تعرضت لحروق في جسدها منذ الصغر.. راما تخاطر بحياتها وتطهو على الحطب

15.05.2025 10:26 AM

غزة- وطن للأنباء: نغم كراجة: في شمال غزة، حيث لا شيء سوى الرماد والركام، تقف راما الدريملي (22 عامًا) شاهدة على قسوة الحرب وتحديًا لجبروت الألم، فتاة لم تعرف يومًا معنى الاستسلام، وُلدت من جديد بعد أن التهمتها النيران طفلة، لتولد مرة أخرى في أتون الحرب المستمرة، وتحفر بإرادتها دربًا محفوفًا بالأشواك نحو الحياة.

"لقد تعلّمتُ أن لا أحد سينتشلني من أوجاعي سواي، ولا سبيل للنجاة سوى بالمواجهة"، تقولها راما بصوت واثق وعينين تشعان بتحدٍ قلّ نظيره، بينما تحاول بيدها المحروقة أن تملأ دلو الماء من صنبور مهترئ، صاعدًة به درجات منزلها التي تنهك من هم في تمام العافية، فكيف بمن احترقت كفوفه وتآكلت أصابعه إلا ثلاثًا فقط؟

كانت راما في عامها الأول عندما احترق وجهها وكفّاها، وأفقدتها النيران معظم أصابعها، في مستشفى الشميسي أُعلن يأس الأطباء من نجاتها، غير أن الصغيرة خالفت كل التوقعات واستفاقت بعد أسبوع من الغيبوبة، لتُلقّب منذ ذلك اليوم بـ"معجزة الشميسي"، ومنذ ذلك الوقت، لم تكن الحياة يومًا سهلة لكنها اختارت أن تحياها على طريقتها، بلا رتوش تجميل ولا أقنعة إخفاء.

ترفض عمليات التجميل وتصرّ على استثنائيتها: "لم أقبل أن يُغيّر أحد وجهي أو يعبث بجسدي، هذه أنا، ولست بحاجة لأن أبدو كغيري لأُشبههم بل لأُشبهني"، تقولها وقد رفعت رأسها عالياً، وتواصل حديثها وهي ترسم حاجبيها الذائبين بريشة صغيرة ولمسات دقيقة تشهد على موهبتها في فن التجميل، وكأنها تُجمّل الحروق لا تُخفيها، تُصالحها لا تُنكرها.

حين يصبح الجحيم حياة يومية: مع اندلاع حرب الإبادة الجماعية على غزة منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، وجدت راما نفسها أمام نيران من نوع آخر، لا تلتهم الجسد بل تحاصر الروح، الاحتلال الإسرائيلي يمعن في قصف كل حيّ يتحرك، وفرض حصارًا خانقًا على كل مقوّمات البقاء، فاختفى الدواء وشحّ الغذاء وانعدمت مقومات الأمان.

"أصبحت النار التي أهرب منها، أضطر لاستخدامها للطهي بالحطب رغم خطورتها عليّ، فوجهي المحترق لا يحتمل الدخان ولا اللهب لكن لم يكن أمامي خيار آخر"، تقولها بمرارة وهي تشير إلى آثار حروق حديثة أصابت إحدى يديها من لهب الموقد.

تعيش راما وشقيقتها في منزل صغير في شمال القطاع، ترعى والديها المسنين وتتكفّل بغالبية احتياجات الأسرة بعد أن غادر باقي أفراد العائلة إلى الخارج "أنقل الماء يوميًا في جالونين ثقيلين، أصعد بهما على درجات المنزل بصعوبة لأن يداي لا تحملان كما يجب، وأشعر كل مرة وكأن أصابعي تتمزق"، تقولها وهي تضغط بأطراف أصابعها الثلاثة على يدها الأخرى لتخفف الألم.

الحياة في ظل القصف: لا كهرباء، لا وقود، لا دواء، تضيف راما بانفعال: "انقطع الغاز منذ أكثر من عام ونصف بقرار احتلالي، وكأنهم يمنعون عنّا أبسط حقوقنا في الطهي والتدفئة، ألهذا الحدّ باتت إنسانيتنا خاضعة لحصار الموت؟!"، تبين راما .

تتنقل من منطقة لأخرى تحت وابل القذائف، تسير لساعات في طرقات غير آمنة، لا مواصلات ولا مظلات، تحت شمس لا ترحم، لأجل شراء حاجة أساسية "كل مرة أخرج أشعر أنني قد لا أعود لكنّ بقائي دون فعل هو الموت بعينه"، تهمس بها وكأنها تُصارح نفسها لا تُبرّر للآخرين.

ورغم هذا كله، تصرّ راما على مواصلة دراستها الجامعية إلكترونيًا، محاولةً التمسك بحلمها وسط عالم يتهاوى من حولها، تواجه صعوبات جمة في الحصول على نقطة إنترنت لمتابعة محاضراتها وتقديم امتحاناتها، لا سيّما في ظل الانقطاع التام للكهرباء وشبكات الاتصال.

"أحيانًا أضطر للبحث شبكات انترنت جيدة تحت القصف، وأبقى ساعات طويلة في الانتظار بين محاولة وأخرى، لكنّي أتمسّك بهذا الحلم كأنّه طوق نجاة، أريد أن أكون فتاة فلسطينية متعلّمة، تُكمل مشوارها رغم كل هذا الجوع، والنزوح، والإبادة الجماعية".

رغم كل ما يحيط بها، لم تتخل راما عن طموحها، تعمل عبر منصات العمل الحر، تبحث عن فرص في وسط الركام، وتتنقل إلى مساحات العمل المشتركة رغم انعدام الأمن "أريد أن أكتفي ذاتيًا، ولا أعتمد على أحد، أحاول أن أُبقي على كرامتنا حيّة وسط هذا الموت العام".

تحكي راما بأسى: "أن تتنفس في غزة... أن تقاتل كل دقيقة، نُحرم من الماء، من الكهرباء، من الهواء النظيف، حتى الدواء لا يصلنا، بينما العالم يكتفي بالنظر".

بين أزيز الطائرات، ورعب الاجتياحات، والتعب المزمن من حمل الحقائب والمياه والهموم، تسير راما بخطى بطيئة لكنها ثابتة، لا تستجدي العطف بل تسرد حكايتها بصوت المرأة التي صلبتها المحن.

تختتم حديثها قائلةً: "أريد فقط أن تعود الحياة لطبيعتها، لا أطلب أكثر من أن أستطيع الطهي دون أن أُحرق، أن أشرب ماءً دون عناء، وأن أعيش دون أن أشعر كل لحظة أنني هدف مرئي لصاروخ طائش".

تقول راما الدريملي بنبرة مملوءة بالإصرار: "أقول لكل فتاة تمرّ اليوم بأزمة أو محنة: أنتِ مختلفة، لا لأنكِ ضعيفة بل لأنكِ قوية بطريقتكِ الخاصة، نحن لا نُقاس بما فقدناه، بل بما نُبدعه رغم الفقد..كلّ واحدة منكن تناضل بطريقتها، وتصنع من العدم شيئًا عظيمًا، من الألم قصيدة، ومن الجوع فكرة، ومن الخراب نورًا..لا تنتظرنّ من يعترف بكنّ..بل كونوا أنتنّ الدليل على أن الحياة تُخلق كلّ يوم من تحت الرماد."

تصميم وتطوير