اسماعيل الريماوي يكتب لوطن: شتاء غزة.. خيام لا تقي البرد وسماء لا تكف عن القصف

07.11.2026 09:48 AM

يقترب الشتاء من قطاع غزة، فيما يستعد مئات الآلاف من النازحين لمواجهة فصل جديد من المعاناة، لا يملكون فيه سوى خيام مهترئة لا تقيهم برد الشتاء ولا تحمي أطفالهم من الأمطار والرياح، خيام غارقة في الوحل، وأغطية بالية، وأجساد أنهكها الجوع والمرض، وعائلات فقدت منازلها ولم تجد مكاناً آمناً يؤويها، هكذا يستقبل الغزيون الشتاء، بعد سنوات من الحرب والدمار والنزوح، وكأن المأساة التي عاشوها لم تكن كافية، حتى أصبح عليهم أن يخوضوا معركة جديدة من أجل البقاء.

ليست الأمطار بالنسبة إلى النازحين مجرد تقلبات في الطقس، بل تهديد مباشر لحياتهم، فالمياه تتسرب إلى الخيام، والرياح تقتلع ما تبقى من أغطيتها، والأطفال ينامون على أرض رطبة وسط البرد، بينما يعجز الآباء والأمهات عن توفير ملابس دافئة أو مكان جاف يحمي أبناءهم، وهناك عائلات أخرى تضطر إلى الإقامة في مبانٍ متضررة وآيلة للسقوط، بعدما دمرت الحرب منازلها وحرمتها من أبسط مقومات الاستقرار، وفي ظل تضرر شبكات الصرف الصحي والمياه، يصبح الشتاء خطراً إضافياً يهدد بانتشار الأمراض والأوبئة، خصوصاً بين الأطفال والمسنين والمرضى.

لكن معاناة غزة لا تقف عند حدود البرد والمطر؛ فالموت ما زال يحاصر السكان من السماء والأرض، فالاعتداءات الإسرائيلية اليومية من قصف وإطلاق نار وتدمير لا تزال تحصد أرواح الفلسطينيين وتبقي الخوف حاضراً في تفاصيل حياتهم، رغم الحديث عن وقف إطلاق النار، وبينما ينتظر النازحون لحظة يلتقطون فيها أنفاسهم، يجدون أنفسهم أمام تهديد متواصل، فلا أمان في الخيام، ولا ضمانة في البيوت المتبقية، ولا قدرة على معرفة متى تنتهي هذه الدائرة من القتل والخراب.

وإلى جانب البرد والقصف، يعود شبح الجوع ليخيّم على القطاع من جديد، فالمساعدات الغذائية لا تصل بالكميات الكافية، والمواد الأساسية شحيحة، والقدرة الشرائية شبه معدومة لدى عائلات فقدت أعمالها ومصادر دخلها وممتلكاتها، وقد أدى نقص التمويل وتراجع الإمدادات إلى تقليص المساعدات الغذائية والوجبات الساخنة، في وقت لا يزال فيه أكثر من مليون فلسطيني يواجهون مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي، وهكذا تجد العائلات نفسها أمام معادلة قاسية: كيف توفر الطعام لأطفالها، وكيف تشتري الدواء، وكيف تؤمّن غطاءً يقيهم برد الليل؟

إن الخطر الحقيقي أن تتحول المجاعة إلى مأساة متجددة، بعدما ظن العالم أن الأسوأ قد انتهى، فالجوع لا ينتظر البيانات السياسية، والأطفال لا يستطيعون تأجيل حاجتهم إلى الطعام، والمرضى لا يملكون رفاهية انتظار وصول الدواء، وما يزيد المشهد قسوة أن سكان القطاع لا يواجهون نقص الغذاء وحده، بل يواجهون انهياراً متزامناً في المأوى والصحة والمياه والخدمات الأساسية، بينما تتجاوز الاحتياجات الإنسانية قدرة الاستجابة المتاحة.

إن غزة لا تحتاج إلى مزيد من التصريحات التي تعبر عن القلق، بل إلى خطوات عاجلة وملموسة: وقف الاعتداءات، وفتح المعابر بصورة مستدامة، وإدخال الغذاء والدواء والوقود والخيام والأغطية ومواد إصلاح المنازل، وتمكين المؤسسات الإنسانية من الوصول إلى جميع المناطق دون عوائق، كما أن مواجهة الشتاء تتطلب حلولاً تتجاوز توزيع المساعدات المؤقتة، وصولاً إلى توفير مساكن آمنة وإعادة تأهيل البنية التحتية التي دمرتها الحرب.

غزة اليوم لا تستقبل الشتاء كما تستقبله بقية مدن العالم؛ إنها تستقبله بخوف أمٍّ لا تعرف كيف ستحمي أطفالها من البرد، وبقلق أبٍ لا يجد ما يسد جوع أسرته، وبدموع طفل فقد بيته وألعابه وأمانه، وبين خيمة

لا تصمد أمام المطر، ومائدة تفتقر إلى الطعام، وسماء لا تزال تحمل خطر القصف، تتكشف مأساة إنسانية لا يجوز للعالم أن يعتاد مشاهدها أو يتعامل معها بوصفها خبراً عابراً.

إن وقف الحرب لا يكتمل بمجرد توقف إطلاق النار، ما دام الناس يموتون جوعاً ومرضاً وبرداً، وما دامت بيوتهم مدمرة وحياتهم معلقة على قوافل المساعدات، فغزة لا تطلب امتيازاً، بل تطلب حقاً أساسياً: أن يعيش أهلها بكرامة، وأن يجد أطفالها سقفاً يحميهم، وطعاماً يسد جوعهم، وشتاءً لا يتحول إلى حرب جديدة على حياتهم.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير