رجاء الرنتيسي تكتب لوطن: النساء والاقتصاد في فلسطين: حضور تاريخي في مواجهة سردية مغلوطة

31.08.2026 11:19 AM

اعترتني الدهشة عندما نطقت تلك الخبيرة في النوع الاجتماعي، وهي تُدلي بملاحظاتها على سير العمل في برنامج ممول من حكومتها لتدريب النساء على مهارات التسويق، في البداية، ظننت أن الأمر يستحق التمحيص؛ ربما كانت تلك الاقتراحات ذات أثر إيجابي على مسار التدريب، لكن ما لبث الأمر أن أصبح أكثر وضوحًا، وقد انطلقت ملاحظاتها جميعًا من افتراض مسبق مفاده أن النساء اللواتي نستهدفهن في التدريب لا يعرفن القراءة والكتابة.

ربما لم تكن تلك الخبيرة تعلم أن الإناث يشكلن أغلبية الملتحقين/ات بمؤسسات التعليم العالي الفلسطينية في السنوات الأخيرة، وأن نسبتهن تقارب 60% من إجمالي الطلبة، ولم يكن هذا الموقف مجرد سوء فهم فردي، بل انعكاسًا لصورة نمطية أوسع ما زالت تؤثر في طريقة فهم المرأة الفلسطينية وتصميم البرامج المخصصة لها.
ومن هذه النقطة تحديدًا يبدأ التساؤل حول مدى ملاءمة كثير من مشاريع "التمكين الاقتصادي" للواقع الفلسطيني، وحول الافتراضات التي تستند إليها في تعريف المشكلة التي تسعى إلى معالجتها.
في السنوات الأخيرة، بات مفهوم "التمكين الاقتصادي للمرأة" حاضرًا في كل نقاش يتعلق بالمجتمع الفلسطيني، ومعه تدفقت برامج ممولة بالملايين تحمل هذا الشعار، غير أن الإشكالية لا تكمن في الدعم بحد ذاته، بل في المنطق الذي يستند إليه؛ إذ يقوم، في كثير من الأحيان، على افتراض مضمر مفاده أن المرأة الفلسطينية لم تكن يومًا جزءًا من الحياة الاقتصادية، وأنها تحتاج إلى من يُدخلها هذا العالم لأول مرة.
يمكن ملاحظة هذا الافتراض في طبيعة هذه البرامج ومستهدفاتها ومخرجاتها، الأمر الذي يستدعي توضيح حقيقة انخراط المرأة الفلسطينية في سلسلة الإنتاج ودورها التاريخي في الاقتصاد.
وإذا كان العمل يُعرَّف بأنه كل نشاط ينتج قيمة اقتصادية أو اجتماعية، فإن مساهمة النساء الفلسطينيات لا تقتصر على العمل المأجور، بل تشمل أيضًا العمل المنزلي والرعائي والإنتاج غير الرسمي، ورغم أن جزءًا كبيرًا من هذا الجهد لا يظهر في الإحصاءات التقليدية، فإنه يظل جزءًا أساسيًا من النشاط الاقتصادي والمجتمعي.
وعند الحديث عن العمل خارج المنزل، نجد أن إحدى الحجج التي تقوم عليها مقترحات التمويل تتمثل في أن النساء الفلسطينيات يُمنعن، بفعل الثقافة السائدة، من الانخراط فيه. هذا الطرح، الذي يظهر في كثير من المقترحات المقدمة للجهات المانحة، يتماهى مع نظرة نمطية للمرأة الفلسطينية، لكنه يفتقر إلى الدقة ولا يستند إلى دلائل كافية، كما أنه يتجاهل السياقات التاريخية والاجتماعية المتنوعة لعمل النساء.
وتنبع هذه النظرة من تنميط أوسع للمجتمعات العربية، حيث تُصوَّر النساء باعتبارهن ملحقات بالرجال وربات بيوت غير فاعلات اقتصاديًا، وقد تعززت هذه الصورة عبر وسائل إعلام وخطابات تنموية مختلفة ركزت على جوانب محددة وأهملت واقعًا أكثر تعقيدًا، ورغم عدم إنكار تأثير الثقافة في تشكيل الأدوار الاجتماعية، فإن اختزال ضعف مشاركة النساء في سوق العمل بهذا العامل وحده يُبسط المسألة ويُغفل تاريخًا طويلًا من العمل النسوي المنتج.
في الواقع، لم يكن عمل المرأة الفلسطينية يومًا هامشيًا أو استثنائيًا، ففي القرى والأرياف، كانت النساء شريكات أساسيات في العمل الزراعي، وأسهمن بشكل فعّال في الإنتاج الزراعي وإدارة الموارد والعمل المنزلي المرتبط بالإنتاج، وهو ما يبقى، في جزء كبير منه، غير مرصود في الإحصاءات الرسمية، كما لعبت النساء دورًا محوريًا في نقل المعرفة الزراعية عبر الأجيال، بما أسهم في استمرارية الاقتصاد الريفي وقدرته على الصمود.
وإلى جانب الزراعة، نشطت النساء في مجالات الحرف والصناعات التقليدية، كما مارسن مهنًا مجتمعية وخدمية متعددة، أما في المدن، فقد ظهرت مشاركتهن في التجارة والإعلام والفنون منذ بدايات القرن العشرين، بما يعكس حضورًا اقتصاديًا متنوعًا لا ينسجم مع السردية التي تضع المرأة خارج المشهد الاقتصادي.
وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن مشاركة النساء في القوى العاملة لا تزال منخفضة، إذ تدور حول 19%، لكن قراءة هذا الرقم بمعزل عن السياق الاقتصادي العام قد تقود إلى استنتاجات مضللة، فالبطالة في الضفة الغربية بلغت نحو 28% خلال عام 2025، بينما تجاوزت في قطاع غزة 77%، في ظل أزمة اقتصادية غير مسبوقة.
وتعكس هذه الأرقام اختلالًا هيكليًا عميقًا في سوق العمل الفلسطيني يطال المجتمع بأسره، وإن كانت النساء من أكثر الفئات تضررًا منه، رغم ارتفاع مستويات تعليمهن وتزايد أعداد الخريجات، كما أن جزءًا مهمًا من عمل النساء يتم في القطاع غير الرسمي أو داخل المنزل، وهو ما لا تنجح مؤشرات سوق العمل التقليدية دائمًا في التقاطه.
من هنا، تبدو الإشكالية الحقيقية لا في غياب المرأة عن الاقتصاد، بل في عدم تحوّل هذا الحضور إلى نفوذ في المجالين السياسي والاجتماعي، فالنساء يعملن وينتجن، لكن تمثيلهن في مواقع صنع القرار ما يزال محدودًا، كما تشير البيانات إلى ضعف حضورهن في المناصب القيادية والمؤسسات الرسمية، وأن الأطر القانونية والسياسات الداعمة لا تزال بحاجة إلى تطوير لتعزيز المشاركة الفعلية.
وتتعقد المشكلة أكثر حين يكون التمويل الخارجي هو من يحدد فهم واقع المرأة الفلسطينية؛ إذ يؤدي ذلك إلى تبني تعريفات جاهزة للمشكلة لا تعكس التجربة المحلية، كما أن ضعف المشاركة النسوية يرتبط بعوامل هيكلية في الاقتصاد وسوق العمل، وليس فقط بعوامل ثقافية، ما يستدعي تدخلات أعمق على مستوى السياسات.
إن تغيير هذا الواقع يتطلب جهدًا مشتركًا يبدأ بإعادة بناء المعرفة حول الدور الاقتصادي للمرأة الفلسطينية، من خلال أبحاث جادة توثق تاريخها وتنوع مساهماتها، كما يتطلب مراجعة الافتراضات التي تقوم عليها برامج التدخل، وربط تمكين المرأة بإصلاح الاقتصاد ككل، في ظل القيود البنيوية التي تحد من فرص العمل لجميع الفئات.
النساء في فلسطين لسن ضيفات على الاقتصاد، بل فاعلات فيه منذ زمن طويل، يمتلكن خبرة متراكمة وقدرة على التكيف والإنتاج في مختلف الظروف، وإن ضعف مشاركتهن الرسمية لا يعكس بالضرورة موقفًا ثقافيًا سلبيًا، بقدر ما يعكس أزمة اقتصادية وسياسية أوسع.
ومن هنا، فإن أي جهد حقيقي لدعم المرأة اقتصاديًا ينبغي أن ينطلق من الاعتراف بهذا التاريخ، ومن فهم دقيق للتحديات القائمة، بدل الاعتماد على تصورات جاهزة، ودون ذلك، ستبقى برامج التمكين أسيرة صور نمطية وافتراضات مسبقة تعيق فهم الواقع أكثر مما تساعد على تغييره.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير