث أن ما يتعلمه الطلبة خارج إطار المدرسة هو أكثر مما يتعلموه داخلها، بسبب انكشافهم على العالم الرقمي وأيضاً ما يتعلمونه من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وأيضاً ما يتم تعلمه من أقرانهم، ويجب علينا في هذه المرحلة فقط ان نغير من طريقة تفكيرنا وتحويل ما يدمنه أطفالنا مثل الألعاب إلى محتوى تعليمي".
وأشار إلى ما صممته مؤسسة النيزك في أحد برامجها، الذي استفاد منه 14 ألف طالب في المدارس الفلسطينية، حيث يلعب الأطفال لعبة تقدم لهم المزيد من المعارف العلمية والتكنولوجية، وعندما يكتسب الأطفال هذه المعلومات يصبح المعلم هنا ميسر لهذه العلمية".
وتابع "مصادر المعرفة لم تعد هي الأستاذ، بل ما نحتاجه هو نهضة في الفكر والتعليم، بحيث يتم استخدام التكنولوجيا لنقل المعرفة من النظام التقليدي القائم على الحفظ والتلقين إلى نظام مبني البحث والمعرفة والتعلم الذاتي والتفكير والنقد، وهذه هي المنظومة التي يجب أن نطمح إليها.
وفي حال رقمنة التعليم يستطيع الأطفال استخدام وتقاسم الـ 24 ساعة في التعليم، بحيث يمارسوا التعليم الإلكتروني بدون ضرورة وجود المعلم، ولاحقاً تقييم المعرفة التي تلقاها الطالب، مثل تطبيق "يلا نقرأ" الذي يستخدمه نحو 7 آلاف طالب والمستخدم في المدارس الخاصة والحكومية والأونروا والذي طورته مؤسسة النيزك، بحيث يقوم المعلم فقط بتحديد القصة التي يجب على الطالب قراءتها.
وتابع "يمكن للطالب قراءة القصة وتسجيلها بصوته على التطبيق في الوقت الممنوح له، ويجيب على الأسئلة المرافقة، وتصل نتيجة الطالب لكل من عائلته ومعلمه، وهذا يسمى بتعليم إلكتروني".
ورأى الحسيني أن استطلاع الرأي الذي أجراه فريق العمل، كارثي، خاصة أن نتيجته أظهرت إصرار الأهالي على مراقبة ما يشاهده أبنائهم أكثر من دفعهم لاستخدام تطبيقات تعليمية، حيث فقط 13 شخصا من بين كل 100 يدركون وجود تطبيقات مخصصة، اما البقية يظنون أنه يجب تعزيز مراقبة الأبناء ومنعهم من الخوض في عالم الانترنت المفتوح".
وأضاف الحسيني "عندما نصل إلى ما نسبته 97% ممن يعتقدون أنه يحب استخدام التطبيقات، فإننا نصبح على الطريق الصحيح".
وشدد الحسيني على أن مؤسسات المجتمع المدني لا يمكن أن تستبدل بدور الوزارة والتربية والتعليم، فوظيفة المجتمع أن يأتي بأفكار جديدة ويجربها، ولكن لا يستطيع فرضها على كل المدارس، بالمقابل نحن نحتاج إلى شجاعة لاتخاذ القرارات الصحيحة حتى لو كانت موجعة، بحيث نضع بين أيدي طلابنا ما يستحق".

إشكاليات الرقمنة
وحول مصطلح "الفاقد الإلكتروني"، لفتت الوحش إلى أن تقييمات التعليم خلال فترة الجائحة وما بعدها أظهرت أن الفاقد التعليمي كان مقلقا للمهتمين في التعليم محلياً وإقليمياً ودولياً، والذي ظهر بفلسطين خلال الجائحة هو استخدام التعليم المدمج والرجوع لاحقاً للمدارس، وهنا ظهرت اشكاليات كثيرة منها عدم توفر البنية التحتية.
وفي احصائيات مركز الإحصاء الفلسطيني أظهرت أن حوالي 49% من الأسر لم تملك اشتراك انترنت خلال فترة الجائحة، حيث يوجد طلبة لم يتعلموا بسبب التذبذب خلال "التعليم عن بعد"، والجزء الآخر في المدارس.
وحول آراء الجمهور بالتعليم الإلكتروني، الذي تحدث عن إيجابياته وسلبياته، قالت الوحش إن "المسؤولية في العملية التعليمية لا تقع على عاتق الأهل وحدهم، بل يجب أن يكون دورهم اسنادي حيث تعتمد الرقمنة على التعلم الذاتي ويجب أن يحصل كل من الطالب والمعلم على المهارات الكافية لاستخدام التقنيات الجديدة في العملية التعليمية".
وتابعت "إذا أردنا التفرقة بين استخدام التكنولوجيا والتعليم الرقمي، علينا نقل المحتوى العادي لمحتوى رقمي، ولكن علينا عدم استخدام نفس المعلومات والطريقة التلقينية والتقليدية".
وعن استعدادات الهيئة التدريسية لـ"التعليم عن بعد" بمعناه الدقيق، قالت الوحش "آخر ما قمنا به هو البحث الإجرائي لعدة معلمين، حيث تبين لنا أننا بعيدون جدا عن "رقمنة التعليم"، لذلك نحاول مداركة ما حصل خلال جائحة كورنا من خلال خطط وضعتها وزارة التربية بالإضافة لكل المؤسسات المختلفة لتعويض الفاقد التعليمي، وتهيئة الظروف للانتقال الفعلي لرقمنة التعليم".


