عدم اليقين السياسي يعيد التوتر للأسواق ويُبقي الطاقة على "صفيح ساخن"

الخبير المصرفي سلامة لوطن: هدنة هشة تربك الأسواق العالمية.. النفط يقفز والدولار يتذبذب وسط ضبابية المشهد

09.04.2026 02:55 PM

- الدولار لا يفقد مكانته كملاذ آمن رغم التذبذب
- الشيكل يستفيد من الهدنة وارتفاع الأسهم العالمية
- تحذيرات من مرحلة اقتصادية صعبة تدفع الفلسطينيين نحو مزيد من التقشف

 

رام الله – وطن للأنباء: قال الخبير المصرفي والمستشار المالي، الأستاذ محمد سلامة، إن النفط قفز من جديد بعد أن تراجع يوم أمس فور الإعلان عن الهدنة، مشيراً إلى أن ما يحدث يعود إلى "عدم التأكد من أن وقف إطلاق النار قابل للحياة"، خاصة مع استمرار القصف الإسرائيلي على لبنان وظهور تصريحات إيرانية تتهم أمريكا بالانقلاب على الاتفاق تحت ضغط حكومة نتنياهو.

وتابع خلال برنامج شد حيلك يا وطن الذي يعده ويقدمه الإعلامي نزار حبش لشبكة وطن الإعلامية: "هذا كله أعاد التوتر إلى الأسواق، لأنها لم تعد متأكدة من أن أي اتفاق سينجز خلال الأسبوعين المقبلين".

الدولار لم يفقد مكانته كملاذ آمن

وأوضح سلامة أن الدولار استعاد قوته واستفاد خلال الأزمة، رغم التحليلات السابقة التي توقعت انخفاضه بشكل كبير بسبب خفض الفائدة.

وقال: "الدولار هو عملة الاحتياط الأولى في العالم بنسبة 56%، وفي أثناء هذه الحرب تحديداً استعاد مكانته كملاذ آمن للمستثمرين، وهذا شيء طبيعي".

لكنه أشار إلى أن الدولار يتذبذب، وأن الذهب تراجع بنسبة تصل إلى 1.5% كردة فعل طبيعية عند الإعلان عن وقف إطلاق النار، مضيفاً: "ما استفاد منه الذهب أثناء الحرب لا بد أن يخسر بعضه عند الهدنة".

الشيكل الإسرائيلي.. مفارقة القوة في زمن الحرب

وفي مفارقة لافتة، كشف سلامة عن قوة غير متوقعة للشيكل الإسرائيلي رغم استمرار الحرب.

وقال: "الشيء المختلف عن بقية عملات العالم أن دولة الكيان الصهيوني هي طرف في هذا الصراع. في بداية الحرب، كانت توقعات الخبراء أن النتيجة النهائية قد تكون في مصلحة تخفيض المخاطر الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل، لذلك ارتفع الشيكل.

وأضاف: "لكن الأسبوع الماضي، عندما تفاقمت الأمور وكان هناك تهديد بتصعيد كبير ضد إيران، عاد سعر صرف الدولار ليرتفع إلى مناطق تجاوزت 3.15، لأن نتيجة الحرب أصبحت غير مضمونة".

وتابع: "أمس، بعد الإعلان عن الهدنة، زادت قوة الشيكل من جانبين: انخفاض الدولار بشكل عام، وارتفاع مؤشرات الأسهم العالمية بنسبة لا تقل عن 2.5%، مما دفع الشيكل لاختبار مناطق 3.07".

السر وراء قوة الشيكل

وأرجع سلامة قوة الشيكل إلى عدة مقومات اقتصادية، قائلاً: "البنك المركزي الإسرائيلي يحتفظ برصيد عملات أجنبية تجاوز 230 مليار دولار، أي يقترب من 38% من الناتج المحلي لدولة الكيان".

وأضاف: "هناك فائض في الحساب الجاري بسبب صادرات الغاز والأسلحة. دولة الكيان هي دولة غنية بغض النظر عن زيادة المديونية وتكلفة الحرب، فنسبة الدين إلى الناتج لم تتجاوز سبعين بالمئة، وهذا رقم يوحي بأن الدولة غنية".

وتابع: "الاقتصاد الإسرائيلي هو اقتصاد متنوع ولم يتعرض لنكسات كبيرة. حتى القطاعات التي تراجعت مثل السياحة والزراعة، قابله انتعاش في القطاع التجاري والاستثماري".

وأشار إلى أن "ضربة الصيف الماضي للمفاعلات النووية الإيرانية جعلت الكثير من المستثمرين يعتقدون أن المخاطر الجيوسياسية انخفضت، مما زاد الاستثمار في إسرائيل".

هل يستمر الشيكل قوياً؟

وحول توقعات سعر الصرف، قال سلامة: "كل شيء محتمل، وقد نختبر ثلاثة شواكل لفترة مؤقتة جداً، لكن هناك توازناً اقتصادياً في إسرائيل لا يحتمل قوة مفرطة للشيكل".

وأوضح: "المصدرون دائماً يشتكون من قوة الشيكل المفرطة لأنها تقلل قدرتهم على المنافسة في الأسواق العالمية. قد يتدخل البنك المركزي الإسرائيلي للحد من هذه القوة، كما كان يفعل في 2022".

وتابع: "ما زالت المخاوف قائمة خاصة مع نتائج الحرب واقتراب نهايتها، بالإضافة إلى معمعة سياسية وانتخابات قد تغير منظومة النظام السياسي في إسرائيل. كل ذلك قد يضعف الشيكل أو يوقف قوته".

وختم في هذا الشأن: "توازن سعر صرف الدولار مقابل الشيكل حسب معظم الخبراء هو فوق 3.10 وليس دونها. قد يكون هناك تذبذب سريع انخفاضاً ثم يعود الارتفاع".

ماذا عن الذهب؟

وعن الذهب، قال سلامة: "معادلة الذهب مختلفة. الذهب يستفيد من ضعف الدولار أكثر مما يستفيد من التوترات الجيوسياسية".

وأضاف: "عندما يكون الدولار قوياً، يفضل المستثمرون الاحتفاظ بالدولار في أوقات التوتر المرتفع، لأن البنوك المركزية تحتاج إلى السيولة لتمويل تجارتها واستيراد الطاقة والسلع".

وتابع: "أثناء الحرب، كانت هناك مخاوف من صدمة في أسعار الطاقة تدفع النفط إلى 150 دولاراً، لكن هذا لم يحدث. لذلك لم يستفد الذهب من احتمالات الركود التضخمي".

وحول مستقبل الذهب، قال: "الذهب يبقى سلعة استراتيجية. عندما تشتريه للحفاظ على مدخراتك، لا يهمك إن انخفض سعره أو ارتفع، لأنه مع الزمن سيعود ليرتفع. لكن تجاوزه مستويات 5500-5600 دولار يحتاج إلى مبررات أقوى".

اتهامات بالتلاعب حول تصريحات ترامب

ورداً على سؤال حول ما إذا كان ترامب والمقربون منه يستفيدون من تصريحاتهم قبل إعلان الهدنة في بيع وشراء الأسهم وصفقات النفط العالمية، قال سلامة: "دعني أكون واضحاً من خلال خبرتي 37 سنة في الأسواق المالية: لا يجرؤ ترامب ولا أي رئيس دولة في العالم على تسريب معلومات تؤثر على الأسواق".

وأضاف: "قد تكون هناك اختراقات من المحيطين بالرئيس، لكن الرئيس نفسه لا يفعل ذلك. هناك تحقيقات جارية للتحقق من الصفقات التي تمت على النفط قبل إعلان الهدنة، لكن من المؤكد أن الأسواق لم تعد تخاف تهديدات ترامب الفارغة".

وتابع: "قبل يوم من انتهاء الإنذار لإيران، كانت الأسواق طبيعية جداً، ولم تستجب لتهديداته لأن المحللين قرأوا سلوكه على أنه غير منطقي وغير حقيقي".

الواقع الفلسطيني: كارثة اقتصادية صامتة

وفي الجزء الأكثر قسوة من المقابلة، تحدث سلامة عن الوضع الاقتصادي في فلسطين، فقال: "المواطن الفلسطيني سيتحمل جزءاً أكبر من عبء هذه المرحلة. هذه المرحلة صعبة ليس على المواطن وحده، بل على السلطة أيضاً".

وأضاف: "نواجه كشعب مشكلة متعددة المحاور: بطالة نتيجة إغلاق سوق العمل في الداخل، عدم قدرة الحكومة على دفع الرواتب، تضخم وارتفاع أسعار الطاقة، وما سيأتي من ارتفاع إضافي إذا استمرت التوترات".

وتابع: "المواطن الفلسطيني سيُطرُ أجلاً أم عجلاً إلى تغيير مستوى حياته. سيجد نفسه مضطراً إلى اختزال حاجات كان معتاداً على استهلاكها، لأن دخله لن يعد كافياً".

وشدد على أن "ما يحصل عليه المواطن العادي من دخل، وهذه الفئة التي تلاشى دخلها أو تناقص، لا تستطيع أن تعيش بنفس المستوى الذي كانت عليه قبل هذه الأزمات".

ووصف المرحلة بأنها تتطلب "مزيداً من التقشف، وإدارة اقتصاد منزلي، وتغييراً في السلوك، وتنازلاً، وصموداً".

تصميم وتطوير