يونس العموري يكتب لوطن: ما القادم

31.08.2026 12:11 PM

 ليس سؤالا عابرا يطرح في جلسة سياسية، ولا سؤالا صحفيا يبحث عن عنوان يصلح لنشرة المساء. انه السؤال الذي يبدو ان الجميع يتهرب منه، مع ان الجميع يتحدث عن المستقبل وكأنه يملكه في جيبه. المواطن يسأل .. ما القادم؟ والقيادة تسأل .. ما القادم؟ والفصائل تسأل .. ما القادم؟ وفتح تسأل نفسها عن فتح، واليسار يسأل نفسه عن هويته، والتحالفات تسأل بعضها عن بعضها، والانتخابات تنتظر من سيأتي بها، ومن سيأتي بالانتخابات ينتظر ما ستفعله الانتخابات. وفي هذه الدوامة  البشعة لا يبقى امامنا الا ان نسأل السؤال مرة اخرى .. ما القادم؟

هل القادم انتخابات فعلا، ام تأجيل جديد يضاف الى قائمة التأجيلات التي اتقناها حتى اصبح التأجيل نفسه احد اشكال الاستقرار؟ هل القادم تحالفات غريبة لا يجمعها برنامج بقدر ما يجمعها الخوف من خسارة الصندوق؟ وهل سنشهد تحت عنوان الوحدة الوطنية ائتلافات هلامية، تتعانق في الصورة ثم تختلف على اول درج في الطريق؟
هل القادم يسار جديد، ام استمرار البحث عن يسار فقد عنوانه وهويته ولم يعد يعرف هل هو يسار سياسي ام مجرد ذاكرة يسارية ترتدي بدلة الانتخابات كلما اقترب موعد الصندوق؟ 
وهل القادم توحيد حركة فتح، ام اعادة تقسيم المقسم، بحيث تصبح القسمة قابلة للقسمة، ويصبح المنقسم منقسما على انقسامه، ثم نخرج جميعا ببيان تاريخي يؤكد وحدة الحركة ويبارك الانقسام؟ هل القادم ان تكتشف فتح اخيرا ان وحدتها ليست صورة جماعية تلتقط قبل الانتخابات، ولا اتفاقا مؤقتا بين المختلفين على ترتيب المقاعد، وان الحركة التي تدخل الصندوق وهي تحمل داخلها اكثر من تعريف لنفسها قد تكتشف بعد الصندوق انها لم تكن بحاجة الى خصوم من الخارج؟ 
هل القادم رئيس جديد؟ نواب جدد؟ وجوه قديمة بقبعات جديدة؟ ام اننا سنكتشف ان التغيير الحقيقي هو ان تتغير الكراسي بينما تبقى الاسئلة جالسة في مكانها؟ 
ما القادم ايضا؟ هل سننتظر انتخابات الكنيست الاسرائيلي لنعرف ماذا سنفعل نحن؟ وهل سيصبح مستقبلنا، مرة اخرى، رهينة لصندوق انتخابي اخر، في مكان اخر، يقرر فيه اخرون شكل حكومتهم ثم نجلس نحن لندرس تداعيات النتيجة علينا؟ وهل سنحتاج هذه المرة الى لجنة جديدة لدراسة نتائج الانتخابات التي لم نشارك فيها، كي نعرف لماذا لم نجر انتخاباتنا؟ 
ثم ماذا عن الثقة؟ هل القادم مزيد من فقدان الثقة؟ المواطن لا يثق بالقيادة، والقيادة لا تثق بالمواطن، وبعض القيادة لا تثق ببعضها، وربما لا تثق حتى بنياتها القديمة والجديدة. الفصيل لا يثق بالفصيل، والحركة لا تثق بجناحها، والجناح لا يعرف ان كان جناحا ام حزبا داخل الحزب، والمرشح لا يثق بالقائمة، والقائمة لا تثق بالمرشح، وفي النهاية يطلب الجميع من المواطن ان يثق بالصندوق. يا لها من ثقة عظيمة ..
ثم يأتي الاقتصاد ليطرح سؤاله بطريقته الخاصة هل القادم اعادة صرف الرواتب كاملة؟ ربما. هل القادم مزيد من الفقر والعوز؟ ربما ايضا. هل القادم طوابير اطول امام ابواب صناع القرار؟ ربما. وهل ستصبح الشحدة السياسية والاجتماعية جزءا من النظام العام، بحيث لا يعود المواطن يطلب حقه وانما يبحث عن واسطة للوصول الى من يستطيع ان يمنحه جزءا من حقه؟
هل القادم مزيد من الهلامية؟ ربما. فالهلامية تبدو هذه الايام اكثر الاشكال السياسية امانا. لا لون محددا، ولا حدود واضحة، ولا برنامج يمكن محاسبته، ولا موقف يمكن الامساك به. تشكيلات تتشكل، وائتلافات تتالف، وتحالفات تتحالف، وكل طرف يقول انه ذاهب الى الانتخابات من اجل المشروع الوطني والوحدة الوطنية والمصلحة العامة، ثم يبدأ بعد ذلك البحث عن المقعد المناسب. واذا لم يكن كل ذلك قادما، فما الذي يمكن ان يكون؟  هل القادم احتراب داخلي؟ هل القادم اقتتال شعبي؟ هل بلغ الانقسام من العمر ما يكفي لكي يتحول من خلاف سياسي الى خصومة اجتماعية، ومن خصومة اجتماعية الى كراهية، ومن الكراهية الى شيء لا نريد حتى ان نسميه؟
هل القادم تهجير؟ هل يصبح التهجير ليس فقط نتيجة لما يفعله الاحتلال، بل نتيجة ايضا لعجزنا عن حماية ما تبقى من قدرة على الصمود؟ وهل يمكن ان نصل الى يوم يصبح فيه السؤال ليس من سيربح الانتخابات، بل من بقي هنا حتى يشارك فيها؟ 
وما القادم بالنسبة للمشروع الوطني نفسه؟ هل القادم اعادة تعريفه، ام اعادة تدويره، ام الاكتفاء باستعمال عبارته في مقدمة البيانات؟ هل ما زلنا نبحث عن دولة، ام اصبحنا نبحث فقط عن ادارة افضل للازمة؟ هل ما زلنا نبحث عن تحرير، ام اصبحنا نبحث عن تسوية تريح الجميع من عناء البحث عن التحرير؟ وهل المقاومة ستبقى فعلا سياسيا حاضرا في معادلة المستقبل، ام ستتحول الى عنوان يستخدمه البعض عند الحاجة، ويخشاه البعض عند الحاجة، ويتفاوض عليه الجميع في الغرف المغلقة؟ 
ثم هناك السؤال الاكثر غرابة .. هل القادم هو استمرار كل هذا؟  ربما... ربما القادم ليس حدثا واحدا، ولا انتخابات واحدة، ولا تحالفا واحدا، ولا رئيسا جديدا، ولا مجلسا جديدا. ربما القادم هو مزيد من هذا الخليط العجيب الذي نعيشه الان .. قليل من السياسة، كثير من المناورات، شيء من الانتخابات، شيء من التأجيل، كثير من البيانات، تحالفات لا يعرف احد كيف ولدت، قوائم لا يعرف احد لماذا اجتمعت، انقسامات جديدة باسم الوحدة، ووحدة جديدة على الورق فقط، وقيادات تتحدث عن المستقبل وهي لا تعرف ماذا ستفعل غدا...  وربما القادم سيدة اولى...  ولم لا؟..
بعد كل هذا الخراب، من حقنا ان نضيف الى المشهد شيئا من البروتوكول. وربما سادة عسس جدد ايضا، ببدلات جديدة وشعارات جديدة، لكن بقدرة قديمة على مراقبة المواطن اكثر مما تستطيع مراقبة المستقبل...  وربما يأتي رئيس جديد فعلا، ومعه نواب جدد، وحكومة جديدة، وشعارات جديدة، وصور جديدة، ووجوه جديدة في الصف الاول، ثم نكتشف بعد قليل ان القادم لم يكن جديدا على الاطلاق...  وربما يكون الجديد الوحيد هو السؤال نفسه. ..ما القادم؟
وهنا تكمن المشكلة. اننا نسأل عن القادم لاننا فقدنا القدرة على صناعة القادم. ننتظر الانتخابات لكي نعرف ماذا سنفعل، وننتظر التحالفات لكي نعرف من نحن، وننتظر نتائج الاخرين لكي نعرف ماذا سنقرر، وننتظر الرواتب لكي نعرف كيف سنعيش، وننتظر المجتمع الدولي لكي نعرف ماذا نستطيع ان نفعل، وننتظر القيادة لكي تقود، والقيادة تنتظر توافقا لا يأتي.  وفي النهاية، قد يكون القادم الوحيد المؤكد هو اننا سنعود مرة اخرى الى السؤال نفسه .. ما القادم ..؟؟  لكن هذه المرة ربما يكون السؤال اكثر قسوة .. هل ما زال القادم لنا... ام اننا اصبحنا مجرد متفرجين عليه؟

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير