يونس العموري يكتب لوطن: لا أعرف

لا أعرف، حقا لا أعرف، كيف وصلت بنا الحكاية إلى هذا الموضع من التيه، ولا كيف أصبحنا غرباء في بلاد نحفظ تضاريسها عن ظهر قلب، ونعرف أسماء حجارتها وأشجارها وحاراتها، لكننا نعجز عن معرفة ما الذي يحدث فيها، وما الذي يحدث لنا. لا أعرف إن كان هذا الذي نعيشه فصلا عابرا من فصول الحكاية، أم أن الحكاية نفسها قد ضلت طريقها، ولم يعد في وسع أحد أن يدلها على نهايتها. أحيانا أشعر أن البلاد تمضي في اتجاه لا نعرفه، وأننا نمضي معها دون أن نعرف إن كنا نسير إلى الأمام أم ندور في المكان ذاته. نفتح النوافذ فلا نرى سوى غبار كثيف، ونصغي إلى ما يأتي من بعيد، فلا نميز إن كان صوت الحياة أم صدى انهيار قديم. كل شيء يتغير، أو ربما نحن الذين لم نعد قادرين على التعرف إلى الأشياء كما كانت.
لا أعرف ماذا بقي لنا من هذه الأرض التي تتنازعها الجهات، وتتناوب عليها الفصول الثقيلة، وتستيقظ كل صباح على احتمال جديد من احتمالات الخوف. لا أعرف إن كانت البلاد التي عرفناها ما زالت هناك، في مكان ما من ذاكرتنا، أم أنها تتوارى شيئا فشيئا خلف طبقات من التعب والخذلان والانتظار. لا أعرف إن كان علينا أن نواصل الحلم بالطريقة ذاتها، أم أن الأحلام نفسها تحتاج إلى مراجعة، بعدما أصبحت المسافة بين ما نتمناه وما نعيشه أبعد من أن تقاس بخطوات العمر. وكلما حاولنا أن نطمئن إلى شيء، جاءتنا من جهة أخرى ريح تحمل ما يكفي من الأسئلة لتعيدنا إلى نقطة البداية.
أنظر حولي فلا أعرف كيف يمكن للإنسان أن يألف هذا القدر من الاضطراب، وكيف يستطيع أن يواصل حياته بينما الأرض التي يقف عليها تبدو كأنها تتحرك من تحته. الناس يذهبون إلى أعمالهم، يفتحون متاجرهم، يشترون الخبز، يتبادلون التحيات، ويعودون في المساء إلى بيوتهم، كأن الحياة لم تتعرض لكل هذا التصدع. لكنني أعرف أن وراء الوجوه حكايات لا تقال، وأن في العيون شيئا من ذلك السؤال الذي نخشى أن ننطق به. كيف وصلنا إلى هنا؟ وكيف أصبح البقاء نفسه مشروعا يحتاج إلى كل هذا الصبر؟ وهل اعتدنا الخوف حقا، أم أننا تعلمنا فقط كيف نخفيه كي لا نعطل ما تبقى من تفاصيل يومنا؟
لا أعرف ماذا يعني أن تكون ابنا لهذه البلاد في هذا الزمن، حين يصبح الوطن أكثر من مجرد جغرافيا، وأقل من أن يكون ملاذا آمنا. حين تحمل البلاد في قلبك، لكنها لا تستطيع أن تمنحك إجابة عن مصيرك فيها. حين تعرف أن جذورك هنا، وأن ذاكرتك هنا، وأن كل ما يشدك إلى الحياة يبدأ من هذه الأرض، ومع ذلك لا تعرف ماذا ينتظرك في الغد، ولا كيف سيكون شكل المكان الذي ستتركه لأبنائك. لا أعرف إن كنا نحرس البلاد أم أن البلاد هي التي تحرس ما تبقى منا، ولا أعرف إن كان هذا التعلق بالأرض يمنحنا القوة أم أنه يزيد من وجعنا كلما رأيناها تتغير أمام أعيننا، وكلما شعرنا أن المسافة بيننا وبين صورتها التي نحب تتسع.
وفي السياسة، لا أعرف من أين تبدأ الحكاية وأين تنتهي. تختلط المواقف، وتتبدل المواقع، وتتكاثر الكلمات حتى تفقد معناها، ويصبح من الصعب أن نميز بين من يتحدث باسم البلاد ومن يتحدث باسم موقعه فيها. نسمع الكثير عن المستقبل، لكننا لا نرى ملامحه، ونسمع عن المشاريع والرؤى والخيارات، بينما يظل الإنسان منشغلا بسؤال أكثر بساطة وقسوة .. كيف يعيش؟ كيف يحمي بيته؟ كيف يحافظ على أرضه؟ وكيف يضمن ألا يستيقظ ذات صباح ليجد أن شيئا آخر من حياته قد أصبح خارج قدرته على الاختيار؟
لا أعرف إن كان الذين يتحدثون باسمنا يدركون حجم المسافة التي تفصلهم عن الناس، ولا إن كانوا يسمعون ذلك الصمت الذي يتراكم في البيوت والمخيمات والقرى والمدن. لا أعرف متى أصبحنا نعيش بين واقع لا نملك تغييره، وخطاب لا يستطيع تفسيره، وانتظار لا نعرف كم سيطول. وربما كانت المأساة أننا لم نعد ننتظر حدثا بعينه، بل ننتظر أن يحدث شيء ما، أي شيء، يعيد ترتيب هذا العالم المبعثر، ويمنحنا سببا معقولا للاعتقاد بأن الغد ليس نسخة أخرى من هذا اليوم.
أنظر إلى المدينة العتيقة، مدينة الحجر والذاكرة، فأشعر أنني أمام مكان يعرف أكثر مما يقول، ويخفي في حجاراته ما لا تستطيع الكلمات حمله. هناك، في الأزقة التي ضاقت بأهلها ولم تضق بذاكرتها، تبدو الحياة وكأنها تمشي على حافة زمنين ، زمن يريد أن يقتلع المكان من حكايته، وزمن يقاوم كي لا يفقد المكان اسمه ومعناه. لا أعرف كيف تستطيع مدينة أن تحمل كل هذا الثقل، وكيف يواصل أهلها العيش بين تفاصيل يومية تبدو عادية في ظاهرها، بينما تختزن في أعماقها صراعا مفتوحا على الوجود والهوية والمصير. لا أعرف ماذا سيبقى من مدينة الحجر والذاكرة إذا استمر هذا الانقلاب البطيء في ملامحها، ولا كيف يمكن للذاكرة أن تحمي مكانا إذا تُرك وحده في مواجهة كل هذه التحولات.
وفي الجهة المعلقة بين النهر والجبل، لا أعرف إن كانت الطرق التي نعرفها ما زالت تقود إلى الأماكن ذاتها، أم أن الحواجز والبوابات والأسلاك قد أعادت رسم الجغرافيا بطريقة جعلت المسافة بين قرية وأخرى أبعد من المسافة بين بلدين. لا أعرف كيف أصبح الانتقال من مكان إلى آخر مغامرة مفتوحة على الاحتمالات، وكيف باتت التفاصيل الصغيرة التي تشكل الحياة اليومية محكومة بقرارات لا نعرف متى تصدر ولا متى تنتهي. أحيانا أشعر أن الجغرافيا نفسها أصيبت بالحيرة، وأن الأرض التي كانت تجمعنا أصبحت تتعلم كيف تتعايش مع حدود لا تنتهي، ومع طرق تقود إلى بعضها أحيانا، وإلى الانقطاع في أحيان أخرى.
لا أعرف ماذا ينتظر مدينة البحر والركام، ولا كيف يمكن للكلمات أن تقترب من مكان تجاوزت مأساته قدرة اللغة على الاحتمال. هناك، حيث اختلط الركام بالذاكرة، وحيث صار البحث عن الحياة فعلا يوميا في مواجهة الفقد، تبدو الأسئلة أكبر من أن تجد طريقها إلى الإجابات. لا أعرف كيف يمكن للناس أن يعيدوا بناء ما تهدم، ولا كيف يمكن لمدينة أن تستعيد روحها حين يكون الخراب قد امتد إلى تفاصيلها وأحلام أهلها. ولا أعرف إن كان العالم يرى ما يحدث حقا، أم أنه اعتاد المشهد إلى الحد الذي أصبحت فيه المأساة خبرا عابرا، يتقدم في نشرات المساء ثم يختفي خلف خبر آخر.
كل هذا يحدث، ونحن نحاول أن نعيش. وهذه ربما أكثر المفارقات قسوة، أن تواصل الحياة عملها في المكان الذي يبدو وكأنه فقد شروط الحياة. نضحك أحيانا، ونلتقي الأصدقاء، ونستعيد حكايات قديمة، ونتحدث عن أشياء لا علاقة لها بما يجري، ثم نعود فجأة إلى ذلك الشعور الغامض بأن شيئا ما ليس على ما يرام. كأننا نعيش حياتين في وقت واحد، حياة ظاهرة نحاول أن نحافظ على انتظامها، وحياة أخرى خفية تتنازعها المخاوف والاحتمالات والأسئلة المؤجلة. لا أعرف أيهما أكثر صدقا، ولا أيهما ستنتصر في النهاية.
