صرخة من وسط العجز

دينا.. مأساة طفلة من غزة بدأت بالحرب وانتهت بشلل ونزوح

24.05.2025 02:46 PM

غزة- وطن للأنباء- نغم كراجة: رصاصة من طائرة كواد كابتر اخترقت رقبة الطفلة دينا الخولي، وتسببت بشلل نصفي وثقب في الرئة والمريء، تم نقلها إلى المستشفى المعمداني، لكن في ذات الليلة صدرت أوامر جيش الاحتلال بإخلاء المستشفى، فضطرت الأم لركض بابنتها التي تعاني من إصابة بالغة من شارع الى شارع بحثنا عن مكان آمن حتى وصلت مستشفى الشفاء.

المعاناة لم تتوقف، دينا بحاجة لغذاء خاص يمر من خلال فتحة بطنها مباشرة، لكن ذلك غير متوفر، فتذهب الأم الى شراء الخضراوات المتوفرة وتعود لطحهنا بيديها وادخاله الى معتدها بطريقة غير آمنة.

تطالب والدة دينا بوقف الحرب ومنحها الفرصة لعلاج ابنتها كي تعود تلعب وتضحك كباقي أطفال العالم.

"كلّما نظرتُ إلى ابنتي دينا وهي مستلقية على سرير المستشفى، لا تقوى على تحريك رجلها، يختنق قلبي وتغمرني مرارة لا تحتمل، كيف لطفلة في عمر الزهور أن تُصاب بهذا الشكل؟ وكيف لي كأم أن أراها تتألم وأعجز عن إنقاذها؟" بهذه الكلمات الموجعة بدأت عالمية الخولي، وهي أم لخمسة أبناء، سرد حكايتها التي تختزل أوجاع النزوح والقصف والخذلان.

تقول لوطن للأنباء، بحرقة:  "أنا من سكان حي الزيتون شرق غزة..حين اشتدت الحرب في أكتوبر، وانتقلت النيران إلينا، نزحنا كغيرنا من أهل القطاع..كنت أظنها أيامًا قليلة ونعود، لم أحمل معنا شيئًا تقريبًا، لا أغطية ولا ملابس، فقط خرجنا بأنفسنا..وعندما وصلنا إلى المواصي في الجنوب، لم نكن نعلم إلى أين نذهب..صُدمت من أسعار الإيجارات، من قسوة العيش، ومن فكرة أن نكون بلا مأوى في بلادنا."

وتتابع وقد أغرورقت عيناها بالدموع:  "كنت أرى الناس تشتري بثمن خبزة واحدة ما كنت أشتري به كيسًا كاملاً في الأيام العادية حتى الملابس أصبحت حلماً، ومع دخول الشتاء شعرت أن هناك من يموت من البرد فعلًا.. المعركة لم تكن فقط مع الطائرات والقنابل، بل مع الجوع والبرد واللجوء المتكرر..كلما صدر أمر إخلاء، أركض أجمع ما أملك من أغراض لأنني أعلم أنني لن أستطيع تعويضها وسط هذا الغلاء الجنوني."

توقفت لثوانٍ، تشهق أنفاسها، ثم واصلت بصوت متهدّج: "عدنا إلى منزلنا في حي الزيتون نهاية يناير الماضي بعد هدنة مؤقتة، ووجدته شبه مدمر لكنه يبقى أفضل من خيمة..أمضيت تلك الفترة أعيد ترتيب الأنقاض، أبحث بين الركام عما يمكن إصلاحه لكن الحرب عادت بكل وحشيتها في منتصف مارس الماضي، وأصبح الحي جحيمًا..كل شيء صار مهددًا.. كل شيء!"

تسكت قليلًا ثم تتابع بنبرة أكثر حزنًا: "في الثاني عشر من أبريل، الساعة الخامسة عصرًا، كنت أعد وجبة بسيطة من المساعدات التي بدأت تنفد..فجأة سمعت صراخ ابني الصغير: (الحقوا دينا وقعت!) ركضت كالمجنونة إلى السطح، ووجدت دينا ممددة على الأرض، تنزف من رقبتها..لم نكن نعلم ما الذي أصابها حتى أخبرنا الأطباء في مستشفى المعمداني أن رصاصة من طائرة كواد كابتر اخترقت رقبتها، وتسببت بشلل نصفي وثقب في الرئة والمريء."

تغمض عينيها وتتنهد: "في ذات الليلة صدر أمر إخلاء للمستشفى..كنت أظن نفسي في كابوس، الجميع يهرب.. الكوادر الطبية، المرضى حتى المصابين في العناية..حملت دينا بكل ما عليها من أجهزة، وركضت بها من شارع إلى شارع هربًا من القصف..كان الحمل ثقيلًا، وجسدي لم يعد يحتمل، لكن ماذا كنت سأفعل؟ ابنتي بين الحياة والموت."

تخفض صوتها وهي تضغط على كلماتها:  "بعد يومين نقلناها إلى مستشفى الشفاء..هناك بدأت معركة أخرى..دينا بحاجة إلى طعام خاص يمرّ من خلال فتحة في بطنها، وأنا من أقوم بإدخاله لها عبر حقنة كبيرة..أذهب للسوق أبحث عن أي نوع من الخضراوات أو البقوليات المتوفرة، أعود لأطحنها بنفسي، ثم أجهزها لأطعمها.. هذا من أقسى المواقف التي مررت بها في حياتي..أن تُطعم ابنتك المريضة بهذه الطريقة، وترى جسدها العاجز ولا تقوى على حمايتها، إنه شعور يمزق القلب."

ثم تضيف بإحباط بالغ: "أنا أعيش معها في المستشفى منذ إصابتها، أنام إلى جوارها، وأتابع تنفسها ونبضها كل ساعة..وفي الوقت ذاته، أبنائي الآخرون وحدهم في المنزل في حي الزيتون تحت القصف والخطر..لا أنام الليل حتى أطمئن عليهم عبر الجيران أو الهاتف..قلبي يتفتت بين ابنة تتألم أمامي، وأربعة أبناء لا أعلم إن كانوا على قيد الحياة كل صباح أم لا."

تختم حديثها بصوت خافت، شاحب: "كل يوم أعيش على أمل أن يُفتح معبر، أن تأتي ورقة تحويلة، أن يسعفنا أحد..دينا تستحق أن تُعالج، تستحق أن تمشي وتضحك وتلعب كما كانت..أنا أم، وأضعف ما في الأمومة أن ترى فلذة كبدها تتلاشى أمام عينيها ولا تملك سوى الدعاء."

قصة عالمية الخولي، كما قصص آلاف الأمهات في غزة، ليست استثناءً بل صرخة في وجه العجز الإنساني، ولطخة على جبين العالم الصامت.

تصميم وتطوير