يونس العموري يكتب لوطن: المقدسي ليس متهما حتى تثبت براءته

أيها السادة في مؤسساتنا الرسمية، تمهلوا قليلا، فالمقدسي ليس متهما حتى تثبت براءته، وليس مطلوبا منه أن يحمل ملفا من شهادات حسن السيرة والسلوك، أو أن يقدم أوراق اعتماد وطنية وأخلاقية كي يمارس حقه الطبيعي في امتلاك الأرض وتسجيلها والتصرف بملكيته وفقا للقانون. وليس من حق أي مؤسسة، أيا كان موقعها أو طبيعة صلاحياتها، أن تضع مواطنا في قفص الاشتباه لمجرد أنه يحمل هوية مقدسية، أو أن تجعل من واقعة تسريب عقارات ذريعة لتعميم الشبهة على آلاف المواطنين الذين لا علاقة لهم بما جرى.
إن المقدسي الذي يطرق أبواب المؤسسات الرسمية لتسجيل أرض ورثها عن آبائه وأجداده، أو لتثبيت ملكية عقار اشتراه بماله، لا يطلب منة من أحد، ولا يستجدي امتيازا، ولا ينتظر شهادة وطنية من دائرة حكومية تمنحه حقا هو قائم أصلا. إنه يمارس حقا قانونيا أصيلا، والمطلوب من المؤسسة أن تحمي هذا الحق وتصونه، لا أن تضعه موضع الاختبار، أو تحوله إلى معاملة معلقة رهنا بتعليمات لا يعرف المواطن متى تصدر ولا على أي أساس تستند.
فمن أين جاءت هذه الفكرة التي تجعل من المقدسي موضع اشتباه مسبق؟ ومن أي منطق إداري أو قانوني استمدت بعض المؤسسات الحق في التعامل مع شريحة كاملة من المواطنين وكأنها مطالبة بتقديم ضمانات مسبقة عن وطنيتها ونزاهتها وسلامة مقاصدها؟ وهل أصبح حمل الهوية المقدسية قرينة تستوجب التدقيق في النوايا، أم أن المواطنة وحقوق الملكية والتصرف بالأرض أصبحت امتيازات تمنحها المؤسسات لمن تشاء وتحجبها عمن تشاء؟ إننا هنا لا نناقش إجراء إداريا عابرا، ولا نتوقف عند تفصيل بيروقراطي يمكن تجاوزه بتعديل تعميم أو إصدار تعليمات جديدة، وإنما نضع أيدينا على خلل أعمق في طريقة التفكير والإدارة، وعلى منظومة يبدو أنها لا تزال تخلط بين حماية الحقوق ومصادرة القدرة على ممارستها.
ولنتوقف قليلا أمام المفارقة التي تستحق أن تروى بكل ما فيها من مرارة. ثمانية منازل في أريحا، أو ثلاثة وفق تصريحات رسمية أخرى، وقضية تتعلق بشبهات تسريب عقارات ومحاولات استيلاء عليها من قبل المستوطنين، وملف يفترض أن تتجه إليه كل مؤسسات الدولة المعنية بالتحقيق والملاحقة وكشف المتورطين، فإذا بنا أمام تعميم يطال معاملات المقدسيين في تسجيل الأراضي وتسويتها. أي منطق هذا؟ وكيف يمكن الانتقال من واقعة محددة، لها أطرافها وأدلتها وملابساتها التي ينبغي أن تكون موضع تحقيق قضائي، إلى وضع شريحة كاملة من المواطنين تحت طائلة الاشتباه الإداري؟ وهل أصبح المطلوب من آلاف المقدسيين أن يتحملوا تبعات أفعال أشخاص يجري التحقيق معهم، وأن يدفعوا ثمن جريمة لم يرتكبوها، وأن ينتظروا حتى تتفضل المؤسسات بإعادة النظر في حقوقهم ومعاملاتهم؟
إن المسؤولية القانونية لا تقوم على التعميم، والعدالة لا تعرف العقوبة الجماعية، والاشتباه لا يتحول إلى إدانة لمجرد أن صاحبه ينتمي إلى هذه المدينة أو يحمل تلك الهوية. هناك فرق شاسع بين التدقيق في معاملة تحيط بها شبهات محددة، وبين تعطيل معاملات فئة بأكملها على أساس الهوية. وهناك فرق بين حماية الأرض وملاحقة من يحاول تسريبها، وبين وضع أصحاب الأرض أنفسهم في دائرة الشك والارتياب. ومن المؤسف أن تضيع هذه البديهيات في دهاليز الإدارة، وأن يصبح المواطن مطالبا بالدفاع عن حقه أمام المؤسسة التي يفترض أنها وجدت أصلا لحمايته.
