مسودة الدستور الفلسطيني المؤقت تُشعل نقاشاً دستورياً واسعاً: بين ضرورات المرحلة ومخاطر القفز فوق الواقع
أمين سر نقابة المحامين لوطن: لا دستور بلا دولة ذات سيادة… والجهة المختصة بإعداده هي برلمان منتخب لا لجان معيّنة
- مدة الرئاسة وصلاحيات نائب الرئيس في قلب الجدل القانوني
- تحذيرات من تضارب بين نصوص المسودة والإعلان الدستوري النافذ
- صلاحية حلّ البرلمان تثير مخاوف بشأن توازن السلطات
- الدولة قبل الدستور أم الدستور مدخل لإعلان الدولة؟
- مخاوف من تهميش دور منظمة التحرير في البناء الدستوري الجديد
- إقرار الدستور مرهون باستفتاء شعبي شامل… وإلا يبقى حبراً على ورق؟
رام الله – وطن للأنباء: في خطوة وُصفت بأنها الأبرز دستورياً منذ سنوات، نشرت لجنة صياغة الدستور الفلسطيني المسودة الأولى لدستور دولة فلسطين المؤقت، استناداً إلى قرار رئاسي، وفتحت باب الملاحظات العامة لمدة ستين يوماً قبل اعتماد الصيغة النهائية. وتتكوّن المسودة من ديباجة و162 مادة موزعة على 13 باباً، وتهدف – بحسب القائمين عليها – إلى تنظيم المرحلة الانتقالية من السلطة إلى الدولة في ظل استمرار الاحتلال وتعقيدات الواقع السياسي.
غير أن المسودة أثارت نقاشات قانونية وسياسية متباينة داخل الأوساط الفلسطينية، لا سيما بشأن مدة الرئاسة، وصلاحيات نائب الرئيس، وآلية شغور المنصب، وموقع منظمة التحرير في البناء الدستوري المقترح.
الدستور المؤقت أم القانون الأساسي؟ سؤال المشروعية
وفي قراءة دستورية للمسودة، أكد أمين سر نقابة المحامين الأستاذ أمجد الشلة خلال برنامج شد حيلك يا وطن عبر شبكة وطن الإعلامية، أن القانون الأساسي الفلسطيني القائم ما زال يؤدي الغرض الذي أُنشئ من أجله باعتباره "دستوراً مؤقتاً" للمرحلة الانتقالية التي أعقبت اتفاق أوسلو.
وأوضح أن القانون الأساسي أُقرّ عبر مجلس تشريعي منتخب، وشهد تعديلات أعوام 2003 و2005 تحت قبة البرلمان، ما يمنحه مشروعية تشريعية واضحة. وأضاف أن الأصل في صياغة الدساتير – في الغالبية الساحقة من دول العالم – أن تتم عبر برلمانات منتخبة تمثل مختلف أطياف الشعب، وليس عبر لجان معينة، مهما بلغت كفاءتها.
وشدد الشلة على أن "الجهة الأصيلة المخوّلة بإعداد الدستور هي سلطة تشريعية منتخبة تمثل الشعب الفلسطيني تمثيلاً كاملاً".
الدولة قبل الدستور… أم العكس؟
طرح الشلة إشكالية جوهرية تتعلق بأسبقية الدولة على الدستور، معتبراً أن الدستور يُفترض أن يكون نتاج دولة قائمة ذات سيادة كاملة، تتوافر فيها المقومات الثلاثة: الإقليم، والشعب، والسلطة السياسية ذات السيادة.
وتساءل:
* هل يملك الفلسطينيون سيادة كاملة في ظل الاحتلال؟
* هل الإقليم محدد ومُمارَس عليه سيادة فعلية؟
* من هو "الشعب" الذي سيخضع لهذا الدستور: المقيمون في الضفة وغزة فقط، أم يشمل فلسطينيي القدس والداخل والشتات؟
وأشار إلى أن غياب هذه المقومات يضع المسودة أمام تحديات قانونية عميقة، ويجعل الحديث عن دستور دولة أمراً "غير منسجم مع الواقع السياسي والقانوني القائم".
مدة الرئاسة وصلاحيات نائب الرئيس… مواد مثيرة للجدل
من أبرز المواد التي أثارت نقاشاً المادة (74)، التي تنص على انتخاب رئيس الدولة لمدة خمس سنوات بدلاً من أربع، والمادة (79) المتعلقة بتعيين نائب الرئيس وآليات شغور المنصب.
ورأى الشلة أن الإشكال لا يقتصر على مدة الولاية، بل يمتد إلى التداخل بين نصوص تعيين نائب الرئيس وآليات تولي مهام الرئاسة في حال الشغور الدائم أو المؤقت.
وأوضح أن المسودة تنص على تولي رئيس مجلس النواب مهام الرئاسة في حال الشغور الدائم، وعلى تدخل المحكمة الدستورية في حال المانع المؤقت، مع إمكانية أن يتولى رئيسها المهام مؤقتاً، وهو ما اعتبره "سيناريو يفتح الباب أمام إشكاليات دستورية معقدة".
كما أشار إلى تناقض محتمل بين نصوص المسودة والإعلان الدستوري الصادر عام 2025، متسائلاً عن أي النصين سيبقى واجب التطبيق في حال إقرار الدستور.
صلاحية حل البرلمان… جدل حول توازن السلطات
تضمنت المسودة آلية تمنح رئيس الدولة صلاحية حل البرلمان في حال تعذر تشكيل الحكومة خلال مدد محددة، وهو ما وصفه الشلة بأنه "صلاحية خطيرة تمس مبدأ الفصل بين السلطات".
واعتبر أن منح الرئيس هذه الصلاحية قد يؤدي إلى اختلال في التوازن الدستوري، خصوصاً في ظل غياب تجربة برلمانية مستقرة منذ سنوات.
منظمة التحرير في المعادلة الدستورية
من النقاط الجوهرية التي أثارها الشلة ما اعتبره تراجعاً لدور منظمة التحرير الفلسطينية في البناء الدستوري المقترح، محذراً من أن الانتقال إلى نموذج دولة بدستور مؤقت قد يُفهم على أنه تقليص لدور الحركة الوطنية التحررية وتحويلها إلى إطار حزبي تقليدي.
وأكد أن الحالة الفلسطينية ما زالت حالة تحرر وطني تحت الاحتلال، وأن الأولوية ينبغي أن تبقى لإنهاء الانقسام وترتيب البيت الداخلي قبل الانتقال إلى مرحلة دستورية جديدة.
الاستفتاء الشعبي… العقدة الحاسمة
ورغم الانتقادات، أشاد الشلة بالنص الذي يُلزم بعرض الدستور على استفتاء شعبي عام قبل إقراره، معتبراً ذلك ضمانة أساسية.
غير أنه طرح تساؤلاً محورياً: من هو الشعب الذي سيشارك في الاستفتاء؟ وهل سيقتصر الأمر على المقيمين في الأراضي الفلسطينية أم يشمل فلسطينيي الشتات؟
وأكد أن أي دستور لا يُعرض على استفتاء شامل يفقد مشروعيته القانونية والسياسية.
بين إعادة تنظيم الإطار القائم وتعميق الانقسام
في ختام قراءته، اعتبر الشلة أن المسودة قد تؤدي – بصيغتها الحالية – إلى مزيد من التعقيد في البنية القانونية الفلسطينية، وربما تعميق الانقسام، إذا لم تُسبق بخطوات إصلاحية جوهرية تشمل إنهاء الانقسام السياسي، وإجراء انتخابات عامة، وتفعيل دور المؤسسات التمثيلية الجامعة.
وقال إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بوحدة وطنية شاملة وإعادة الاعتبار للمؤسسات المنتخبة، مؤكداً أن "الدستور ليس نصاً يُكتب، بل عقد اجتماعي يتأسس على واقع سياسي وسيادي مكتمل".


