نبهان خريشه يكتب لوطن: شروخ إسرائيل التي لم تعد تخفيها الحروب

06.11.2026 08:55 PM

الدول ليست أبنية تنهار لحظة سقوط آخر حجرمن جدرانها. قد تبقى مؤسساتها تعمل، وجيوشها تقاتل، وأسواقها تتداول، فيما تتآكل الروابط التي جعلت استمرارها ممكنا. وقد تبدو في ذروة بطشها حين تكون قدرتها على إنتاج مستقبل قابل للحياة في أشد حالات الضعف. من هذه الزاوية يمكن قراءة أزمة المشروع الصهيوني: مشروع يمتلك وسائل هائلة للتدمير، لكنه يواجه صعوبة متزايدة في الإجابة عن سؤال البقاء، وشروطه، وكلفته.

وفي مقالته "انهيار الصهيونية"، المنشورة في يونيو/حزيران 2024، طرح المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه قراءة ترى في التصدعات الإسرائيلية بدايات مسار تاريخي قد ينتهي بسقوط المشروع. وبحسب تشخيصه، كشف السابع من أكتوبر شروخا سابقة وعمّقها. هذه أطروحة تستحق المناقشة الجدية، من دون تحويلها إلى نبوءة مضمونة أو تحديد موعد لانهيار دولة ما زالت تحتفظ بقدرات عسكرية واقتصادية وتحالفات واسعة.

وتكمن أهمية هذا المنظور في نقل النقاش من مصير حكومة إلى أزمة بنية كاملة. فإسرائيل، بوصفها مشروعا استعماريا استيطانيا، قامت على اقتلاع شعب وإحلال جماعات استيطانية مكانه، ثم احتاجت إلى قوة دائمة لحماية نتائج الاقتلاع. وكلما استمر الفلسطينيون في الوجود والمطالبة بحقوقهم، اصطدم المشروع بحقيقة لم يستطع تجاوزها: الأرض التي أرادها خالصة له يسكنها شعب يرفض أن يتحول إلى تفصيل عابر في تاريخ الآخرين.
لكن الاستعمار الاستيطاني لا يخضع لساعة تاريخية واحدة. بعض تجاربه انتهى، وبعضها أعاد إنتاج نفسه، وبعضها تحوّل تحت ضغط المقاومة والتغيرات الدولية. لذلك فإن المقارنة بجنوب أفريقيا أو الجزائر تساعد على فهم آليات الأزمة، ولا تمنحنا نسخة جاهزة للمستقبل. ما يجعل التجربة الإسرائيلية مأزومة هو استمرار حاجتها إلى الإقصاء، فيما تتزايد كلفة هذا الإقصاء سياسيا وأمنيا وأخلاقيا.

في الداخل الاسرائيلي، يتجاوز الانقسام الخلاف المعتاد بين حكومة ومعارضة. إنه صراع على تعريف الدولة، ومصدر سلطتها، وحدود تدخل الدين في مؤسساتها، والجهة التي تدفع أثمان حروبها. الخلاف على القضاء والتجنيد والتعليم والموازنات يلامس سؤالا واحدا: أي مجتمع يريد الإسرائيليون العيش فيه، ومن يملك حق فرض صورته على الآخرين؟

وتساعد ثنائية "دولة إسرائيل" و"دولة يهودا"، التي يستخدمها بابيه، على قراءة جانب من هذا الصراع. لكنها تظل وصفا تحليليا لمعسكرات متداخلة، وليست خريطة لجماعتين متجانستين. فالهوية الدينية لا تحدد وحدها الموقف السياسي، كما أن العلمانية لا تعني تلقائيا رفض الاحتلال أو الإقرار بالمساواة مع الفلسطينيين.

إن المعسكر العلماني الذي يدافع عن استقلال القضاء يستطيع في الوقت نفسه قبول نظام السيطرة على شعب آخر. أما اليمين الديني والقومي المتطرف فيدفع نحو إخضاع المؤسسات لمشروع توسعي يعتبر الأرض وعدا مقدسا، ويرى التسوية تنازلا محرما. وهنا ترتد تناقضات المشروع على أصحابه: الدولة التي سمحت للمستوطنين بتوسيع حدود سيطرتها تجد مؤسساتها نفسها عرضة لمنطق الاستيطان، بما يحمله من استعلاء على القانون واحتقار للقيود.
وقد وفّر الخطر الخارجي طويلا غطاء لهذه التناقضات. غير أن الحرب الممتدة لا تنتج الوحدة إلى ما لا نهاية؛ إنها تفتح أيضا دفاتر المسؤولية والخسائر وتفاوت الأعباء. حين يطول الاستنفار، يصبح السؤال عن الإعفاء من الخدمة، وعن توزيع الموارد، وعن مسؤولية القيادة، جزءا من معركة الثقة بين المواطن والدولة.
وهذه الثقة هي جوهر الأزمة الأمنية. فقد سوقت الصهيونية وعدا بأن الدولة ستمنح اليهود ملاذا مضمونا، وأن التفوق العسكري سيجعل الحياة مستقرة. الا أن السابع من أكتوبر كشف فشلا كارثيا في الحماية، وأظهر أن التكنولوجيا والاستخبارات والأسوار لا تلغي إمكان الاختراق. أما الحروب اللاحقة فطرحت سؤالا أعمق: ما قيمة الانتصارات المعلنة إذا كانت تتطلب حربا أخرى لحمايتها؟

تستطيع إسرائيل تدمير مدن وإلحاق خسائر هائلة بخصومها، لكن تدمير حياة الآخرين لا يصنع تلقائيا أمنا مستداما. الأمن يحتاج إلى أفق سياسي وعلاقات قابلة للاستمرار. وكلما اختُزل في الردع والعقاب، أصبح رهينة امتحان عسكري جديد. هكذا تتحول القوة من وسيلة يفترض أن تؤمّن الاستقرار إلى التزام مفتوح بالقتال.

