حقوق الملكية في غزة بعد الحرب.. المحامي غسان أبو مسلم يوضح آليات إثبات الملكية ويحذر من التسرع في بيع العقارات

22.10.2026 03:03 PM

وطن للأنباء: مع اتساع حجم الدمار الذي طال المنازل والمنشآت والأراضي في قطاع غزة، ونزوح مئات الآلاف من المواطنين، برزت إشكاليات قانونية وحقوقية متعلقة بملكية العقارات، خاصة في ظل فقدان أو تضرر وثائق الملكية، ووجود عقارات مملوكة لعدة ورثة أو شركاء، إلى جانب أصحاب حقوق يقيمون خارج القطاع أو فقدوا حياتهم خلال الحرب.

في السياق أوضح المحامي غسان أبو مسلم خلال بودكاست "بدائل" الذي يُبث عبر شبكة وطن الإعلامية، أن تضرر العقار أو هدمه، كلياً أو جزئياً، لا يؤدي إلى سقوط حق الملكية، مؤكداً أن الملكية وفق التشريعات الفلسطينية حق دائم لا يزول بزوال المنشآت المقامة على الأرض.

هدم المنزل لا يسقط الملكية

وقال أبو مسلم إن التدمير الذي يلحق بالمساكن والمنشآت والأعيان المدنية يمثل، من الناحية القانونية، هلاكاً مادياً للعقار، ولا يترتب عليه فقدان الملكية، وإنما يتغير وصف محل الملكية من منزل أو عقار قائم إلى قطعة أرض فضاء.

وأضاف أن جميع السلطات التي يمنحها حق الملكية لصاحب العقار تبقى قائمة، بما في ذلك حق الانتفاع والاستغلال والبناء، فضلاً عن حق التصرف بالعقار، سواء بالبيع أو الهبة أو الوصية، وفقاً للقانون.

فقدان وثائق الملكية.. كيف يمكن إثبات الحق؟

وفيما يتعلق بالعقارات التي فقد أصحابها سندات ملكيتها خلال الحرب، أوضح أبو مسلم أن الأصل في التشريعات الفلسطينية هو إثبات ملكية العقارات بالكتابة، إلا أن القانون يتعامل مع حالات وجود مانع مادي يحول دون تقديم الوثائق.

وبيّن أن صاحب العقار الذي فقد وثائق ملكيته يستطيع، في البداية، محاولة استخراج بدائل عنها، خصوصاً إذا كانت الأرض مسجلة لدى دائرة تسجيل الأراضي.

أما في حال كانت الملكية تستند إلى عقود عرفية أو حجج خارجية وفُقدت الوثائق، فيمكن العمل على إعادة بناء الملف القانوني للملكية، من خلال تنظيم عقد جديد مع المالك السابق إذا كان ذلك ممكناً، أو الحصول على إقرار من ورثة البائع في حال وفاته.

وأشار إلى إمكانية الاستناد إلى شهادات شهود العقد أو شهود الحال، بمن فيهم الجيران والهيئات المحلية ولجان الأحياء، إضافة إلى بعض الوثائق الصادرة عن البلديات، مثل اشتراكات الخدمات العامة والكهرباء والمياه ورخص البناء، وحتى المخالفات البلدية، باعتبارها قرائن يمكن الاستناد إليها لإثبات الإشغال أو الحيازة السابقة للعقار.

حقوق المستأجرين لا تسقط بفقدان العقد

وبشأن المستأجرين الذين كانوا يشغلون عقارات قبل الحرب، أوضح أبو مسلم أن العلاقة تخضع لأحكام عقد الإيجار، وأن المستأجر الذي لم يتمكن من استيفاء المنفعة بسبب الظروف القاهرة يستطيع، وفقاً للحالة، المطالبة برد الأجرة التي دفعها أو استكمال الانتفاع بالعقار عن المدة المتبقية التي حالت القوة القاهرة دون استيفائها.

وفي حال فقدان عقد الإيجار أو السند الذي كان يستند إليه الإشغال، يمكن إثبات العلاقة الإيجارية من خلال شهادات الشهود وشهود العقد أو الأشخاص الذين يمكنهم إثبات واقعة إشغال العقار قبل الحرب.

العقود العرفية.. حماية للحقوق ولكنها لا تغني عن التسجيل

وتطرق أبو مسلم إلى طبيعة التعاملات العقارية في قطاع غزة، مشيراً إلى الاعتماد الواسع على العقود العرفية في عمليات البيع والشراء ونقل الحقوق.

وأوضح أن هذه العقود يمكن أن ترتب حقوقاً شخصية بين أطرافها، لكنها لا تمنح الحجية ذاتها التي يوفرها تسجيل الملكية لدى دائرة تسجيل الأراضي، داعياً إلى تسجيل وتوثيق المعاملات العقارية لدى الجهات المختصة كلما أمكن ذلك.

وأضاف أن العقود العرفية قد توفر حماية لأصحابها، إلا أن حجيتها تبقى في الأصل مقتصرة على أطرافها إلى حين تسجيلها أو توثيقها لدى دائرة الأراضي، أو الحصول على حكم قضائي يتعلق بتنفيذها.

لا يجوز للوارث التصرف بأكثر مما يملك

وفيما يتعلق بالعقارات المملوكة على الشيوع بين الورثة أو الشركاء، شدد أبو مسلم على أن أي شريك لا يستطيع التصرف في حصة تتجاوز ما يملكه، كما لا يجوز له التصرف في حصة مفرزة من عقار مملوك على الشيوع دون مراعاة حقوق باقي الشركاء.

وأكد أن القاعدة العامة تقضي بعدم جواز نقل ملك الغير إلى شخص آخر، أو نقل حق أكبر من الحق الذي يملكه المتصرف، مشيراً إلى أن التصرفات التي تتجاوز حصة المالك يمكن أن تكون محل طعن وإبطال أمام القضاء.

القضاء والوسائل البديلة لحل النزاعات

وأوضح أبو مسلم أن النزاعات المتعلقة بملكية العقارات أو حق التصرف فيها أو الانتفاع بها تختص بها المحاكم الفلسطينية، إلا أن مرحلة إعادة الإعمار قد تفرض الحاجة إلى وسائل بديلة لتسوية النزاعات، نظراً إلى أهمية عامل الوقت بالنسبة لعمليات البناء والتمويل والمشاريع المرتبطة بإعادة الإعمار.

وأشار إلى أهمية الوساطة والتوفيق والصلح والتحكيم، إلى جانب الدور المجتمعي في تسوية بعض النزاعات، معتبراً أن هذه الوسائل يمكن أن تساعد في منع الخلافات العقارية من تعطيل مشاريع إعادة الإعمار.

وبيّن أن التحكيم، وفق الأصول القانونية، يمكن أن ينتج أحكاماً تكتسب القوة ذاتها لأحكام القضاء بعد تصديقها من المحكمة المختصة، فيما تنتهي الوساطة والصلح والتوفيق عادة إلى اتفاق بين الأطراف يشكل أساساً للالتزام.

القضاء في غزة يعمل بإمكانات محدودة

وفيما يتعلق بعمل القضاء في قطاع غزة، قال أبو مسلم إن القضاء عاد إلى العمل بشكل جزئي في مجمع المحاكم في دير البلح، مع التعامل مع القضايا والنزاعات الجديدة التي تطرح أمامه.

وأوضح أن معظم القضايا التي كانت قائمة قبل عام 2023 ما زالت معطلة ولم تعد بصورة كاملة إلى جدول أعمال المحاكم، الأمر الذي يفرض الحاجة إلى تفعيل وسائل بديلة لتسوية النزاعات وحفظ حقوق المواطنين.

وأضاف أن الوسائل البديلة لم تعد مجرد خيار مساعد للقضاء، بل أصبحت، في ظل الظروف الحالية، أداة مهمة يمكن أن تسهم في تسوية النزاعات بسرعة ومرونة وكلفة أقل، شريطة أن يتولاها مختصون يتمتعون بالكفاءة والخبرة.

تحذير من التسرع في بيع العقارات

وفي رسالة للمواطنين بشأن عمليات بيع العقارات في الظروف الراهنة، دعا أبو مسلم إلى التريث وعدم الاستعجال في بيع الأموال العقارية، محذراً من أن الظروف الاستثنائية والنزوح والحاجة قد تجعل أصحاب العقارات عرضة للاستغلال أو الغبن الفاحش.

وأشار إلى أن القيمة السوقية للعقارات المدمرة تراجعت بشكل كبير مقارنة بالعقارات التي ما زالت قائمة، ما يجعل التسرع في البيع قد يؤدي إلى خسائر كبيرة.

