وجّه بملاحقات ضد الديمقراطيين... ورأى أن الانتخابات أعادت أميركا "خطوة عملاقة إلى الوراء"

"حرب تحقيقات" مرتقبة بين ترمب وخصومه

08.11.2026 08:01 PM

وطن للأنباء: طلب الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، من وزارة العدل التحقيق فيما وصفها بـ"تهديدات" يمارسها خصومه الديمقراطيون ضد مسؤولين في إدارته، فيما بدا مؤشراً على معارك سياسية مبكرة مع خصومه قبل تسلمهم السيطرة على مجلسَي الكونغرس في يناير (كانون الثاني) المقبل.

وجاء هذا التصعيد بعد أيام من الهزيمة القاسية التي تعرض لها الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي، وفي وقت يستعد فيه الديمقراطيون لإطلاق سلسلة من التحقيقات البرلمانية في سياسات البيت الأبيض؛ مما ينذر بـ"حرب تحقيقات" مرتقبة بين الجانبين وتحويل العامين الأخيرين من ولاية ترمب مواجهةً مفتوحةً بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وتزامن تحرك ترمب مع إعادة ترتيب القيادة داخل البيت الأبيض، بتعيين مستشاره المتشدد ستيفن ميلر كبيراً للموظفين خلفاً لسوزي وايلز، في خطوة عكست توجهاً نحو تشديد القبضة السياسية على الإدارة والاستعداد لمواجهة غالبية ديمقراطية لا تُخفي عزمها على استخدام صلاحيات الكونغرس في الرقابة والاستدعاء والتحقيق.

وبينما يسعى الديمقراطيون إلى استثمار انتصارهم الانتخابي في محاسبة إدارة ترمب على ملفات تمتد من الحرب مع إيران إلى سياسات الهجرة والرسوم الجمركية، فإن الرئيس يبدو مصمماً على نقل المعركة إلى أرض خصومه، مستخدماً ما يملكه من صلاحيات تنفيذية، ومراهناً على أن المواجهة المبكرة ستمنع الديمقراطيين من فرض أجندتهم السياسية عليه.

وشكلت نتائج انتخابات الثلاثاء الماضي ضربة سياسية لترمب، بعدما انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ، مُنهين بذلك هيمنة الجمهوريين على السلطتين التنفيذية والتشريعية. ولم تقتصر دلالات النتائج على تبدل موازين القوى داخل الكونغرس، بل حملت رسالة استياء من ارتفاع تكاليف المعيشة، وتداعيات الحرب مع إيران، والسياسات الاقتصادية التي تبنتها الإدارة. وفي البداية، أبدى ترمب استعداداً للتعاون مع القيادة الديمقراطية الجديدة، لكنه سرعان ما انتقل إلى خطاب أكبر تصعيداً، متهماً خصومه باستخدام التهديد بالتحقيقات والعزل للضغط على أعضاء إدارته.

"خطوة عملاقة إلى الوراء"

ورأى ترمب، الأحد، أن انتخابات التجديد النصفي أعادت الولايات المتحدة "خطوة عملاقة إلى الوراء في التاريخ". وقال في منشور على منصته الاجتماعية "تروث سوشيال": "لقد تراجعت أميركا خطوة عملاقة إلى الوراء في التاريخ؛ بسبب نتائج الانتخابات الأخيرة... لكن لا تقلقوا، سنعود أكبر وأقوى من أي وقت مضى!".

ويوم السبت، أمر الرئيسُ ترمب وزارةَ العدل بالنظر في ما عدّها تهديدات صادرة عن الديمقراطيين، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين سلطة الرئيس في توجيه السياسات التنفيذية واستقلال قرارات الملاحقة الجنائية. وتكشف هذه الخطوة عن مفارقة سياسية لافتة، فوزارة العدل التي يريد ترمب استخدامها للتحقيق مع الديمقراطيين، ستكون نفسها في مقدمة المؤسسات التي يعتزم هؤلاء إخضاعَها لرقابة برلمانية مشددة بمجرد تسلمهم رئاسة اللجان المختصة. ومن المرجح أن تصبح هذه المواجهة اختباراً مبكراً لقدرة الطرفين على استخدام صلاحياتهما الدستورية دون الانزلاق إلى أزمة مؤسساتية طويلة.