أحيانا أظن أننا فقدنا القدرة على التمييز بين الانتظار والأمل. فالانتظار حالة زمنية، أما الأمل فهو شيء آخر، شيء يحتاج إلى ما يسنده ويحميه من التآكل. لكن ماذا يحدث حين يطول الانتظار إلى درجة يصبح معها الأمل عبئا، وحين تتكرر الخيبات حتى يفقد الإنسان ثقته بقدرته على تخيل نهاية مختلفة؟ لا أعرف. وربما لا أريد أن أعرف، لأن بعض الإجابات قد تكون أكثر قسوة من الأسئلة.ومع ذلك، لا أستطيع أن أتخيل أن يكون مصيرنا أن نظل واقفين عند عتبة الزمن، نراقب البلاد وهي تتغير، ونكتفي بتدوين ما نفقده من دون أن نعرف كيف نحمي ما تبقى.
لا أعرف إن كان ما نعيشه أزمة في السياسة أم أزمة في المعنى، أم أن الاثنين التقيا عند هذه اللحظة الثقيلة من تاريخنا. فحين تفقد السياسة قدرتها على فتح الأفق، وحين يصبح الخطاب عاجزا عن ملامسة الواقع، وحين تتراجع الثقة بين الناس والمؤسسات التي يفترض أن تمثلهم، لا يبقى الفراغ فراغا سياسيا فحسب، بل يتحول إلى مساحة واسعة من الحيرة والاغتراب. عندها لا يعود السؤال من يحكم أو من يتحدث أو من يملك القرار، بل يصبح السؤال: من يحمل هذا المكان إلى الغد؟ ومن يستطيع أن يعيد للناس شعورهم بأنهم شركاء في مصيرهم، لا مجرد شهود على ما يجري حولهم؟
ربما لهذا السبب تبدو كلمة لا أعرف أكثر صدقا من كثير من الإجابات الجاهزة. فهي لا تدعي امتلاك الحقيقة، ولا تحاول إخفاء ارتباكنا خلف يقين مستعار. إنها اعتراف بأننا نقف أمام واقع لا نملك مفاتيح قراءته كاملة، وأن ما يحدث أكبر من قدرتنا على الإحاطة بكل أسبابه ونتائجه. لكنها ليست استسلاما، ولا إعلانا عن نهاية الطريق. إنها ربما اللحظة التي ينبغي أن نتوقف فيها قليلا، وأن ننظر إلى أنفسنا وإلى البلاد بعين مختلفة، بعيدا عن ضجيج الشعارات، وعن تلك الطمأنينة المصطنعة التي نلجأ إليها أحيانا كي لا نواجه حقيقة ما نحن فيه.
لا أعرف ماذا سيحدث غدا، ولا أملك تصورا واضحا لما ستؤول إليه أحوالنا، ولا أعرف إن كانت هذه البلاد تتجه إلى منعطف جديد أم أنها ما زالت تدور في دائرة لم نعثر على مخرج منها. لكنني أعرف أن ثمة شيئا لا ينبغي أن نفقده وسط هذا الضياع كله ، ذلك الخيط الرفيع الذي يربط الإنسان بمكانه، ويمنحه القدرة على أن يرى في الأرض أكثر من حدود وخرائط، وفي الوطن أكثر من سلطة وخطاب، وفي الحياة أكثر من مجرد محاولة للنجاة.
لا أعرف... ربما لأنني تعبت من الادعاء بأنني أعرف، وربما لأن الأشياء لم تعد تحتمل المزيد من التفسيرات الجاهزة. وربما لأنني، مثل كثيرين، أقف أمام نافذة البلاد، أراقب غيوما لا أعرف من أين جاءت، ولا إلى أين تمضي، وأحاول أن أقرأ في حركة الريح شيئا من ملامح الغد. أبحث عن علامة صغيرة، عن ضوء يتسلل من شق في هذا الجدار الطويل، عن صوت يشبه بداية الطريق، لكنني لا أجد سوى الأسئلة وهي تتكاثر في داخلي.
ومع ذلك، سأبقى هنا، لا لأنني أعرف ماذا ينتظرني، بل لأنني لا أعرف مكانا آخر يمكن أن أضع فيه كل هذا الحب وكل هذا الوجع. سأبقى مشدودا إلى هذه الأرض، إلى شوارعها التي تغيرت، وإلى وجوه أهلها التي أنهكها الانتظار، وإلى حكاياتها التي لم تجد بعد من يكتب نهايتها. سأبقى، وإن كنت لا أعرف كيف، ولا إلى متى، ولا بأي قدر من الأمل.
فهل يكفي أن نقول لا أعرف كي نعترف بحجم ما نحن فيه؟ أم أن علينا أن نتعلم من جديد كيف نسأل، وكيف نبحث، وكيف نستعيد قدرتنا على رؤية الطريق، حتى لو لم نكن نعرف إلى أين يقودنا؟
لا أعرف... كل ما أعرفه أن البلاد ما زالت هناك، وأننا ما زلنا هنا، وأن بيننا وبين الغد مسافة لا نعرف طولها. أما ما سيحدث بعد ذلك، فربما لا تعرفه البلاد نفسها.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