وفي حال كان البيع ضرورياً، شدد على ضرورة أن يبذل البائع والمشتري العناية الكافية للتحقق من صحة الملكية والحيازة، وتوثيق عملية الاستلام والتسليم، والتحقق من المساحة والحدود بواسطة مسّاح مرخص، خصوصاً في ظل تداخل الحدود والمساحات والملكيات نتيجة الدمار الواسع.

التسجيل وحده لا يكفي للتحقق من الملكية

وحذر أبو مسلم من الاعتماد على مستخرج التسجيل العقاري وحده عند إتمام عمليات البيع، موضحاً أن بعض العقارات قد تكون مسجلة باسم شخص لدى دائرة تسجيل الأراضي، رغم أن صاحبها يكون قد باعها سابقاً بموجب عقد عرفي وسلمها إلى شخص آخر.

وأكد أن عملية البيع يجب أن تقوم على عنصرين أساسيين هما التسجيل والتصرف، وأن على المشتري التحقق من التسجيل، إلى جانب الاستلام الفعلي والحقيقي للعقار، والاستعانة بمسّاح مرخص للتحقق من الحدود والمساحات.

الوكالات.. التحقق من سريانها قبل البيع

وبشأن الوكالات التي صدرت قبل الحرب، أوضح أبو مسلم أن التعامل معها يختلف بحسب نوع الوكالة، مشيراً إلى ضرورة التحقق من بقاء الموكل والوكيل على قيد الحياة في الوكالات العادية والخاصة والعامة التي تتضمن البيع، باعتبار أن هذه الوكالات تنقضي بوفاة أحد أطرافها، ولا تكون التصرفات التي تتم بعدها نافذة في مواجهة الورثة إلا وفق الأصول القانونية.

في المقابل، أوضح أن الوكالات الدورية أو المرتبطة بحق الغير تختلف من حيث آثارها، لأنها قد تتضمن عقد بيع وإقراراً بقبض الثمن والتنازل عن الملكية، وبالتالي قد تبقى سارية في مواجهة الورثة وفقاً لشروطها وطبيعتها القانونية.

وأكد أن مسؤولية التحقق من سريان الوكالة تقع على جميع الأطراف، بما في ذلك الوكيل والبائع والمشتري والجهة التي تنفذ المعاملة، مع ضرورة التأكد من عدم وفاة الموكل وعدم تنفيذ مضمون الوكالة سابقاً.

وأشار إلى أن سلطة الأراضي تشترط، عند تقديم بعض الوكالات المتعلقة ببيع العقارات، نشرها في الصحف اليومية لإتاحة المجال أمام من لديه اعتراض للتقدم به وفقاً للقانون.

وكالات بيع عقارات غزة من الخارج

وفيما يتعلق بإصدار الوكالات من خارج قطاع غزة، أوضح أبو مسلم أنه في الظروف الطبيعية كان بإمكان الفلسطينيين تنظيم وكالات بيع الأموال العقارية من خلال السفارات الفلسطينية في الخارج، وفق المحددات القانونية والوطنية.

لكن في ظل الحرب، صدر قرار أو مرسوم يحظر إصدار وكالات تتعلق ببيع الأموال العقارية وغير المنقولة في قطاع غزة من السفارات الفلسطينية حول العالم، في إطار إجراءات تهدف إلى حماية أملاك الغائبين والقصر والمفقودين وغيرهم.

وأضاف أن تنظيم أي وكالة في هذا السياق يجب أن يتم لدى الجهة المختصة وتوثيقها وفق الأصول القانونية.

رسالة للمواطنين: لا تتسرعوا في التنازل عن حقوقكم

وفي ختام حديثه، أكد أبو مسلم أن فقدان المستندات أو الأوراق أو حتى فقدان المنزل لا يعني بالضرورة فقدان الملكية، مشدداً على أن القانون الفلسطيني يحمي الحق العيني الثابت.

ودعا المواطنين الذين تضررت أو تدمرت منازلهم أو فقدوا مستندات ملكيتهم إلى عدم التسرع في توقيع أي عقد بيع أو تسوية تحت ضغط الحاجة أو الظروف الراهنة.

وأكد أن ملكية الأرض تبقى ثابتة ولا تنتقل إلا وفق القانون، مشيراً إلى إمكانية تعويض الوثائق المفقودة من خلال استخراج مستندات بديلة من المؤسسات ذات العلاقة، أو إعادة بناء الملف القانوني للملكية بالوسائل المتاحة.

تصميم وتطوير