اقتصاديا، تستدعي الدقة الاعتراف بأن إسرائيل لم تشهد انهيارا شاملا. فقد أشادت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بمرونة اقتصادها ونظامها المالي، لكنها سجلت أيضا أضرار الحرب على الاستثمار والصادرات، واتساع العجز بفعل الإنفاق العسكري. وهذه المفارقة مهمة: الاقتصاد قادر على الصمود، فيما تستهلك الحرب موارد كان يمكن توجيهها إلى التعليم والصحة والبنية الأساسية.

وتكتسب الهجرة إلى الخارج دلالة خاصة في دولة جعلت استقطاب المهاجرين ركنا من أركان مشروعها. إذ تشير أبحاث جامعة تل أبيب إلى استمرار مستويات مرتفعة من المغادرة الطويلة الأمد، مع تحذيرات من آثارها المحتملة على الاقتصاد والمجتمع. ولا يجوز اعتبار كل مغادرة هجرة نهائية أو نسبتها كلها إلى الحرب؛ إلا أن استمرار النزيف البشري يطرح سؤالا جديا عن الثقة بالمستقبل.

فالطبيب والباحث والمهندس يحملون معهم خبرة يصعب تعويضها. وحين تتقاطع مخاوف الأمن مع الاستقطاب السياسي وغلاء المعيشة، تصبح المغادرة قرارا عائليا هادئا، لكنه يترك أثرا عاما يتجاوز عدد المسافرين. وقد يستمر الاقتصاد في النمو بينما تتراجع رغبة بعض الفئات الأكثر قدرة على الحركة في ربط مصير أبنائها به.

دوليا، تواجه إسرائيل تآكلا في قدرتها على تقديم الاحتلال باعتباره دفاعا اضطراريا مؤقتا. وقد منح الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، الصادر في يوليو/تموز 2024، هذا التحول أساسا قانونيا واضحا، عندما خلص إلى عدم مشروعية استمرار وجودها في الأرض الفلسطينية المحتلة ووجوب إنهائه. وهذا لا يعني زوال شرعية الدولة قانونيا، لكنه يقوّض تبريرات منظومة الاحتلال والاستيطان.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين تراجع الرواية وانقطاع الدعم. تستطيع حكومات مواصلة التسليح والتعاون حتى وهي تواجه رفضا شعبيا متناميا. لكن اضطرار إسرائيل إلى الدفاع المستمر عن صورتها، وتبرير ممارسات لم تعد تُقبل بسهولة، ما يجعل الحماية السياسية أكثر كلفة، ويكشف المسافة بين خطابها عن نفسها والواقع الفلسطيني الذي يراه العالم.

وفي قلب هذه الأزمة تقف "صناعة السلام" التي استهلكت عقودا من الاجتماعات والوعود. فقد تحولت العملية التفاوضية إلى مسار يستطيع الاستمرار من دون أن يقترب من إنهاء الاحتلال. وبينما ظل الحديث عن الدولتين حاضرا، كانت الوقائع الاستيطانية تقوّض شروط قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة.
يمكن، بهذا المعنى، الحديث عن موت المسار التقليدي سياسيا، وعن إفراغ حل الدولتين من مضمونه العملي؛ أما إعلان استحالته الأبدية فحكم يتجاوز ما يستطيع أحد ضمانه. المؤكد أن تكرار الصيغة القديمة، بلا أدوات إلزام ولا وقف للاستيطان، يمنح إدارة الصراع اسما أكثر قبولا، ويترك الفلسطينيين يدفعون ثمن الانتظار.
وتتقاطع هذه الأزمات لتجعل فرضية التفكك قابلة للفحص، لا مجرد أمنية فلسطينية. لكنها لا تعفي الفلسطينيين من بناء مشروعهم الوطني وتجديد مؤسساتهم وصوغ بديل يقوم على الحرية والمساواة. فالتاريخ لا يكافئ المنتظرين تلقائيا، وقد يدفع النظام المأزوم ثمن أزمته إلى ضحاياه بمزيد من العنف.
المعركة، إذن، تتجاوز انتظار لحظة السقوط. إنها تتعلق بتحويل تصدعات الهيمنة إلى فرصة لإنهاء الاستعمار، وبناء مستقبل لا يقوم على اقتلاع أحد. وما يهدد الصهيونية في العمق هو عجزها المتزايد عن التوفيق بين استمرار السيطرة ووعد الحياة الطبيعية؛ إذ لا يستطيع مشروع أن يحتكر المستقبل، بينما يحرم شعبا كاملا من حق الوصول إليه.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير