التقشف الحكومي موسمي وانتقائي.. "نريد خفضاً حقيقياً ومعلناً للنفقات العامة"
الخبير الاقتصادي عبد الكريم لوطن: أوروبا أول المتضررين من حرب الطاقة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.. و بكين على خط النار "40% من نفط الصين يمر عبر هرمز"
وطن للأنباء: في خضم التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة، وتحول المضائق البحرية إلى ساحات مواجهة مفتوحة، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور نصر عبد الكريم أن الأسواق العالمية وخصوصا الإسرائيلية بدأت تتعامل مع الحرب الإيرانية الإسرائيلية وفق سيناريوهات ما بعد الحرب، وليس وفق معطياتها الميدانية الفعلية.
وقال عبد الكريم خلال برنامج شد حيلك يا وطن عبر شبكة وطن الإعلامية: "الغريب في الأمر أن الدولار انخفض والداو جونز ارتفع 5% برغم أن المنطق يقول إن العملة الأمريكية يجب أن ترتفع كملاذ آمن.. الأسواق والمحللين نظروا الى المشهد ما بعد الحرب، مرجحين أن تخرج اسرائيل منتصرة، وبالتالي هناك نوع من الاطمئنان أن هذه أزمة عابرة".
وأضاف: "هذا ليس بالضرورة رأينا ولا تمنياتنا، ولكن المقيمين الدوليين يرون أن هناك مكاسب كبيرة ما بعد انتهاء الحرب وخصوصا لإسرائيل وانفتاح اقتصادي وتدفقات استثمارية مع الإقليم".
صدمة هرمز: 30% من نفط العالم تحت النار وأسعار الغاز تقفز 50%
أكد عبد الكريم أن إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من نفط وغاز العالم، سيكون له تداعيات كارثية على سلاسل التوريد العالمية، خصوصاً مع تزامنه مع تهديدات بإغلاق باب المندب. لاسيما بعد أن أوقفت قطر تصدير الغاز المسال بعد استهداف بعض منشآتها، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 50% خلال ساعات.
وتوقع عبد الكريم أن يصل سعر برميل النفط في حال طول أمد الحرب إلى 80-90 دولاراً، مستبعداً وصوله إلى 120 دولار، وقال: "لا ننسى أن هناك احتياطات استراتيجية كبيرة.. أمريكا استخدمتها خلال كورونا وحرب غزة لخلق توازن. 100 أو 120 دولار لا تستطيع اقتصادات الدول الصناعية تحمله، خصوصاً أوروبا".
الصين والهند في مرمى النيران.. وأوروبا تدفع الفاتورة
أوضح عبد الكريم أن الدول الأكثر تضرراً من اضطرابات الطاقة هي دول آسيا، حيث تعتمد الصين على مضيق هرمز لتأمين 40% من احتياجاتها النفطية، تليها الهند وكوريا واليابان. أما أوروبا، فقال إنها لا تعتمد كثيراً على نفط الخليج (حوالي 3% فقط)، لكنها ستعاني من ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، خاصة بعد إلغاء شركات التأمين لتغطية مخاطر الحروب في المنطقة.
وأضاف: "شركات كثيرة غيرت مسار سفنها من هرمز إلى رأس الرجاء الصالح، وهذا يزيد التكلفة والمدة، وبالتالي ينعكس على الأسعار النهائية في الأسواق الأوروبية".
فلسطين بين المطرقة الإسرائيلية وسندان الأسعار: ارتفاع غير مبرر يهدد المواطنين
حذّر عبد الكريم من تداعيات غير مباشرة للحرب على الاقتصاد الفلسطيني، مشيراً إلى أن فلسطين تتأثر من خلال دولة الاحتلال التي تستورد منها المشتقات النفطية والغاز. وقال: "إذا تضرر الكيان، سيرتفع سعر البنزين والغاز لدينا.. لكن ما يحدث الآن من ارتفاع في الأسواق المحلية غير مبرر إطلاقاً لأن أي تداعيات في الأسعار لا يجب أن نلمسها قبل 3 أشهر".
وشدد على أن القطاع الخاص يمتلك مخزوناً استراتيجياً من السلع الأساسية يكفي لـ3-6 أشهر كما أكدت وزارة الاقتصاد، وأن أي زيادة حالية في الأسعار تمثل "مظهراً احتكارياً واستغلالاً للحالة"، داعياً إلى متابعة ومراقبة الأسواق لحماية المواطنين الذين "منهكون اقتصادياً أصلاً".
هل ينجح سلاح الطاقة في وقف الحرب؟
في معرض رده على سؤال حول ما إذا كانت إيران تسعى لاستهداف مصالح الغرب عبر الطاقة لدفع أوروبا للضغط لوقف الحرب، قال عبد الكريم: "إذا كان هذا هدفاً إيرانياً، فأنا أعتقد أنه غير موفق.. أمريكا وإسرائيل لا يحملهما الهم الاقتصادي كثيراً في مخططات الهيمنة. الضغط الوحيد عليهما هو الخسائر البشرية والاستراتيجية، كما حدث في فيتنام وأفغانستان".
