برقا المحاصرة.. اعتداءات تطارد الإنسان والأرض وإرادة لا تنكسر
وطن للأنباء: على تخوم مدينة البيرة من جهتها الشرقية، تقف قرية برقا في مواجهة واقع استيطاني يضيق على أهلها يوما بعد يوم. فمنذ احتلال الضفة الغربية، ظلت القرية ضمن دائرة الأطماع التوسعية للاحتلال الإسرائيلي، فيما تصاعدت في الآونة الأخيرة اعتداءات المستوطنين التي تستهدف الإنسان والأرض والشجر والحجر، وتحاصر نحو ثلاثة آلاف مواطن داخل قريتهم، بعد الاستيلاء على أكثر من ثلاثة عشر ألف دونم من أراضيها، تشكل مصدر رزق أساسي لأهاليها.
ولا يقتصر الحصار على مصادرة الأرض والاعتداء على السكان، بل يمتد إلى شريان الحياة الوحيد للقرية، وهو مدخلها الرئيسي، الذي يتحكم الاحتلال بحركة الدخول والخروج عبره، في ظل إحاطتها بالبؤر الاستيطانية والطرق الالتفافية.
.png)
يقول صايل كنعان، رئيس مجلس قروي برقا، لوطن للأنباء، إن القرية تواجه استهدافا غير مسبوق، في ظل وجود مدخل واحد يتحكم الاحتلال من خلاله بحركة المواطنين، ما يجعل خنق القرية وعزلها أمرا سهلا. ويضيف أن برقا فقدت عددا من أبنائها بين شهيد وأسير وجريح، فيما لم تسلم حتى طواقم الإسعاف والدفاع المدني من قيود الاحتلال، التي تحول دون وصولها إلى القرية، كما يمنع المتضامنون والمتطوعون من الوصول إليها ومساندة أهلها، لتُترك القرية وحيدة في مواجهة الاعتداءات.
أما ليث بركات، الناشط المجتمعي، فيؤكد أن واقع برقا يختلف عن غيرها من القرى، فهي محاصرة بسبع بؤر استيطانية، إلى جانب شارع 60 الاستيطاني، ولا تملك سوى منفذ واحد. ويشير إلى أن الأهالي باتوا يقطفون زيتونهم تحت تهديد الاعتداءات، وكأنهم يستردون ثمار أرضهم خلسة، في ظل هجمات المستوطنين التي تجري بحماية جيش الاحتلال، الذي يعمل على إبعاد أصحاب الأرض عنها. وكان آخر تلك الاعتداءات خلال موسم الزيتون، هجوم أسفر عن إصابة تسعة مواطنين من أبناء القرية.
.png)
ومن الاعتداء على الأرض إلى استهداف المنازل وسكانها، تتوالى فصول العنف الذي يطال الأهالي في عقر دارهم. فالمنازل لم تعد ملاذا آمنا من هجمات المستوطنين، التي تتنوع بين إحراق الممتلكات وتحطيم المركبات وإلقاء النفايات في ساحات البيوت، وصولا إلى إحراق المنازل بمن فيها.
يوضح جمال باجس، الذي أحرق المستوطنون منزله، لوطن للأنباء، أن عائلته تعرضت لسلسلة من الاعتداءات المتكررة، شملت إحراق وتحطيم المركبات وإلقاء النفايات في ساحة المنزل، قبل أن يقدم المستوطنون، مؤخرا، على إحراق أثاث المنزل وإصابته جراء النيران والدخان.
.png)
ولم يكن جمال وحده من دفع ثمن هذه الاعتداءات، إذ يروي هيثم تيسير، أحد المصابين، تفاصيل لحظات الاعتداء عليه، قائلا لوطن للأنباء: إنه حاول فتح الباب لمعرفة ما يجري، لكن لم تمر سوى نحو عشرين ثانية حتى فوجئ بخمسة مستوطنين يحملون العصي وينهالون عليه بالضرب، مركزين الاعتداء على الجانب الأيمن من جسده، إلى أن فقد وعيه، دون أن يعرف كيف نجا من تلك اللحظات.
ورغم هذا الواقع القاسي، لا يرى أهالي برقا في الصمود مجرد خيار اضطراري، بل موقفا جماعيا يتجدد من خلال التكاتف والتضامن والعمل على حماية مقومات الحياة داخل القرية. ويؤكد رئيس مجلسها القروي أن تعزيز الجبهة الداخلية يمثل مصدر قوة للأهالي، مشيرا إلى أن حالة التلاحم والتكافل بينهم تشكل سدا منيعا في وجه الاحتلال والمستوطنين. ويضيف أن مواصلة تشغيل العمال، وتطوير البلدة وتجميلها وتوسيعها، تحمل رسالة واضحة بأن الفلسطيني متمسك بأرضه، وقادر على البناء والإعمار رغم كل الاعتداءات.
.png)
وفي بيوت برقا، حيث غابت الطمأنينة وتراجعت مصادر الرزق وأصبحت الحركة مقيدة، لا يزال الأهالي يتمسكون بحقهم في الحياة على أرضهم، مستندين إلى إرث الآباء والأجداد، وإلى إيمانهم بأن ما يتعرضون له لن ينتزع منهم حق البقاء.
ويقول هيثم تيسير إن ما يجري مأساة تهدف إلى تهجير الفلسطينيين من أرضهم، لكنه يؤكد أن هذه المحاولات لن تنجح، وأن الأهالي سيواصلون الصمود والثبات، لأن هذه الأرض أرضهم التي ورثوها عن أجدادهم وعاشوا عليها منذ آلاف السنين.
.png)
أما جمال باجس، فيشدد على أن حق الأهالي أن يعيشوا في قريتهم بأمن وأمان، وأن مسؤوليتهم لا تقتصر على حماية حاضرهم، بل تمتد إلى حماية مستقبل أبنائهم، موضحا أن مشاهد الاعتداءات التي يشاهدها الأطفال تترك آثارا نفسية عميقة، وقد تؤثر في ارتباط الأجيال الجديدة بأرضها، ما يجعل إيصال معاناة القرية إلى العالم ضرورة لحماية مستقبل أبنائها.
ويختصر ليث بركات موقف الأهالي بالقول إنهم لا يملكون سوى الصمود على أرضهم، مهما بلغ الظلم واتسعت دائرة الاعتداءات.
ومن قلب هذا الحصار، يوجه رئيس مجلس قروي برقا رسالة إلى العالم، يؤكد فيها أن الفلسطينيين شعب يحب الحياة والسلام، ولا يقبل الاعتداء عليه أو اقتلاعه من أرضه، وأن ما يتعرضون له لن يثنيهم عن التمسك بحقهم في البقاء.
.png)
وفي السياق الحقوقي، تشكل الاعتداءات على المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم، والاستيلاء على أراضيهم وتهجيرهم القسري، انتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. كما أن مسؤولية دولة الاحتلال عن حماية السكان الواقعين تحت الاحتلال تقتضي منع اعتداءات المستوطنين ومحاسبة مرتكبيها، لا توفير الحماية لهم أو تسهيل اعتداءاتهم.