وزارة العدل في قلب المواجهة

وتشير التحركات الديمقراطية إلى أن وزارة العدل ستكون إحدى أبرز ساحات الصراع المرتقب. فقد كشفت صحيفة "واشنطن بوست"، الأحد، عن أن الوزارة تستعد لموجة من طلبات الوثائق والاستدعاءات وجلسات الاستماع، بعدما تعهد الديمقراطيون بمراجعة قرارات اتخذتها خلال العامين الأولين من ولاية ترمب الثانية، واتهموا الإدارة بتسييس أجهزة إنفاذ القانون واستخدامها لملاحقة خصوم الرئيس. وتشمل الملفات المطروحة للتحقيق ملاحقات استهدفت شخصيات معارضة لترمب، بينها مدير "مكتب التحقيقات الفيدرالي" السابق، جيمس كومي، إضافة إلى تسوياتٍ ضريبية يُشتبه في أن الرئيس وأفراداً من عائلته استفادوا منها، وقراراتِ العفو الرئاسي التي أصدرها ترمب، وطريقةِ تعامل الوزارة مع ملفات رجل الأعمال الراحل جيفري إبستين.

لكن ترمب اختار الرد قبل بدء التحقيقات. ففي منشور على منصته "تروث سوشيال"، اتهم الديمقراطيين بإرسال رسائل تهديد إلى مسؤولين وأشخاص وصفهم بالأبرياء، ورأى أن ما يفعلونه يمثل "ابتزازاً على أعلى مستوى"، داعياً إلى محاسبتهم جنائياً، دون تقديم أدلة علنية تثبت ارتكاب جرائم.

وخص الرئيسُ بالانتقاد السيناتورةَ الديمقراطية إليسا سلوتكين، التي دعت إلى مساءلة المسؤولين المتورطين في تنفيذ سياسات غير قانونية. وردت سلوتكين بأن من ينتهك القانون أو يستخدم أموال دافعي الضرائب لتحقيق مكاسب شخصية ينبغي أن يخضع للمحاسبة، مؤكدة أن مَن لم يرتكب مخالفة فليس لديه ما يخشاه. وهذه المواجهة مع سلوتكين لها خلفيات سابقة؛ إذ خضعت لتحقيق بعد مشاركتها مع مشرعين ديمقراطيين في تسجيلٍ مصور يحث العسكريين وعناصر الاستخبارات على "رفض الأوامر غير القانونية"، لكن هيئة محلفين كبرى رفضت توجيه اتهامات إليهم.

ميلر يقود البيت الأبيض إلى مرحلة التشدد

ويضيف تعيين ستيفن ميلر كبيراً لموظفي البيت الأبيض بُعداً جديداً إلى الصراع. فميلر، الذي ارتبط اسمه بالسياسات المتشددة في ملف الهجرة والدفاع عن توسيع صلاحيات الرئيس، يمثل أحد أبرز الأصوات الداعية إلى المواجهة داخل الدائرة المقربة من ترمب. ويبدو اختياره خلفاً لسوزي وايلز رسالة سياسية تتجاوز التغيير الإداري، مفادها بأن الرئيس لا يعتزم التعامل مع نتائج الانتخابات بوصفها تفويضاً لتعديل سياساته، وإنما على أنها تحدٍّ يتطلب تعزيز الانضباط داخل الإدارة وتحصين قراراتها في مواجهة الكونغرس.

ويقول محللون إن هذه الاستراتيجية قد تضع البيت الأبيض أمام اختبار صعب، خصوصاً أن الديمقراطيين سيحصلون على رئاسة اللجان البرلمانية الرئيسية، بما يمنحهم القدرة على استدعاء كبار المسؤولين، والمطالبة بوثائق داخلية، وفتح تحقيقات قد تطول أكبر الشخصيات نفوذاً في الإدارة. غير أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس لا تعني قدرتهم على فرض جميع مطالبهم. فالرئيس يحتفظ بحق النقض على التشريعات، بينما تستطيع الإدارة الطعن في الاستدعاءات البرلمانية أمام المحاكم، والتمسك بالامتياز التنفيذي لحجب بعض الاتصالات والوثائق. وقد تتحول هذه النزاعات معاركَ قضائيةً تستمر أشهراً، وربما سنوات.

حرب إيران تعود إلى واشنطن

ولا تقتصر المواجهة المرتقبة على التحقيقات والملفات الداخلية. فالحرب مع إيران، التي أسهمت تداعياتها الاقتصادية والسياسية في إضعاف الجمهوريين انتخابياً، مرشحةٌ لتصبح أحد أبرز ميادين الصدام بين ترمب والكونغرس الجديد. فالديمقراطيون؛ الذين استثمروا خلال حملاتهم الانتخابية في غضب الناخبين من ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة، سيواجهون ضغوطاً لترجمة وعودهم إلى إجراءات ملموسة، سواء أكانت عبر محاولة تقييد العمليات العسكرية، أم تشديد الرقابة على الإنفاق الدفاعي والقرارات المرتبطة بالحرب.

