إعادة إعمار الرياضة تبدأ بالإنسان
خلال منصة مواطنات: من ملاعب غزة المدمّرة إلى حواجز الضفة.. الرياضة تبحث عن طريق العودة
وطن للأنباء: لم تعد الرياضة في فلسطين مجرد منافسة داخل ملعب أو بطولة تنتهي بصافرة الحكم، بعدما دفعت الحرب والقيود المفروضة على الحركة بكلفتها إلى عمق الحياة اليومية للرياضيين، من ملاعب مدمرة في قطاع غزة، إلى حواجز وإغلاقات واعتداءات تعيق وصول فرق الضفة الغربية إلى تدريباتها ومبارياتها.
وفي حلقة من "منصة مواطنات" التي أطلقتها جمعية المرأة العاملة الفلسطينية بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية، برزت صورة الرياضة الفلسطينية بين ركام غزة وحواجز الضفة، وسط دعوات إلى التعامل معها باعتبارها جزءًا من بناء الشباب والمجتمع، لا مجرد نشاط ترفيهي.
الرياضية من قطاع غزة سهام مقاط، التي أصيبت خلال الحرب وفقدت عينها، تحدثت عن حجم الخسارة التي لحقت بالرياضيين والمنشآت الرياضية، قائلة إن الحرب لم تدمّر الملاعب والمعدات فحسب، بل أودت أيضًا بحياة أشخاص كانوا جزءًا من الوسط الرياضي.
وقالت مقاط إن الرياضة كانت "حياتها وكل شيء"، وإنها فقدت الملاعب والأدوات واللاعبين والمدربين، لكنها أكدت في المقابل استمرارها في ممارسة الرياضة رغم إصابتها، مشددة على أن الإعاقة لم تمنعها من مواصلة التدريب.
من إصابة الحرب إلى التدريب بأدوات بديلة
ورغم فقدان المعدات والمنشآت الرياضية، قالت مقاط إنها تواصل ممارسة التمارين في المنزل، مستخدمة أدوات بسيطة، من بينها عبوات الفول والماء كأثقال، في محاولة منها للحفاظ على حلمها الرياضي وعدم التخلي عنه.
وتروي مقاط أن نظرة بعض أفراد المجتمع إليها تغيرت مع الوقت، بعدما واجهت في البداية انتقادات بسبب ممارستها الرياضة كامرأة، قبل أن تتحول تلك النظرة إلى تشجيع عقب تحقيقها نتائج رياضية.
وأشارت إلى حصولها قبل إصابتها على مراكز أولى في ألعاب القوى، وكرة السلة والكاراتيه، إضافة إلى مشاركات ونتائج رياضية في قطاع غزة.
وبالنسبة إليها، لا تمثل الرياضة منافسة بدنية فقط، بل مساحة لبناء الشخصية ومواجهة التحديات، مؤكدة أن الكلمات التي شككت في قدرتها على الاستمرار تحولت إلى دافع إضافي لها.
الضفة.. المباراة تبدأ قبل الوصول إلى الملعب
وفي الضفة الغربية، قال ربيع عرباس، المدير التنفيذي للنادي الأهلي في قلقيلية، إن النشاط الرياضي عاد تدريجيًا رغم الصعوبات التي تواجه الأندية واللاعبين.
وأوضح أن الحواجز العسكرية وقيود الحركة والاعتداءات على الطرق تؤثر على قدرة الفرق واللاعبين على الوصول إلى المحافظات الأخرى والمشاركة في البطولات، فضلًا عن ضعف البنية التحتية للصالات والملاعب الرياضية.
وبحسب عرباس، فإن القيود على التنقل لا تؤثر فقط على حضور المباريات، وإنما تنعكس أيضًا على جاهزية اللاعبين ولياقتهم البدنية، كما قد تعرقل انتظام البطولات التي تتطلب تنقل الفرق بين المحافظات.
النادي.. ملعب أم مساحة آمنة؟
النقاش في الحلقة تجاوز حدود الملاعب إلى الدور الاجتماعي الذي يمكن أن تؤديه الأندية، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يعيشها الشباب.
