صرخة حياة من قطاع غزة.. شهادات نساء من قلب الإبادة

29.03.2026 02:19 PM

وطن للأنباء: 19 عامًا من الحصار، والحروب المتكررة، أًنهكت حياة الفلسطينيين، ومع اندلاع حرب الإبادة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم تكن النساء على هامش المأساة، بل في قلبها.

حتى يومنا هذا يعشن واقعًا قاسيًا من الخوف والنزوح والفقد، وتمسكهن بالحياة وسط جحيم فاق كل تصور، وأقصى تحمّل.

كان الأخطر في هذه الحرب استهداف حياة النساء ذاتها، عبر إبادة إنجابية قاسية طالت الحوامل وغرف الولادة، حيث أُجبرت كثيرات على الولادة في ظروف لا إنسانية، دون تخدير وعلى ضوء الهاتف، وسط دمار المستشفيات ونقص الغذاء والدواء وحليب الأطفال. ومع النزوح والفقد، حملت النساء آلامًا نفسية عميقة وتفككًا أسريًا، ليصبح الألم اليومي معركة صامتة من أجل البقاء.

تقول النازحة الحامل دعاء الكيلاني، إن الاحتلال دمر منزلها بعد أسبوع من زواجها، فتدمر كل شيء فيه، وليس لديها ملابس كافية تحمي جسدها من البرد.

وتضيف أنها حملت خلال الحرب، وبسبب سوء التغذية التي عانت منها، أصبح وزن الجنين 750 غراما، مشيرة إلى أنها تعتمد على التكية في الغذاء وتبقى محرومة لأسابيع عديدة من الغذاء الصحي الذي يحتوي على الخضار.

وتبيّن النازحة الحامل تحرير أبو غياض، أنه لايوجد رعاية صحية كافية ولا طبيب أخصائي وهناك نقص في المستلزمات والأدوية.

وقالت: منحني الطبيب موعد للولادة خلال أسبوعين، وإن لم أتمكن من الولادة خلال هذه المدة، سيتم إجراء عملية قيصرية لي. مضيفة: أنا خائفة من هذه العملية، لأنه بسبب نقص الأدوية يتم إعطاء الحامل بنج نصفي وفي ذلك خطر على الأم والجنين.

بعد دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لم تعد النساء إلى حياة وردية، فالقهر لازال مستمرا، حيث يواجهن وأطفالهن الحياة في خيام متراصة وغارقة في الوحل من أول شتاء.

تقول النازحة "أم زين"، أنها تعاني من غياب المأوى الذي يقيها من البرد والأمطار، وتعاني من غياب الأغطية والملابس الكافية. مضيفة: خرجت من بيتي في منطقة جحر الديك بلا شيء، ولا استطيع الوصول إلى بيتي لأنه في منطقة مصنفة حمراء خطرة.

وتضيف النازحة هناء أبو خاطر: أعيش أنا وأطفالي في الخيمة، نحن عائلة من ثمانية أفراد نأكل وننام في هذه الخيمة التي لا تقي من البرد ولا الأمطار، ولا يوجد أغطية كافية لأطفالي.

وتؤكد مديرة مركز شؤون المرأة في قطاع غزة أمل صيام، أن النساء تدفع دائما الثمن في كل الحروب، وقد دفعت المرأة الفلسطينية الثمن غاليا في حرب الإبادة على قطاع غزة.

وتوضح أن النساء تفتقد لكل مقومات الحياة، حيث تفتقد للمياه ولماء الشرب، وللخصوصية، وللشعور بالأمن والآمان، كما أنها لا زالت تقف في طوابير دورات المياه والتكيّات.

كما أن هناك نساء مفقودات ومختطفات لدى الاحتلال لا يُعرف عددهن ولا مصيرهن، حوّل الاحتلال أجسادهن ساحة للتعذيب القاسي والإذلال والاعتداء الجنسي الوحشي.

وفق هيئة الأمم المتحدة للمرأة:

أكثر من 33 ألف شهيدة خلال عامي الحرب

تواجه أكثر من مليون امرأة وفتاة وطفلة خطر المجاعة

غالبية النساء والفتيات أُجبرن على النزوح المتكرر 4 مرات على الأقل خلال الحرب

في غزة، هناك أسرة من كل سبع أسر تقودها امرأة وأكثر من 16 ألف امرأة فقدن أزواجهن

700 ألف امرأة وفتاة يكافحن يوميا لتدبير احتياجاتهن الصحية خلال فترة الحيض

أكثر من 318 ألف فتاة في غزة فقدن عامين دراسيين كاملين ويواجهن خطر فقدان العام الدراسي الثالث

تقول النازحة التي فقدت عملها خلال الإبادة الجماعية نجلاء عبد الرحمن، "فتحت مشروعي الخاص (ساندريلا) لتأجير بدلات وفساتين الأطفال، ونجح خلال عامين، ثم جاءت حرب الإبادة وقصف الاحتلال المركز التجاري الذي فيه مشروعي في شمال قطاع غزة وبالتالي خسرت مصدر رزقي ورزق عائلتي".

