نحالين.. حين تصبح البلدة محاصرة بالاستيطان والبيت حلماً مهدداً بالهدم
نحالين- وطن للأنباء: على بُعد كيلومترات قليلة إلى الغرب من مدينة بيت لحم، وفي محيط مهد المسيح، تقع بلدة نحالين، التي يزيد عدد سكانها على عشرة آلاف نسمة. بلدة تتقلص مساحاتها بفعل مصادرة الأراضي وإحاطتها بالمستوطنات من جهاتها الأربع، فيما يجد سكانها أنفسهم أمام واقع يزداد تضييقًا، تتراجع فيه فرص التوسع العمراني، وتُهدد فيه أكثر من مئة منزل بالهدم بحجة البناء دون ترخيص، في وقت ترفض فيه سلطات الاحتلال منح المواطنين التراخيص اللازمة للبناء.
يقول أسامة شكارنة، ناشط مجتمعي من نحالين، لوطن للأنباء: "كانت مساحة نحالين 24 ألف دونم، لكنها تقلصت اليوم، وأصبحت المساحة المسموح بالبناء فيها نحو 1.1 كيلومتر مربع، أي إنها تحولت إلى كنتون صغير".
.png)
مساحة تضيق، وأجيال شابة تبحث عن مكان يؤويها. فمع ارتفاع نسبة الشباب دون الثلاثين عامًا إلى أكثر من 60% من سكان البلدة، تتفاقم أزمة السكن في ظل غياب التوسع العمراني، واستمرار رفض طلبات الترخيص، حتى بات بناء منزل جديد مغامرة محفوفة بخطر الهدم.
ويضيف المهندس نعيم فنون، رئيس بلدية نحالين، لوطن للأنباء: نسبة الشباب تحت سن الثلاثين تزيد على 60% من عدد السكان. تخيلوا هذا العدد الهائل من الشباب، أين سيتوسعون وأين سيعيشون في ظل الاكتظاظ الذي نعيشه؟ منذ عام 1995 لم نحصل على ترخيص لبناء منزل واحد، وأصحاب المنازل التي يخطرها الاحتلال بالهدم يقدمون المخططات على أمل الحصول على التراخيص، لكن الاحتلال لا يمنحهم إياها.
ولا تتوقف تداعيات مصادرة الأراضي عند أزمة السكن، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، فتقيد حركة السكان، وتحد من قدرتهم على الوصول إلى أراضيهم الزراعية والعناية بمحاصيلهم، من العنب في موسمه إلى الزيتون الذي يشكل مصدر رزق أساسيًا لعائلات كثيرة. وحتى التنزه في أطراف البلدة، الذي يفترض أن يكون حقًا طبيعيًا للسكان، بات محفوفًا بالمخاطر.
.png)
ويؤكد عدنان غياضة، عضو المجلس البلدي في نحالين، لوطن للأنباء: أثرت هذه الاعتداءات على السكان من حيث متابعة أراضيهم والوصول إليها وقطف محاصيل العنب في هذه الأيام، والزيتون خلال موسمه. كما أصبحت الحركة محدودة، وحتى التنزه والخروج إلى أطراف القرية بات شبه ممنوع، لأن الوصول إلى بعض المناطق ينطوي على مخاطر كبيرة.
وفي ظل هذا الواقع، لا تبدو المنازل المهددة بالهدم مجرد أبنية تنتظر مصيرها، بل تختصر حكايات عائلات استثمرت سنوات من العمر والجهد في بناء مأواها، لتجد نفسها أمام خطر فقدانه في أي لحظة. هنا، تتحول قرارات الهدم إلى تهديد مباشر للاستقرار الأسري، وإلى وجع إنساني يتجاوز الجدران والحجارة، ليطال أحلام الآباء ومستقبل الأبناء.
.png)
يقول أسامة شكارنة، ناشط مجتمعي من نحالين، لوطن للأنباء: في هذا البيت ذكريات نفتخر بها. كنا نجلس فيه ونخطط لبنائه، لكن الاحتلال قرر هدمه، ويعتقد أن هدم البيت سيهدم أحلامنا نحن أهالي نحالين، والناس الذين يفتخرون بانتمائهم إلى هذه البلدة. من الواضح أن سياسة الاحتلال تقوم على الهدم والتهجير، وإجبار الأهالي على الهجرة من أرضهم.
أما جميل عبد العزيز، صاحب أحد المنازل التي هدمها الاحتلال في البلدة، فيروي حكاية عشرين عامًا من التعب والعمل، انتهت في لحظات أمام جرافات الهدم. سنوات قضاها مع زوجته في بناء منزل الأسرة، مستعينًا بالعمال حين تسمح ظروفه، ومتحملًا أعباء إعالة أبنائه الذين يواصلون تعليمهم في المدارس والجامعات، رغم ضيق الحال.
ويقول جميل عبد العزيز، لوطن للأنباء: منذ عشرين عامًا وأنا أتعب مع زوجتي في بناء المنزل. كنت أستعين بالعمال أحيانًا، وأنا معيل لأسرة لدي أبناء في الجامعات والمدارس، وظروفي صعبة، وبالكاد أوفر لهم الطعام ومصاريف الدراسة.
ويضيف: عندما قررت البناء وبدأت فيه بعد سنوات طويلة من التعب، وجدت نفسي أعيش في سراب. جاءت جرافات الاحتلال وهدمت المنزل بكل بساطة. هدموا أحلامي، وأحلام أطفالي، وأحلام زوجتي التي مرضت ودخلت المستشفى.
.png)
ومع انحسار الأراضي المتاحة للبناء، يصبح خيار إنشاء منزل جديد مخاطرة قد تكلف أصحابها مدخرات العمر، دون ضمانات تحميهم من الهدم. ويشير أعضاء المجلس البلدي إلى أن عددًا من المنازل هُدم خلال الفترة الأخيرة، في وقت تتواصل فيه القيود التي تحول دون التوسع الطبيعي للبلدة.
ويؤكد عدنان غياضة، عضو المجلس البلدي في نحالين: لا توجد أراضٍ جديدة للبناء، والبناء أصبح مغامرة. قد تبني منزلًا بنصف مليون شيكل، ثم يهدمه الاحتلال بين ليلة وضحاها. قد يهدم البيت في أي لحظة، رغم أنك قضيت عشر سنوات في بنائه. وأكبر دليل على ذلك المنازل التي هُدمت مؤخرًا، وعددها نحو سبعة بيوت.
وفي مشهد يعكس طبيعة الصراع على الأرض، يشير رئيس بلدية نحالين إلى تصريح لرئيس مجلس مستوطنات غوش عتصيون، شكر فيه ما تسمى "الإدارة المدنية" وجيش الاحتلال على هدم منازل في البلدة، ومنع ما وصفه بالتمدد النحاليني، في موقف يرى فيه أهالي نحالين قلبًا للحقائق، ومحاولة لتبرير التضييق على السكان الأصليين في أرضهم.
وبين مصادرة الأراضي وتهديد المنازل بالهدم وتقييد الحركة، يواجه أهالي نحالين واقعًا يضع مستقبل البلدة أمام تحديات متصاعدة. ومع ذلك، لا يزال التمسك بالأرض حاضرًا في تفاصيل حياتهم، بوصفه ارتباطًا بالجذور والهوية، ورفضًا لأن تتحول الضغوط اليومية إلى طريق قسري نحو الرحيل.
.png)
ويقول المهندس نعيم فنون: والله، المستقبل قاتم، ويحتاج إلى الصبر والضغط. على الناس أن تتحمل وتصمد؛ فالصمود هو أهم شيء.
أما جميل عبد العزيز، فلا يرى في علاقته بمنزله المهدوم مجرد ارتباط بمكان فقده، بل حياة كاملة لا يستطيع تخيلها بعيدًا عن أرضه. قائلا: "روحي معلقة هنا. أنزل إلى الأسفل ثم أعود إلى هنا، لأنني إذا لم أعد إلى هنا أموت. أنا مثل هذه الوردة؛ إذا لم أعش هنا، فلا أستطيع أن أعيش في مكان آخر".
.png)
ويؤكد أسامة شكارنة: نحن موجودون على هذه الأرض ولن نتزحزح، ولن نرحل. نحن صامدون. صحيح أنهم هدموا البيت وهدموا بيوتًا أخرى، لكن أصحاب البيوت وأهالي البلدة جميعًا سيبقون، بإذن الله. وبرغم وحشة ظلام الليل، نحن على يقين تام بأن الفجر سيأتي.
ويحظر القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان بشكل قاطع كلاً من فرض الحصار الذي يستهدف المدنيين ومصادرة أو تدمير الممتلكات الخاصة والعامة في الأراضي المحتلة.