وليس المقدسي بحاجة إلى من يختبر وطنيته، ولا إلى من يمنحه شهادة في الانتماء، ولا إلى من يضعه أمام امتحان أخلاقي في كل مرة يريد فيها تسجيل أرض أو تثبيت ملكية أو استكمال معاملة قانونية. لقد حمل المقدسي ما يكفي من الأعباء، وعاش ما يكفي من التعقيدات التي تفرضها عليه سلطات الاحتلال، وتعرضت أرضه وبيته ووجوده لسياسات لا تحتاج إلى كثير من الشرح والتفصيل. فهل كان ينقصه أن يجد أمامه أبوابا إدارية فلسطينية مغلقة أيضا؟ وهل أصبح عليه أن يخوض معركتين في الوقت ذاته ، معركة للحفاظ على وجوده وحقوقه في مواجهة الاحتلال، ومعركة أخرى لإقناع مؤسساته بأن له حقوقا لا يجوز تعليقها أو الانتقاص منها؟
إننا لا نقلل من خطورة تسريب العقارات، ولا نستخف بحجم المخاطر التي تترتب على أي عملية استيلاء أو تزوير أو تلاعب بالملكيات. بل إن حماية الأرض الفلسطينية مسؤولية وطنية ومؤسسية وقانونية لا تحتمل التهاون أو التساهل. لكن حماية الأرض لا تكون بالاشتباه بأصحابها، ولا بتعطيل حقوقهم، ولا بتحويل إجراءات التسجيل إلى متاهة من الموافقات والاشتراطات التي لا تنتهي. حماية الأرض تبدأ من امتلاك المؤسسات منظومة معلومات دقيقة، وسجلات عقارية محصنة، وآليات رقابة وتدقيق فعالة، وملاحقة جدية لكل من يثبت تورطه في تسريب العقارات، أيا كان موقعه أو اسمه أو الجهة التي تقف خلفه. أما أن يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف التي تتحمل نتائج كل خلل، فذلك قلب للأولويات واختلال في مفهوم المسؤولية العامة.
وهنا نصل إلى السؤال الأوسع الذي يتجاوز سلطة الأراضي وتعميمها، ليمتد إلى طبيعة الأداء المؤسسي برمته. أين تبدأ صلاحيات المؤسسات وأين تنتهي؟ ومن يراقب القرارات التي تصدر عنها حين تمس الحقوق الأساسية للمواطنين؟ وأين تقف المرجعيات القانونية قبل أن تتحول الاجتهادات الإدارية إلى إجراءات عامة تطال حياة الناس ومصالحهم؟ وهل أصبحت المؤسسات تملك من المرونة في إصدار التعاميم ما لا تملكه من الكفاءة في معالجة الأزمات؟ ولماذا يبدو أن المواطن هو دائما من يدفع فاتورة الارتباك الإداري، بينما تبقى الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية والمحاسبة معلقة، وتبقى الأخطاء المؤسسية قابلة للتجاوز دون أن نعرف من راجعها ومن تحمل تبعاتها؟
إن أخطر ما في المسألة ليس صدور تعميم قابل للتراجع أو التعديل فحسب، وإنما أن يصبح إصدار مثل هذه القرارات أمرا ممكنا دون أن تكون هناك ضمانات مؤسسية كافية تحول دون المساس بحقوق الناس. فالمؤسسات العامة ليست إقطاعيات، وليست دوائر مغلقة تدير شؤون المواطنين بمنطق الأمر الواقع، وليست ملكا لمن يتولى إدارتها في مرحلة من المراحل. إنها مؤسسات أنشئت بموجب القانون ولخدمة الناس، وتستمد مشروعيتها من احترام القانون وصيانة الحقوق والخضوع للمساءلة. ومن هنا فإن أي قرار يمس حقوق المواطنين ينبغي أن يخضع لمراجعة قانونية واضحة، وأن يستند إلى اختصاص محدد، وأن تكون له مبررات معلنة وضوابط زمنية وإجرائية، وألا يتحول إلى قيد مفتوح على حياة الناس ومصالحهم.
