حقول خلف "الخط الأصفر".. مزارعون في غزة بلا أرض ولا رزق

31.10.2026 04:12 PM

وطن للأنباء: في قطاع غزة، لم تعد الأرض التي طالما شكّلت مصدر رزق وحياة للمزارعين متاحة لأصحابها، بعدما باتت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية تقع داخل ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، الذي يحول دون وصول المواطنين إليها، ويحرم آلاف العائلات من مصدر دخلها الأساسي، في ظل تداعيات الحرب المستمرة على مختلف مناحي الحياة.

سعد الدحدوح، مزارع من قطاع غزة، يمتلك عشرات الدونمات المزروعة بالأشجار المثمرة، لكنه بات عاجزاً عن الوصول إليها والعناية بها، بعدما أصبحت داخل نطاق «الخط الأصفر». خسارة لم تقتصر على أرضه ومحاصيلها، بل امتدت لتطال مصدر دخله الوحيد، وتضاعف معاناته في تأمين احتياجات أسرته ومواصلة تعليم أبنائه في الجامعات.

يقول المزارع سعد الدحدوح، من قطاع غزة، لوطن للأنباء: مهنتنا الزراعة، ولا يوجد لدينا أي مصدر للرزق غيرها. هذه رزقنا وحياتنا، نطعم أنفسنا وأولادنا وشعبنا من زراعتنا، لكن اليوم، عندما فقدناها، أصبحنا نعيش على التكية وعلب الحمص والفول. أصبحت حياتنا عذاباً، ولم نعد نستطيع الوصول إلى أراضينا داخل المنطقة الصفراء، ولا حتى رؤيتها. قبل ذلك، كنت أقيم فيها يومياً، فلا يوجد لدي أي مصدر رزق سوى الأرض؛ فهي حياتنا ومصدر رزقنا وشراكاتنا مع أسرنا.

ولا تختلف معاناة قريبه، المزارع جبر الدحدوح، الذي يمتلك ستة دونمات داخل المنطقة ذاتها، عن معاناة آلاف المزارعين الذين حُرموا من الوصول إلى أراضيهم. فالأرض التي ترعرع بين أشجارها وارتبط بها على امتداد سنوات عمره، باتت اليوم بعيدة عنه، حتى إنه لم يعد قادراً على رؤيتها أو الاطمئنان على مصيرها. ولم تكن بالنسبة إليه مجرد مصدر للرزق، بل جزءاً من ذاكرته وحياته العائلية.

ويوضح المزارع جبر الدحدوح، من قطاع غزة، لوطن للأنباء: تفاجأنا باليوم الذي حدث فيه التصعيد، ولم نستطع الوصول إليها منذ أكثر من ثلاث سنوات. وحسب ما سمعنا، يقولون إنها دُمّرت بشكل كامل، وهذا يترك حسرة في قلوبنا؛ فهي كانت مصدر رزقنا وحياتنا وسبيل عيش أسرتنا. وكوني مزارعاً، أشتاق لرؤية أرضي، فهي ملكي وأرضي ورزقي، لكن تم إهلاكها وتدميرها.

ولا تقف تداعيات فقدان الأراضي الزراعية عند حدود المزارعين، بل تمتد إلى الأسواق المحلية، مع تراجع الإنتاج وشح المعروض من الخضروات والفواكه وارتفاع أسعارها، الأمر الذي ضاعف الأعباء المعيشية على العائلات، وقلّص قدرتها على توفير غذاء متنوع، في وقت يحتاج فيه الأطفال إلى تغذية سليمة في ظل الظروف الإنسانية والصحية الصعبة التي يعيشها القطاع.

ويقول المواطن هاشم الأيوبي، من قطاع غزة، لوطن للأنباء: نحن نعيش في غزة بضائقة مالية كبيرة جداً، وليس باستطاعتنا شراء الخضروات والفواكه. وكما تعلمون، تعاني غزة اليوم من نقص كبير في هذه المواد، خصوصاً أن أطفالنا بحاجة إلى التغذية بسبب الظروف الراهنة في القطاع.

وتنعكس هذه الأزمة كذلك على حركة البيع والشراء في الأسواق، حيث تتغير أسعار المنتجات الزراعية بصورة مستمرة، وسط صعوبات تواجه التجار في توفير السلع والكميات المطلوبة.

ويبيّن بائع الخضار والفواكه حازم الجمل، لوطن للأنباء: كيلو البندورة بـ12 شيكلاً، وبـ15 شيكلاً، وكل يوم السوق يتغير. اليوم المانجا أصبحت بـ10 شواكل، والحمد لله انخفض سعرها بعدما كان الكيلو بـ40 و50 شيكلاً. لم نكن نستطيع جلبها لكي نبيعها للناس بهذه الأسعار المرتفعة.

وقبل الحرب، شكّلت الزراعة أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد والأمن الغذائي في قطاع غزة، إذ بلغت المساحات الزراعية نحو 55 ألف دونم، وأسهمت في تلبية جزء كبير من احتياجات السكان من المنتجات الزراعية، فضلاً عن توريد كميات من الخضروات والفواكه إلى أسواق الضفة الغربية. لكن الحرب وما رافقها من تدمير للأراضي الزراعية واتساع نطاق المناطق التي يتعذر الوصول إليها، أديا إلى تقلص حاد في المساحات المتاحة للزراعة والإنتاج.

ويوضح بلال عزب، من الإغاثة الزراعية في غزة، لوطن للأنباء:عدد الدونمات قبل الحرب في قطاع غزة كان يقارب 55 ألف دونم، حسب إحصائية وزارة الزراعة. والآن، مع امتداد الخط الأصفر وتقريبه من جهة المناطق الآمنة، أصبح لدينا اتساع في المناطق الصفراء، وهذا التوسع أكل حجماً كبيراً من المساحات المزروعة. وأصبح لدينا حتى الآن ما يقارب 4 آلاف دونم صالحة للزراعة. أغلب اقتصاد قطاع غزة يعتمد بشكل أساسي على الزراعة، كونها تمثل الأمن الغذائي، ويعمل فيها ما يقارب 120 ألف مزارع في غزة.

وبين أراضٍ بات الوصول إليها متعذراً، ومحاصيل فُقدت، وأسواق تعاني من نقص المنتجات وارتفاع الأسعار، تتجاوز خسائر القطاع الزراعي في غزة حدود المزارعين لتطال الأمن الغذائي وسبل عيش آلاف العائلات. وفي مواجهة هذا الواقع، يطالب المزارعون بتمكينهم من الوصول الآمن إلى أراضيهم واستعادة القدرة على زراعتها ورعايتها، بما يضمن حماية مصادر رزقهم ويسهم في استعادة الإنتاج الزراعي وتوفير الغذاء لسكان القطاع.

قانونيًا، تحظى الأراضي الزراعية ووسائل إنتاج الغذاء بحماية خاصة في القانون الدولي الإنساني؛ إذ يحظر البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، في المادة 54، تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، كما يحظر مهاجمة أو تدمير أو إزالة أو تعطيل الأعيان الضرورية لبقائهم، ومن بينها الأراضي الزراعية والمحاصيل والثروة الحيوانية ومصادر المياه وأعمال الري.

تصميم وتطوير