وأضاف: "الاعتبار الاقتصادي ليس مدخل ضغط على أمريكا ولا إسرائيل.. هما مستعدان لدفع ثمن باهظ مقابل تحقيق أهدافهما التوسعية".
أوروبا تتعلم من أوكرانيا: الاعتياد على الأزمات يخفف الصدمة
توقع عبد الكريم أن تشهد الأسواق حالة من "الاعتياد والتكيف" مع الحرب خلال أسابيع، كما حدث بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. وقال: "الدول لا تترك الأمور للقدر.. أوروبا وجدت بدائل للغاز الروسي رغم التوقعات بانهيارها. الحكومات تخطط وتتكيف، وبعد فترة تبدأ التداعيات تخف"، مستدركاً أن أي "حدث دراماتيكي" في مسار الحرب قد يعيد خلط الأوراق من جديد.
الطاقة النظيفة: خيار استراتيجي لفلسطين.. والغاز المسلوب يبقى قصة ألم
دعا عبد الكريم إلى تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة في فلسطين، معتبراً ذلك خياراً استراتيجياً يقلل الاعتماد على الأسواق الخارجية ويحمي من تقلبات الأسعار. وقال: "فلسطين عندها غاز بس مسلوب، مسروق، مثل باقي الموارد"، مشيراً إلى ضرورة وجود خطة حكومية واضحة للتحول الطاقي، خاصة مع تأكيده وجود استراتيجية بهذا الشأن لدى السلطة.
الملف الاقتصادي الفلسطيني: بين التقشف والاقتراض والدعم الدولي
أزمة مالية عميقة.. تشخيص معروف وحلول غائبة
انتقل عبد الكريم للحديث عن الوضع المالي الفلسطيني في ظل الحرب، واصفاً الأزمة بأنها "معروفة للجميع، معتبرا أن المهم هو الخيارات".
ودعا الحكومة إلى "تقشف حقيقي وجدي ومعلن زمنياً"، بدلاً من التقشف الموسمي والانتقائي، معتبراً أن ذلك يرسل رسائل إيجابية للمواطنين والقطاع الخاص بأن الحكومة جادة في معالجة الوضع.
الموازنة القادمة: نتمنى تفكيراً خارج الصندوق
أعرب عبد الكريم عن أمله في أن تحمل الموازنة الجديدة "أولويات واضحة"، وأن تترجم وعود وزير المالية بـ"التفكير خارج الصندوق" إلى واقع ملموس، يحدد بدقة أين تذهب الأموال العامة وأين يجب وقف الإنفاق.
البنوك بين المخاطرة والمسؤولية الوطنية: هل تقرض الحكومة مجدداً؟
تناول عبد الكريم قضية إقراض البنوك للحكومة، مشيراً إلى أن هذا الأمر يعود لتقدير البنوك وسلطة النقد. وقال: "إذا كانت الأزمة المالية بلا أفق للحل، فالبنوك ستتردد في الإقراض لأن الديون ستتراكم وتتحول إلى ديون مصنفة، وهذا يضر بحساباتها".
وتابع: "لو البنوك تحملت شوية مخاطر إضافية لتحل أزمة الموظفين والأسر وتحرك الاقتصاد، هذا مطلوب، خصوصاً مع اقتراب رمضان وموسم العيد".
وحذّر في الوقت نفسه من الاستمرار في الاقتراض دون رؤية واضحة للسداد، حتى لا تتحمل الأجيال القادمة أعباء إضافية.
الدعم الدولي: شبكة أمان أم قطارة؟
طالب عبد الكريم بتوفير دعم دولي سخي ومنتظم للسلطة الوطنية، قائلاً: "مش دعم بالقطارة 5 مليون أو 7 مليون.. كنا نتمنى يكون فيه صندوق دائم يخصص 200 مليون دولار كشبكة أمان مالية عالمية وعربية". وانتقد ضعف الدعم العربي باستثناء السعودية وبعض المساعدات المحدودة.
وشدد على ضرورة دعم السلطة "كيانياً وسياسياً"، بغض النظر عن الملاحظات على أدائها، لأن انهيارها سيعني "فراغاً وفوضى"، وهذا لا يخدم المشروع الوطني. وقال: "الدول اللي بتقول إنها معترفة بدولتين، مش معقول تدفع السلطة للانهيار ثم تتحدث عن حل الدولتين برعاية الكيان".
ملف غزة: 10 مليار دولار على الورق.. والمعاناة على الأرض
تساءل عبد الكريم عن مصير خطة إعادة إعمار غزة التي تحدثت عن 10 مليار دولار، وعن تأثير الحرب الحالية على هذا الملف. وقال إن معاناة أهل غزة "لا توصف"، مشيراً إلى أن إسرائيل تواصل إغلاق المعابر وتعميق الحصار.