والأكثر إيلاما أن هذه الحكاية تأتي في وقت يحتاج فيه المقدسي إلى كل أشكال الدعم والإسناد، وإلى مؤسسات تفتح أمامه الأبواب وتيسر له سبل تثبيت ملكيته وحماية أرضه، لا إلى مزيد من القيود التي تضيف إلى واقعه المعقد تعقيدا جديدا. فكيف نطلب من المواطن أن يتمسك بأرضه، وأن يحافظ على ملكيته، وأن يواجه محاولات الاستيلاء والتسريب، ثم نضع أمامه إجراءات تعيق قدرته على تسجيل تلك الملكية وتثبيتها؟ وكيف نطالبه بالثقة بمؤسساته إذا كانت بعض قراراتها تضعه في موقع المتهم، وتجعله يشعر بأن عليه أن يثبت حسن نيته قبل أن يحصل على حقه؟
ثم ماذا عن الذين لديهم معاملات قائمة؟ وماذا عن الإرث والبيع والشراء والشراكة وتسوية الأراضي؟ وماذا عن أصحاب الحقوق الذين ترتبط مصالحهم بمعاملات معلقة لا تحتمل التأجيل؟ من يعوض هؤلاء عن الوقت والمال والضرر الذي قد يلحق بهم؟ ومن يتحمل مسؤولية تعطيل مصالحهم إذا تبين أن الإجراء لم يستند إلى أساس قانوني كاف؟ وهل يكفي أن يصدر قرار لاحق بإلغاء التعميم حتى تنتهي المسألة، وكأن شيئا لم يكن؟ إن التراجع عن القرار لا يلغي ضرورة مساءلة المنظومة التي سمحت بصدوره، ولا يعفي المؤسسات من واجب توضيح الأسس التي استندت إليها، ولا يجعل حقوق الناس مادة قابلة للتجريب الإداري.
لسنا بحاجة إلى مؤسسات تتقن إصدار التعليمات بقدر حاجتنا إلى مؤسسات تتقن حماية الحقوق. ولسنا بحاجة إلى منظومة تتعامل مع كل أزمة باعتبارها مناسبة لإضافة قيد جديد على المواطن، بل إلى منظومة تعرف كيف تميز بين المشتبه به وصاحب الحق، وبين الجريمة والمسؤولية الفردية، وبين الإجراءات الاحترازية المشروعة والتعميمات التي قد تتجاوز حدود الاختصاص. فالدولة لا تقاس بعدد تعاميمها، ولا بكثرة التعليمات التي تصدرها دوائرها، وإنما بقدرتها على حماية مواطنيها من التعسف، وصيانة حقوقهم، وإخضاع مؤسساتها للقانون قبل أن تطالب المواطنين بالامتثال له.
ولعل ما نحتاج إلى قوله اليوم، وبكل وضوح، أن المقدسي ليس عبئا إداريا، وليس ملفا أمنيا مفتوحا، وليس مشروعا لمشتبه به ينتظر شهادة براءة من مؤسسة رسمية. إنه صاحب أرض وحق وملكية، والمطلوب من المؤسسات أن تكون إلى جانبه، لا أن تقف في طريقه. وإذا كانت هناك شبكات لتسريب العقارات، فلتكشف، وإذا كانت هناك أسماء متورطة، فلتعلن بعد استكمال الإجراءات القانونية، وإذا كانت هناك ثغرات في منظومة التسجيل، فلتعالج، وإذا كانت هناك تجاوزات داخل المؤسسات، فلتخضع للمحاسبة. أما أن تختلط الأوراق، وأن تتسع دائرة الاشتباه لتشمل أصحاب الحقوق، فذلك ما لا يمكن القبول به أو تمريره باعتباره إجراء احترازيا عابرا.
فكفى تعاميم تجعل المواطن آخر من يعلم، وأول من يدفع الثمن. وكفى إدارة للأزمات بعقلية إطفاء الحرائق، وكفى اختباء خلف عبارات التدقيق والمراجعة والتعليمات اللاحقة كلما اصطدمت القرارات بحقوق الناس. إن كرامة المواطن ليست بندا إداريا قابلا للتأجيل، وحقوقه ليست منحة تمنحها المؤسسات متى شاءت وتسحبها متى شاءت، والأرض ليست مجرد قيود وسجلات وأرقام في دفاتر الدوائر الحكومية. إنها ذاكرة ووجود وامتداد وحياة، ومن لا يدرك هذه الحقيقة لا يدرك معنى المسؤولية التي يفترض أن يحملها.
أما المقدسي، فليس مطالبا بأن يثبت أنه وطني، ولا أن يقدم شهادة حسن سيرة وسلوك، ولا أن يقف في طابور طويل لإقناع المؤسسات بأنه يستحق حقه. يكفي أنه صاحب حق، والحق لا يحتاج إلى شهادة براءة، ولا إلى تزكية من أحد... فالمقدسي ليس متهما حتى تثبت براءته، وليس على صاحب الأرض أن يثبت للمؤسسة أنه يستحق أرضه، بل على المؤسسة أن تثبت أنها أهل لحماية حقه...
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


