"ورقة وقلم رغم الألم".. مبادرة فردية تُحيي حقاً غائباً من وسط الركام
وطن للأنباء- نغم كراجة: بين الأنقاض، وتحت سماء لا تهدأ فيها أصوات الطائرات، تولد المبادرات من رحم الحاجة، وتنبض الحياة رغم مشاهد الموت والخراب، في أحد مراكز الإيواء غرب غزة، تقف المعلمة بسمة شقورة، حاملة سبورتها الصغيرة وبعض البطاقات الملونة وسط مجموعة من الأطفال الذين حُرموا من أبسط حقوقهم، لتعلن عن تجدد مبادرتها التعليمية "ورقة وقلم رغم الألم"، مبادرة فردية أطلقتها بإصرارٍ لا يُقهر، وعزيمة لا تنكسر، متحديةً ظروف الحرب وسوط الإهمال.
منذ أكثر من عام ونصف، توقفت العملية التعليمية في قطاع غزة بفعل العدوان المستمر، وتحوّلت المدارس منارة العلم إلى ملاجئ للنازحين، وتحول الأطفال من طلاب إلى طالبي ماء وغذاء في طوابير لا تنتهي، باتوا يقضون يومهم في جلب الماء من صهاريج متنقلة أو في الانتظار أمام نقاط توزيع المساعدات حتى كادت ذاكرتهم الطفولية تخلو من مشهد الحقيبة والدفتر.
تقول بسمة بصوتٍ تختلط فيه الحسرة بالعزم لوطن للأنباء، "لم أعد أحتمل رؤية الأطفال يغرقون في مستنقع الجهل بينما العالم يواصل صمته، شعرت أنني مسؤولة أمام ضميري، أمام ربي، وأمام هؤلاء الصغار الذين تُسرق طفولتهم كل يوم، فكان لا بد من فعل شيء، أي شيء، لإعادة الحياة إلى هذه العقول الصغيرة التي بدأت تذبل."
جمعت بجهود شخصية سبورة خشبية وعلّقتها على جدار متصدّع في أحد مراكز الإيواء، وزيّنت المكان ببطاقات حروف وأرقام رسمتها بيديها، محاولةً أن تُدخل شيئاً من روح المدرسة إلى هذا الواقع المنكوب، وبكل ما تملك من شغف وتفانٍ، بدأت بتعليم الأطفال أساسيات اللغة والحساب، مستخدمة أدوات بسيطة لكنها محمّلة بالأمل.
تُشير بسمة إلى أن الأطفال أبدوا حماساً غير مسبوق، وكأنهم وجدوا ضالتهم الضائعة، وتضيف: "ما صدمني هو توقهم العجيب للعودة إلى مقاعد الدراسة، كانوا يتمنون فقط أن يرتدوا زيهم المدرسي، ويقفون في طابور الصباح، يسمعون النشيد الوطني ويهتفون بأسمائهم، إنه الحنين للروتين الذي يربطهم بالحياة، بالشعور بالاستقرار، بشيء يشبه الطفولة."
لكن الطريق لم يكن سهلاً، فقد واجهت بسمة الصامدة تحديات جسيمة على رأسها انعدام الإمكانيات، وصعوبة توفير القرطاسية التي ارتفعت أسعارها بشكل جنوني بسبب الحصار والحرب، بالإضافة إلى الخطر الدائم جراء القصف العشوائي الذي لا يفرّق بين مدرسة وخيمة، ولا بين سبورة وجدار إسمنتي.
تؤكد بسمة لوطن للأنباء، أنها لا تسعى للشهرة أو الاعتراف، بل تحركها غريزة إنسانية وواجب مهني، وتقول بنبرة واثقة: "أنا خريجة تعليم أساسي، وهذه الحرب سرقت حلمي في أن أمارس مهنتي في صفّ آمن لكني قررت ألا أترك شهادتي حبيسة الأدراج، وألا أسمح بأن يُمحى التعليم من ذاكرة أطفالنا، هؤلاء الصغار يستحقون أن يتعلموا، حتى لو كُتب الدرس على الرمل، وعلّق على جدار مهدّم."
في الوقت ذاته، تسلّط بسمة الضوء على الوضع المأساوي الذي يعيشه الشباب في القطاع، مشيرة إلى أنهم بلا فرص، بلا عمل، بلا أمل، مما يدفع بعضهم للانطواء أو حتى الانزلاق في مسارات خطرة، وترى أن استثمار وقتهم في مبادرات تعليمية أو تطوعية قد يُسهم في إنقاذهم من الضياع، ويخلق نماذج قادرة على الصمود والعطاء.
ولا تُخفي بسمة شعورها بالإحباط من تقاعس الجهات المعنية، إذ ترى أن حقوق الأطفال في غزة وعلى رأسها التعليم تُنتهك يوميًا على مرأى ومسمع من العالم، وتختم حديثها بنداء مؤلم وموجّه: "أناشد كل مؤسسة معنية بحقوق الطفل، كل منظمة ترفع شعار الإنسانية، أن تلتفت إلينا، أن ترى عيون الأطفال وهي تتوق إلى القلم والدفتر، التعليم ليس رفاهية إنما هو حق أصيل، والضمانة الوحيدة لمستقبل لا تحكمه النار ولا يسوده الجهل، نريد برامج تعليمية ولو تحت الخيام، نريد أن نكمل المناهج، أن نُعيد الوعي، أن نُحيي العقل الفلسطيني الذي تُرِك لينطفئ."
بسمة شقورة ليست سوى نموذج واحد من آلاف الغزّيين الذين قرروا أن يقاوموا القهر بصناعة الأمل، مبادرتها الصغيرة تمثل صرخة في وجه الإهمال، وموقفًا ثابتًا بأن التعليم حق لا يسقط بالقصف، وأن الورقة والقلم قد يكونان أحيانًا أقوى من السلاح.
وفي ظل استمرار الحرب وتآكل البنية التحتية، تبقى مبادرات كهذه هي الشريان الوحيد الذي يُبقي على نبض الطفولة، ويعيد للطفل الفلسطيني شيئاً من كرامته المسلوبة، وعقله المحاصر خلف أسلاك النار والرماد.