وتضيف الطالبة الجامعية التي فقدت تعليمها خلال الإبادة الجماعية نغم النجمي، "جاءت الحرب ودمّرت كل أحلامي.. انتهى حلمي في ثانية، وحاليا دراستي متوقفة ولا استطيع إكمالها بسبب حرب الإبادة".

ويشكل دور المؤسسات النسوية في قطاع غزة، ركيزة أساسية في دعم النساء وصمودهن، ومن بينها الشبكة النسوية العربية التي تعمل على رفع أصوات النساء وتوثيق الانتهاكات التي يتعرضن لها في ظل العدوان، الى جانب الدفع لتعزيز حضورهن في معالجة آثار الحرب وإعادة الإعمار وصنع القرار.

تقول مديرة مركز الأبحاث والاستشارات القانونية للمرأة في قطاع غزة زينب الغنيمي، "نحن قادرات ونحن نستطيع أن نقوم بأدوارنا وأعبائنا كما نقوم حاليا، وللأسف لا ينظُر أصحاب القرار لما تفعله المؤسسات النسوية وقياداتها في قطاع غزة، وهو يعتبر بديلا كاملا عن وجود نظام سياسي".

وتضيف الغنيمي "من فقد البيوت هم النساء، فأين تمثيل النساء في اللجان التي تشكلت خاصة لجان الإعمار؟".

ومع كل مبادرة يقدمنها، ومع كل دعم يقدمنه، يواجهن الدمار والخسارة مباشرة، إلا أنهن يصررن على الصمود والاستمرار، حاملات شعلة الأمل والكرامة.

وتُبيّن الأخصائية النفسية الاجتماعية، سلمى الزعانين، أن "الكلام لا يُعبر عما رأيناه في مخيمات النزوح، من حيث وضع السيدات الأرامل والمهجورات من  قبل أزواجهن، واللواتي لا يتلقين الخدمات، وهن يعتبرن فئات هشّة تفتقر لخدمات الرعاية الصحية والإغاثية والنفسية".

وتضيف مديرة مشاريع في مؤسسة أكشن إيد، فاطمة الخالدي، "أنا كسيدة فلسطينية افتخر جدا بأني فلسطينية، لأن النساء الفلسطينيات أثبتن قدرتهن وتحديهن وصمودهن خلال الحرب، كما أثبتت المرأة الفلسطينية أنها قوية لا وتوجد امرأة على وجه الكوكب بقوتها وصمودها، إنها لا تعرف الاستسلام".

فـي قلب غزة، حيث يفرض الواقع القاسـي تحديات يومية، تلعب النساء دورًا محوريًا فـي إعادة بناء حياتهن وبيوتهن وأحيائهن. لسن مجرد ضحايا، بل صانعات تغييـر حقيقـي. يتحملن مسؤوليات مضاعفة: إعالة الأسر، رعاية الأطفال وكبار السن، تقديم الدعم لذوي الإعاقة، القيام بأدوار الرعاية النفسية، والمشاركة الفاعلة في إعادة الاعمار والتعافي وتلعب النساء أدوارا مهمة في المجتمع بأكمله.

ومع كل تحدٍ، تثبت النساء أن مشاركتهن فـي اتخاذ القرار ليست خيارًا، بل ضرورة لبقاء المجتمع.

وتؤكد المحامية رندة الزقزوق أنه خلال حرب الإبادة وبعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لابد من إشراك المرأة في إعادة الإعمار في كافة النواحي سواء الاجتامعية والاقتصادية والثقافية والمشاركة السياسية.

وتضيف الناشطة في جمعية وفاق أسيل صافي، أن "المرأة نصف المجتمع، ويجب أن يكون لها دور حقيقي في صنع القرار، ويجب التكاتف جميعا لإعادة إعمار قطاع غزة ليس فقط في البناء بل أيضا في البنية العامة للقطاع".

ورغم الخراب والمعاناة، تظل نساء غزة شعلة لا تنطفئ، فهن فاعلات وملهمات، سواء على المستوى الفردي أو من خلال المنظمات النسوية التي تصنع الحياة من قلب الأزمة. يمددن أيديهن بالخير والعطاء، ويعيدن بناء مجتمعاتهن الممزقة بقلوب لا تعرف الاستسلام. ويؤكدن أن مطالبهن حقوق إنسانية وصرخة حياة في وجه الحرب؛ ورغم كل الفقد، لم يفقدن إصرارهن على البقاء.

تصميم وتطوير