وقال عرباس إن الأندية مطالبة بأن تكون "مساحة آمنة" تحتضن الشباب والفتيات والأشخاص ذوي الإعاقة، وتوفر لهم فرصًا للتطوع والمشاركة المجتمعية وبناء الثقة والقدرات.
وأشار إلى برامج ينفذها النادي الأهلي في قلقيلية لتعزيز ثقة الشباب والفتيات بأنفسهم، وتشجيع التطوع والمشاركة المجتمعية، وإشراك الشباب في التخطيط وتنفيذ الشؤون الإدارية للنادي.
وأكد أن بناء قدرات الأندية واعتماد أنظمة حوكمة إدارية ومالية، إلى جانب الاستثمار في المنشآت والقدرات، تعد من الاحتياجات الأساسية لضمان استمرار دورها الرياضي والمجتمعي.
الرياضة والفتيات.. عوائق اجتماعية وبنية تحتية ناقصة
وتطرقت الحلقة إلى مشاركة الفتيات في الرياضة، حيث أشار عرباس إلى وجود تفاوت بين المناطق في مستوى تقبل مشاركة الفتيات في الأنشطة المجتمعية والرياضية، إضافة إلى ضعف البنية التحتية المهيأة لمشاركتهن.
وحذر من أن اجتماع العوائق الاجتماعية مع نقص المساحات والمنشآت المناسبة قد يؤدي إلى تهميش حضور الفتيات في الرياضة الفلسطينية.
وفي المقابل، أكدت مقاط أن ممارسة المرأة للرياضة يمكن أن تمنحها مساحة أكبر لبناء الثقة والقدرة على مواجهة الضغوط المجتمعية، مستندة إلى تجربتها الشخصية في قطاع غزة.
"بدنا الأمان".. قبل إعادة بناء الملاعب
في قطاع غزة، تضع مقاط شرطًا أساسيًا قبل الحديث عن عودة الرياضة: الأمان.
وقالت إن الرياضيين يحتاجون أولًا إلى أن تعود الحياة، وأن تتوفر أماكن آمنة يستطيعون فيها ممارسة الرياضة بعيدًا عن الخوف والقصف، مشيرة إلى أن استمرار الخطر يجعل العودة إلى النشاط الرياضي أمرًا بالغ الصعوبة.
من جانبه، قال عرباس إن غياب الشعور بالأمان لا يتيح للإنسان مساحة للإبداع والاستمرار، معتبرًا أن ما يواجهه الرياضيون في غزة من دمار وفقدان يؤثر في قدرتهم على مواصلة تطوير مواهبهم وأحلامهم.
إعادة إعمار الرياضة تبدأ بالإنسان
ومع الحديث عن مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، طرح عرباس أولوية الاهتمام بالجانب النفسي للرياضيين والرياضيات في غزة، في ظل ما تعرضوا له من قتل ودمار وتجارب قاسية.
ودعا إلى دراسة الواقع النفسي للرياضيين والعمل على معالجة آثار ما تعرضوا له، معتبرًا أن بناء الإنسان يجب أن يسبق إعادة بناء المنشآت.
أما مقاط، فاختتمت الحلقة برسالة تقوم على عدم الاستسلام، مؤكدة أن فقدان الملاعب والمعدات لا يعني فقدان الإرادة، وأنها تواصل التدريب رغم إصابتها وفقدانها عينًا خلال الحرب.
وبين غزة التي تبحث عن ملاعبها بين الركام، والضفة التي يواجه فيها الرياضيون الحواجز وقيود الحركة، بدت الرياضة الفلسطينية أمام تحدٍ يتجاوز استعادة المباريات؛ إذ ترتبط عودتها أيضًا بإعادة بناء المساحات التي يستطيع فيها الأطفال والشباب والفتيات ممارسة الرياضة، وبناء الثقة والمهارات والانتماء والمشاركة المجتمعية.