ويمتلك الكونغرس أدوات مؤثرة في هذا المجال، أبرزها سلطةُ إقرار الموازنات، وعقدُ جلسات الاستماع، ومراجعةُ الصفقات العسكرية، والمطالبةُ بتفسيرات قانونية للعمليات التي تنفذها الإدارة خارج الأراضي الأميركية. لكن قدرة الديمقراطيين على تغيير مسار السياسة الخارجية ستظل محدودة بتوازنات دستورية معقدة؛ إذ يتمتع الرئيس بصلاحيات واسعة بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، كما أن بعض القرارات المتعلقة بالعقوبات والتحركات العسكرية يمكن اتخاذها دون تشريعات جديدة.

ويتخوف المحللون من أن الصدام بشأن إيران قد يتحول مواجهةً أوسع بشأن حدود السلطة الرئاسية في اتخاذ قرارات الحرب والسلام، في وقت يخشى فيه حلفاء واشنطن وخصومها من أن يؤدي الانقسام الداخلي الأميركي إلى زيادة الغموض بشأن التزامات الولايات المتحدة الخارجية.

الديمقراطيون أمام اختبار الحكم

ومع ذلك، فإن الانتصار الانتخابي لا يخلو من المخاطر بالنسبة إلى الديمقراطيين. فرغم حصولهم على غالبية مريحة نسبياً في مجلس النواب، وما لا يقل عن 54 مقعداً في مجلس الشيوخ، فإنهم لا يمتلكون بالضرورة الأصوات الكافية لتجاوز تعطيل التشريعات في الشيوخ أو إسقاط الفيتو الرئاسي. كما أن الإفراط في التركيز على التحقيقات قد يمنح ترمب فرصة لتصوير خصومه بوصفهم منشغلين بالانتقام السياسي بدلاً من معالجة المشكلات الاقتصادية التي دفعت الناخبين إلى التصويت ضد الجمهوريين. وفي المقابل، قد يجد الرئيس نفسه أمام مأزق مماثل إذا تحولت استراتيجيته إلى سلسلة من المعارك مع الكونغرس على حساب معالجة التضخم وتكاليف الطاقة والمخاوف الاقتصادية.

وتشير نتائج الانتخابات، التي شهدت تحول عدد من المناطق الجمهورية التقليدية نحو الديمقراطيين، إلى أن قطاعات من الناخبين لم تعد تستجيب بالقدر نفسه للخطاب السياسي القائم على الاستقطاب، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأعباء الاقتصادية اليومية.

معركة مبكرة على انتخابات 2028

وتتجاوز تداعيات المواجهة الحالية العامين المتبقيين من ولاية ترمب، لتُلقي بظلالها على الانتخابات الرئاسية عام 2028. فالديمقراطيون سيحاولون استخدام سيطرتهم على الكونغرس لإظهار قدرتهم على كبح السلطة التنفيذية، بينما يسعى ترمب إلى الحفاظ على تماسك قاعدته الانتخابية ومنع تحول الهزيمة التشريعية تراجعاً طويل الأمد في نفوذ الحزب الجمهوري.

ومن شأن التحقيقات البرلمانية أن تضع كبار مسؤولي الإدارة أمام اختبارات سياسية وقانونية متكررة، لكنها قد تمنح ترمب أيضاً مادة جديدة لتعبئة أنصاره عبر اتهام الديمقراطيين بمحاولة شل حكومته.

وبين هذين المسارين، تبدو واشنطن مقبلة على مرحلة من الحكم المنقسم، تتراجع فيها فرص التسويات التشريعية الكبرى، وتتقدم المواجهات بشأن الصلاحيات والرقابة والإنفاق العام. والسؤال الذي ستجيب عنه الأشهر المقبلة ليس فقط ما إذا كان الديمقراطيون قادرين على محاصرة ترمب، بل ما إذا كان الرئيس سيستطيع تحويل معركته معهم وسيلةً لاستعادة المبادرة السياسية بعد الهزيمة الانتخابية. فإذا كانت انتخابات الثلاثاء الماضي قد أنهت هيمنة الجمهوريين على الكونغرس، فإنها لم تُنهِ قدرة ترمب على فرض إيقاع المواجهة في واشنطن. فعلى العكس؛ تشير خطواته الأولى إلى أن الرئيس اختار خوض المعركة قبل وصول خصومه إلى السلطة التشريعية، في مواجهة قد تحدد ليس فقط مستقبل إدارته، وإنما أيضاً حدود العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس خلال النصف الثاني من ولايته.

 

تصميم وتطوير