بلدية البيرة تقيم حفل تأبين للمناضل عبد الجواد صالح في مدينة البيرة..
عبد الجواد صالح… مسيرة وطنية يخلّدها العطاء
وطن للأنباء: في قاعة منتزه بلدية البيرة، أقامت البلدية مهرجانًا تأبينيًا مهيبًا للمناضل عبد الجواد صالح، تخليدًا لمسيرته الوطنية الممتدة لأكثر من سبعين عامًا. وقد رحل اليوم عن عمر ناهز خمسةً وتسعين عامًا، تاركًا إرثًا خالدًا في الذاكرة الفلسطينية.
كان عبد الجواد صالح نموذجًا فريدًا للمناضل المستقل الذي جمع الشجاعة والصلابة والصدق، واشتهر بمواقفه المبدئية التي لم تتغير يومًا، ما جعله شخصية وطنية محل إجماع. واتفق الفلسطينيون على محبته واحترامه لما اتسم به من تواضع وإنسانية.
وُلد الراحل في البيرة عام 1931، وتخرّج في الاقتصاد السياسي من الجامعة الأميركية في القاهرة، وانخرط مبكرًا في العمل الحزبي ضمن حزب البعث، فبدأت مسيرته الفكرية والسياسية التي شكّلت وعيًا وطنيًا راسخًا وأسهمت في بلورة رؤيته للنضال الطويل.
انتُخب رئيسًا لبلدية البيرة عام 1972 بأغلبية واسعة، فحوّلها إلى نموذج للمقاومة المدنية والتنظيم المجتمعي، وشارك في تأسيس لجنة التوجيه الوطني. ورغم إبعاده واستشهاد نجله ماهر، واصل التمسك بمبادئه ومساهمته في العمل الوطني داخل فلسطين وخارجها.
عاد إلى الوطن عام 1993، وانتُخب عضوًا في المجلس التشريعي، وتولى وزارة الزراعة قبل أن يستقيل. وظلّ عضوًا فاعلًا في مؤسسات منظمة التحرير، حاضرًا في الضمير الوطني حتى رحيله.
بلدية البيرة: "لا نزال نتلمّس أثره حتى اليوم"
قال إسلام الطويل، رئيس بلدية البيرة، لوطن للأنباء، إن المدينة تودّع اليوم أحد رجالها العظام، مؤكدًا أن الراحل ترك أثرًا كبيرًا على البيرة في فترة كانت من أصعب المراحل التي مرت بها.
وأضاف: "كان عبد الجواد صالح رئيسًا لبلدية البيرة في حقبة شديدة الصعوبة، ومع ذلك كان له دور بارز في النهوض التعليمي، وتنظيم الشوارع، وتطوير البنية التحتية، حتى أصبحت البيرة واحدة من المدن الأساسية في فلسطين".
وأشار الطويل إلى أن أثر الراحل ما زال حاضرًا حتى اليوم، معتبرًا أنه قدوة للشباب والمسؤولين عبر التزامه بالعمل والإصرار والقدرة على تطوير المدينة في ظروف قاسية.
عائلته: "والدُنا أعاد الحياة للبيرة… وأنشأ مؤسسات باقية حتى اليوم"
تحدّث صالح عبد الجواد صالح، نجل الراحل، لوطن للأنباء، عن الإرث الكبير الذي تركه والده في مدينة البيرة، مشيرًا إلى أن بصماته ما تزال حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية للمدينة ومؤسساتها.
وقال إن والده استطاع خلال فترة قصيرة لا تتجاوز سبع سنوات أن يُحدث نقلة نوعية في البنية التعليمية عبر بناء ثلاث مدارس جديدة. كما عمل على إعادة آلاف المواطنين من خلال برنامج جمع شمل العائلات الذي لعب دورًا محوريًا في تعزيز النسيج الاجتماعي آنذاك.
وأضاف أن الراحل أنشأ السوق التجاري في المدينة، وأسّس مؤسسة الهلال الأحمر التي تطورت لاحقًا لتصبح مستشفى يُعد اليوم من أهم مرافق الرعاية الصحية في المنطقة. وأوضح أن والده نفّذ أيضًا إصلاحًا ماليًا وإداريًا واسعًا داخل البلدية، وتصدّى للاحتلال منذ اللحظة الأولى لتوليه المسؤولية، مؤكدًا أن كل ما أنجزه كان نابعًا من إيمانه العميق بأن خدمة الناس هي جوهر العمل الوطني.
استصلاح الأرض… شغف ورثه الأبناء
من جهته، قال بشار عبد الجواد صالح، لوطن للأنباء، إن والده كان يؤكد دائمًا أهمية العناية بالأرض، وخاصة أرض الجد. وأوضح أنه كان مبادرًا في العمل الزراعي، خصوصًا بعد عودته من المنفى، حيث قام باستصلاح أراضٍ تقع في مناطق (C)، أصبحت اليوم مزروعة بأشجار مثمرة.
وأشار إلى أن هذا الإرث لم يكن مجرد عمل زراعي، بل كان رسالة وطنية تعكس تمسكه بالأرض وإصراره على إعمارها رغم كل الظروف.
حفيدته: "كان يستمع لنا كأننا أهم ما يملك"
قدّمت داليا بشار عبد الجواد، حفيدة الراحل، شهادة إنسانية مؤثرة حول علاقتها بجدها، قائلة لوطن للأنباء: "كانت علاقتنا مع سيدي عبد الجواد مميزة جدًا. كان مستثمرًا فينا، لا شيء يشغله عن جلسة معنا. كان يفرح بوجودنا، يسأل عن أخبارنا، يناقشنا في السياسة والمجتمع، ويحاور حتى أصغر الأحفاد حول المدرسة والفساد وأبسط الهموم".
وأكدت أن وجوده شكّل لهم نموذجًا في الاستماع والحوار، وأنه كان يخصّص وقتًا لكل حفيد، ما جعله جزءًا أساسيًا من تكوينهم الشخصي والإنساني.
شهادة وطنية: "رجلٌ طابق القول بالفعل"
من جانبه، قال عمر عساف، منسّق المؤتمر الشعبي 14 مليون، لوطن للأنباء، إن الراحل كان نموذجًا للرجل الذي يجمع بين الفكر والعمل، مضيفًا:
"كان عبد الجواد صالح يرفع الشعارات ويترجمها على أرض الواقع. لعب دورًا بارزًا في تطوير العمل التطوعي والتنموي، وظل ثابتًا على مبادئه حتى اللحظة الأخيرة".
وأكد عساف أن الراحل جسّد مقولة "الأمور بخواتيمها"، إذ رحل كما عاش: مناضلًا ملتزمًا بقضيته.
رفيق دربه: "رحل مناضلًا كما عاش"
أما معاوية المصري، عضو المجلس التشريعي وصديق الراحل، فقال لوطن للأنباء إن لحظة تأبين عبد الجواد صالح هي "لحظة تختلط فيها مشاعر الحزن بالفخر".
وأضاف: "نحزن لرحيل رجل عاش مناضلًا ورحل مناضلًا، ونفخر لأنه كان طوال حياته مثالًا للرجل الذي لا يساوم على الحق ولا يجامل الباطل. حمل همّ فلسطين على عاتقه حتى آخر أيامه".


