لا دواء ولا مأوى في خيمة متهالكة.. هناء تواجه الموت البطيء

26.06.2025 01:55 PM

غزة- وطن للأنباء- نغم كراجة: تتكئ هناء عوض، ذات الـ47 عاماً، على قطعة خشب متهالكة قرب مدخل خيمتها المتواضعة في حي الشيخ رضوان شمال غزة، وتحاول أن تتماسك وهي تقول: “كل شيء فقدته، بيتي، عائلتي، صحتي، وحتى القدرة على الاحتمال بدأت تتآكل”

تروي بصوت متهدج: “حين عدتُ من جنوب غزة في منتصف فبراير 2025، ترددت كثيرًا، لم يكن بيتي هناك، بل أطلالٌ تخنقها الجثث، وتحت الأنقاض يرقد إخوة زوجي وزوجاتهم وأطفالهم وكل من احتمى بمنزلنا يوم السابع عشر من نوفمبر ٢٠٢٤، لقد دفنهم القصف ولم ينتشلهم أحد، وكلما تذكّرت المجزرة، أشعر أن شيئًا في داخلي يتحطم، حتى أصبت بداء السكري من شدة الحزن.”

نصبت هناء خيمتها على بعد أمتار من منزلها المدمر. خيمة تفتقر لأبسط مقومات الحياة، وتضم 12 فردًا ينامون متلاصقين في مساحة لا تصلح للحياة الآدمية. ورغم ازدحام المكان وانعدام الخصوصية، لم يكن ذلك أكثر ما يؤلمها.

“ما لم أتحمّله هو الطهي على النار، في الجنوب كنّا نملك قليلًا من الغاز. أما هنا، فلا شيء، أقضي ساعات اليوم وأنا أبحث عن الأخشاب، أكسرها بيديَّ اللتين أنهكهما المرض ثم أجلس وسط الدخان لطهي ما تيسّر لنا من فتات”، تقول ذلك وتمسح جبينها بتعب ظاهر.

لم تقف المعاناة عند حدّ فقدان البيت بل تمددت لتنهش صحتها شيئًا فشيئًا، منذ أربع سنوات، تقاوم هناء مرض السرطان بصمت، ومؤخّرًا بدأت تعاني من مشكلات في نظرها، وألم متزايد في أعصاب يديها، فضلًا عن تدهور في وظائف الكلى، ولا تجد ما يخفّف عنها حتى المياه النظيفة التي تحتاجها مريضة الكلى مفقودة، والمياه المتوفرة ملوثة أو شحيحة.

“حاولتُ مؤخرًا إجراء تحاليل طبية، لكن المختبرات طلبت مني مبلغاً كبيراً، وأنا لا أملك شيئًا، زوجي عاطل عن العمل، ولا مصدر لنا سوى تكية المخيم وبعض المساعدات التي لا تكفي قوت يومنا، طلبتُ من إدارة المخيم تغطية ثمن التحاليل من التبرعات لكن طلبي رُفض دون تبرير.”

وقبل أسبوعين، أحسّت بصداع شديد، فذهبت إلى نقطة طبية قرب المخيم لتفحص ضغطها، كانت الصدمة حين أخبروها أنها مريضة ضغط، تقول: “لم أكن أعلم لكنني انهرت حين علمت بذلك، أصبحتُ أحمل مرضًا جديدًا فوق ما أعانيه، ولا أجد دواءً لا للسرطان، ولا للضغط، ولا للكلى، كل يوم أستيقظ على وجع جديد لا أملك له علاجًا.”

بين تنهيدة وأخرى، تنتقل هناء للحديث عن فلذة كبدها، محمد، ابن الرابعة والعشرين، الذي يعاني من السرطان منذ طفولته، توضح: “أرسلته إلى الضفة الغربية ليتلقى علاجه عند أحد أقاربي منذ كان عمره ١٣ عام فالعلاج المطلوب غير متوفر في القطاع، وكان يزورني بين الحين والآخر لكن في يونيو من العام ٢٠٢٤، وبينما كان ذاهبًا إلى المستشفى، اعتقله جنود الاحتلال الإسرائيلي فقط لأنه من غزة، احتجزوه 45 يومًا، وحين أعادوه إلى القطاع، كان جسده شبه ميت.”

تحاول الأسرة تأمين علاج بديل له، لكن محمد لا يستجيب، وتضيف: “جسمه يذوب أمامي. لا أملك له دواءً، ولا أستطيع توفير جرعاته، أشعر أنني عاجزة، مذنبة، مكسورة…”

وفي نبرة ملأى بالرجاء والخذلان، تقول: “أناشد العالم أن يُنقذ ابني، أن يُفتح لنا معبر واحد للعلاج، أريد فقط أن أعيش، وأعالج جسدي الذي ينهشه السرطان في كل يوم، وأمنح ابني فرصة للحياة.”

تسكت هناء برهة، تنظر إلى خيمتها التي تهتز مع نسمة الغروب، وتهمس: “أنا لا أعيش، أنا أحتضر بصمت… أموت ببطء، ولا أحد يسمع."

تصميم وتطوير