السلطة الفلسطينية بعد انتخابات إسرائيل.. هل يتغير الحاكم أم تتغير قواعد الصراع؟

05.11.2026 08:42 AM

 كتب خالد فحل: ليست المشكلة الفلسطينية في اسم رئيس الحكومة الإسرائيلية الذي سيجلس في مكتب رئاسة الوزراء بتل أبيب، ولا في عدد المقاعد التي حصل عليها هذا الحزب أو خسرها ذاك، بل في السؤال الأكثر خطورة: هل تستطيع السلطة الفلسطينية أن تواجه مرحلة إسرائيلية جديدة، أم أنها ستجد نفسها مرة أخرى أمام حكومة مختلفة بالوجوه، متشابهة في السياسات، وأكثر قدرة على إعادة إنتاج الأزمة الفلسطينية؟

كشفت نتائج الانتخابات الإسرائيلية عن مشهد سياسي معقد، لم يمنح معسكر بنيامين نتنياهو أغلبية مريحة تتيح له تشكيل الحكومة بسهولة، وفتح الباب أمام مفاوضات وائتلافات قد تعيد رسم الخريطة السياسية الإسرائيلية. لكن بالنسبة للفلسطينيين، فإن قراءة هذه النتائج من زاوية انتصار معسكر على آخر قد تكون قراءة قاصرة؛ لأن التجربة السياسية أثبتت أن الخلافات الإسرائيلية الداخلية لا تعني بالضرورة وجود خلاف جوهري حول الحقوق الوطنية الفلسطينية.

فاليمين الإسرائيلي، بمكوناته المختلفة، يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً أمنياً وإدارياً، وليس قضية شعب يطالب بالحرية والاستقلال وتقرير المصير. وقد تختلف الأحزاب في وسائل إدارة الصراع، وفي درجة التصعيد أو المرونة، لكنها لا تقدم حتى الآن بديلاً سياسياً واضحاً يعيد الاعتبار لحل الدولتين أو يضع حداً لمشروع الاستيطان والضم.

وإذا عاد نتنياهو إلى رئاسة الحكومة، فإن السلطة الفلسطينية ستكون أمام استمرار الضغوط المعروفة، وفي مقدمتها الاقتطاعات من أموال المقاصة، والتوسع الاستيطاني، وتقييد الحركة، وتضييق المجال الجغرافي أمام المؤسسات الفلسطينية. أما إذا تشكلت حكومة برئاسة غادي آيزنكوت أو قوى أخرى من معسكر المعارضة، فإن ذلك لا يعني تلقائياً انتقال إسرائيل إلى سياسة مختلفة تجاه الفلسطينيين؛ فالتغيير في الخطاب السياسي لا يكفي وحده لإثبات وجود تغيير في الموقف من الحقوق الوطنية الفلسطينية.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: السلطة الفلسطينية لا تواجه حكومة إسرائيلية فحسب، بل تواجه واقعاً سياسياً يتجه نحو تقليص صلاحياتها، وإبقائها في مساحة إدارية محدودة، فيما تتوسع السيطرة الإسرائيلية على الأرض والموارد والحدود. فالاحتلال يريد سلطة قادرة على إدارة الشؤون اليومية للسكان، لكنه لا يريد بالضرورة سلطة تمتلك مقومات السيادة أو القدرة على تحويل المشروع الوطني إلى واقع سياسي.

ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه السلطة في المرحلة المقبلة هو استمرار الخنق المالي. فأموال المقاصة ليست مجرد أرقام في حسابات وزارة المالية، بل هي شريان الحياة لمؤسسات الدولة ورواتب الموظفين والقطاعات الصحية والتعليمية والاجتماعية. وعندما تتحول هذه الأموال إلى أداة ضغط سياسي، يصبح القرار الفلسطيني محاصراً بين الالتزامات الداخلية وشروط الواقع الذي يفرضه الاحتلال. وهكذا تتحول الأزمة المالية من مشكلة محاسبية إلى أزمة سياسية تمس قدرة السلطة على الاستمرار والقيام بوظائفها.

لكن المسؤولية لا تقع على الجانب الإسرائيلي وحده. فالمشهد الفلسطيني الداخلي يعاني من انقسام سياسي مزمن، وغياب رؤية وطنية جامعة، وتراجع الثقة بالمؤسسات، فضلاً عن أزمة التمثيل والشرعية. ولا يمكن للسلطة أن تواجه مرحلة بهذا التعقيد من دون مراجعة سياسية حقيقية، تعيد بناء العلاقة مع المجتمع الفلسطيني، وتفتح المجال أمام مشاركة وطنية أوسع، وتضع حداً لحالة الانتظار السياسي التي استنزفت المؤسسات والناس معاً.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول نتائج الانتخابات الإسرائيلية إلى مناسبة فلسطينية جديدة لانتظار ما ستقرره تل أبيب. فمستقبل الفلسطينيين لا ينبغي أن يبقى رهناً بتوازنات الأحزاب الإسرائيلية، ولا أن يتحدد وفق هوية الائتلاف الحاكم في تل أبيب. المطلوب أن تمتلك القيادة الفلسطينية مشروعاً وطنياً واضحاً، يستند إلى وحدة الموقف، وإعادة الاعتبار للمؤسسات، وتحصين الجبهة الداخلية، وتفعيل الحضور الدولي، بعيداً عن الرهان على تبدل الوجوه في الحكومة الإسرائيلية.

قد يتغير نتنياهو، وقد يعود، وقد تتشكل حكومة وحدة أو تدخل إسرائيل في أزمة سياسية جديدة، لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الفلسطينيين ليس من سيحكم إسرائيل، بل ماذا أعدت السلطة لمواجهة المرحلة المقبلة؟

فالحكومات الإسرائيلية تتبدل، والوقائع على الأرض تتراكم، فيما لا يزال الفلسطينيون يدفعون ثمن غياب المشروع الوطني الموحد.

إن السلطة التي تنتظر تغيير الحكومة الإسرائيلية كي تستعيد قدرتها على الفعل، ستظل أسيرة القرار الإسرائيلي؛ أما السلطة التي تبدأ بتغيير واقعها الداخلي وبناء شراكة وطنية حقيقية، فتمتلك فرصة أكبر لمواجهة ما هو قادم.

فالمعركة اليوم ليست على مقعد في الكنيست، بل على مستقبل الأرض والقرار والوجود الفلسطيني.

تصميم وتطوير