الهيئة المستقلة لوطن: الاستيطان والتهميش يخنقان التجمعات البدوية.. أكثر من 90% محرومون من أبسط مقومات الحياة

18.06.2026 11:42 AM

وطن للأنباء: كشفت نتائج مسح مشترك أجرته الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عن واقع صادم تعيشه التجمعات البدوية في فلسطين، حيث أظهرت البيانات أن أكثر من 90% من الأسر تعاني من انعدام الأمن والوصول إلى الخدمات الأساسية، فيما يعيش أكثر من نصف السكان في مساكن هشة أو مؤقتة، في ظل تصاعد الهجمات الاستيطانية وعمليات الترحيل القسري.

وقالت مديرة دائرة الرقابة على السياسات والتشريعات في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان خديجة زهران، خلال برنامج "شد حيلك يا وطن" الذي يبث عبر شبكة وطن الإعلامية، إن الهيئة واجهت غياباً شبه كامل للبيانات المتعلقة بالتجمعات البدوية، موضحة أن الجهاز المركزي للإحصاء يصنف التجمعات السكانية ضمن ثلاثة أنماط فقط هي الحضر والريف والمخيمات.

وأشارت إلى أن هذا الواقع أدى إلى تغييب البدو كنمط من أنماط الحياة الفلسطينية، ما انعكس على غياب البيانات الديمغرافية ومعلومات أماكن وجودهم واحتياجاتهم، الأمر الذي يحد من قدرة المؤسسات الوطنية على تنفيذ تدخلات فعالة بسبب عدم توفر معطيات إحصائية دقيقة، رغم أن بيانات الجهاز المركزي للإحصاء تمثل المرجعية الوطنية المعتمدة محلياً ودولياً.

ولفتت زهران إلى تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بما يشمل عمليات الترحيل القسري المتواصلة من منطقة إلى أخرى وسياسات التجويع، معتبرة أن هذه الممارسات ترقى إلى مستوى العقوبات الجماعية.

وأضافت أن الهيئة واجهت صعوبات كبيرة خلال إعداد التقارير والبحث الميداني، إذ لم تتمكن من الوصول إلى معلومات دقيقة حول مواقع التجمعات البدوية نتيجة الترحيل المستمر، كما أن الجهات الرسمية لم توفر بيانات كافية عنها، الأمر الذي كشف عن فجوات كبيرة في الخدمات المقدمة لهذه التجمعات.

وأوضحت أن الهيئة عقدت سلسلة من اللقاءات والاجتماعات مع جهات مختلفة، وتوصلت إلى أن الأولوية تتمثل في توفير قاعدة بيانات شاملة حول التجمعات البدوية، ليس فقط لخدمة عمل الهيئة، بل لتكون مرجعاً لجميع المؤسسات الفلسطينية.

وأكدت أن الهيئة أجرت خلال العامين الماضيين عدداً من اللقاءات مع الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني للمطالبة بإضافة التجمعات البدوية كنمط من أنماط الحياة الفلسطينية أو تنفيذ مسح خاص بها، مشيرة إلى أن ذلك من شأنه تعزيز صمود هذه التجمعات وحماية أراضيها من التوسع الاستيطاني.

وبيّنت أنه إلى جانب البيانات التي تم توفيرها، شُكلت بقرار من مجلس الوزراء وبتنسيق مع وزارة الحكم المحلي لجنة إدارية قبل بدء تعداد السكان والمساكن لعام 2027، لدراسة أنماط التجمعات السكانية وإمكانية إدراج التجمعات البدوية ضمن التصنيفات الرسمية، معتبرة هذه الخطوة إنجازاً وطنياً مهماً يخدم القضايا الفلسطينية المصيرية.

وأوضحت زهران أن الهيئة نفذت خلال عامي 2025 و2026 مسحاً ميدانياً شاملاً للتجمعات البدوية، وفر قاعدة بيانات واسعة تغطي مختلف الحقوق الأساسية، مؤكدة أن الهيئة ستواصل العمل على هذا الملف خلال السنوات المقبلة، وتقديم توصياتها واستشاراتها للحكومة بالتعاون مع الشركاء المحليين والدوليين.

وأكدت أن الهيئة بصدد إعداد تحقيق موسع حول أوضاع التجمعات البدوية، مشيرة إلى أن نتائج المسح تضمنت أرقاماً وصفتها بالصادمة، خاصة في مجالات الفقر والحقوق الأساسية والخصائص الديمغرافية والحق في العمل والصحة والسكن والأمن والبنية التحتية.

وقالت إن هذه النتائج أثارت تساؤلات عديدة حول أسباب تغييب هذه الفئة وعدم الكشف عن أوضاعها في السابق، مؤكدة أن المسح نُفذ وفق أعلى معايير النزاهة والشفافية، وبمنهجية علمية معتمدة من الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

وأظهرت نتائج المسح أن المساعدات المقدمة للتجمعات البدوية لا تزال أقل بكثير من حجم احتياجاتها الفعلية، الأمر الذي يفسر شكاوى السكان المستمرة من ضعف الدعم والمساندة.

وكشفت البيانات أن المجتمع البدوي يتميز بتركيبة سكانية فتية، إذ تبين أن أكثر من 45% من السكان تقل أعمارهم عن 15 عاماً، وترتفع النسبة إلى نحو 60% لمن هم دون سن 18 عاماً، ما يعني وجود احتياجات متزايدة في مجالات التعليم والصحة والسكن والخدمات الأساسية وفرص العمل.

وأظهر المسح أن نسبة الأمية في التجمعات البدوية بلغت نحو 8%، فيما أفاد 29% من السكان بأنهم تركوا الدراسة بسبب الأوضاع الاقتصادية، في حين أرجع 12.5% تركهم التعليم إلى عدم توفر المدارس. كما بينت النتائج أن أكثر من 90% حُرموا من الوصول إلى حقوقهم وخدماتهم الأساسية بسبب صعوبة الطرق ووسائل الوصول إليها.

وفي القطاع التعليمي، كشفت البيانات أن 80% من سكان التجمعات البدوية تلقوا تعليماً أقل من مستوى الثانوية العامة.

كما أظهرت النتائج أن 45% من أفراد هذه التجمعات هم من اللاجئين، ما يعني أن هذه الفئة تواجه تحديات مركبة بوصفها فئة مهمشة تعيش في مناطق نائية، إلى جانب معاناتها من اللجوء والنزوح المتكرر منذ عامي 1948 و1967 وما يتبع ذلك من آثار التهجير القسري المستمر.

وفي المجال الصحي، كشف المسح أن 65% من التجمعات البدوية الرعوية تفتقر إلى وجود مراكز صحية ولا تصلها العيادات المتنقلة، فيما أكد 90% من الأشخاص ذوي الإعاقة عدم توفر خدمات الرعاية الصحية المناسبة لهم.

كما أفادت أكثر من 64% من النساء بعدم توفر خدمات الرعاية الصحية النسوية، بينما أشار 60.5% من المصابين بالأمراض المزمنة إلى أنهم لا يتلقون خدمات الرعاية اللازمة لأوضاعهم الصحية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، أظهر التقرير أن 41.5% من الأسر لا يتجاوز دخلها الشهري 1000 شيكل، فيما وصفت نحو 46% من الأسر نفسها بأنها فقيرة أو فقيرة جداً.

وأوضحت زهران أن تنفيذ المسح تطلب استخدام مركبات دفع رباعي للوصول إلى العديد من التجمعات، نظراً لوجود ثلاثة أنماط مختلفة من التجمعات البدوية؛ بعضها يقع بالقرب من القرى والمدن، فيما توجد تجمعات أخرى أكثر تهميشاً تقع في مناطق نائية يصعب الوصول إليها بسبب غياب المواصلات أو وجود مخاطر أمنية مرتبطة بالاحتلال.

وأكدت أن صعوبة الوصول إلى هذه المناطق لا تقتصر على المؤسسات، بل تنعكس أيضاً على المواطنين الراغبين في دعم هذه التجمعات من خلال شراء منتجاتها من الألبان والجلود وغيرها، إذ يتطلب ذلك تكاليف مرتفعة ومخاطر إضافية، ما يستدعي دوراً حكومياً أكبر في تسهيل الوصول إليها وفتح الطرق المؤدية لها.

وفي ختام حديثها، شددت زهران على أن التوسع في الاستيطان الرعوي يفاقم من معاناة التجمعات البدوية ويضيق مصادر رزقها التي تعتمد بنسبة 60% على الرعي والثروة الحيوانية، مؤكدة أن استمرار نهب الأراضي وسرقة المراعي يستدعي تحركاً رسمياً ودولياً لمحاسبة الاحتلال وحماته، إلى جانب تعزيز صمود هذه التجمعات ودعم بقائها على أرضها.

تصميم وتطوير