م. أحمد الزاغة يكتب لوطن: الذهب الأخضر موسم الزيتون... حكاية الأرض والصمود

موسم الزيتون وتحديات الأرض
يحمل موسم الزيتون دائمًا تحديات جمّة للطبيعة وكوارثها، وعندنا للاحتلال وقطعان مستوطنيه. فبعد أن حصدت وجمعت ثمار الزيتون المزروعة في أرضي بقرية جيبيا القريبة من رام الله، لم يكن المحصول وفيرًا على كل حال؛ إذ جمعت نصف شوال، أي نحو ثلاثين كيلوغرامًا من الزيتون، وهو من النوع «الصُرّي» الذي يعطي زيتًا وفيرًا.
قمت بجدّ الزيتون بمساعدة ابني علاء، وكان ذلك يوم الجمعة. وقد أشار عليّ زميلي فادي كوّع بالذهاب إلى معصرة الزيتون في المزرعة الغربية القريبة من بيرزيت، بهدف عصر الزيتون.
كانت هذه أول مرة أدخل فيها معصرة زيتون في أوج موسم جني هذا المحصول المهم، الذي كانت الأسرة الفلسطينية تنتظره لأسباب عديدة؛ منها بيع الزيت والثمار لتعليم الأبناء، أو لتجهيزهم للزواج، أو للبناء، أو لتوفير احتياجات الأسرة واستهلاكها. فلا تكاد تجد أسرة فلسطينية لا تنتظر هذا الموسم وجني المحصول بفارغ الصبر.
في معصرة الزيتون... رحلة الذهب الأخضر
كانت المعصرة تغصّ بالناس الذين أحضروا منتجات أراضيهم، وكانت أكياس الزيتون كثيرة ومتراكمة، حتى جعلتني أنظر باستحياء إلى ما أحمله من كمية قليلة. لكنني قلت في نفسي إنني أريد أن أتذوق زيت الزيتون الناتج من أرضي وتَعَبي فيها، بعد سنة من العناية بها، حتى لو كان الناتج كأسًا واحدة.
كان أمامي ثلاثة أشخاص، وكنت أراقب كيف تُنقل حبات الزيتون عبر الحزام الناقل لتُغسل وتُفصل عنها الأوراق والشوائب، قبل أن تمرّ على آلة الهرس، بديلًا عن حجر البدّ الذي كان يُستخدم قديمًا. ثم يُنقل العجين إلى الفرازة، حيث يُفصل الزيت عن الجفت، بالماء البارد أو الساخن، بواسطة قوة الطرد المركزي، وبعدها يتدفق الزيت إلى حوض التجميع، ومنه تُعبّأ التنكات البلاستيكية أو المعدنية.
انتظرت نصف ساعة حتى جاء دوري. كنت أرى الزيت يخرج من الفرازة سائلًا ذهبيًا مائلًا إلى الخضرة، وأراقب نظرات الترقب على وجوه أصحاب الشوالات، وخصوصًا عندما يبدؤون بتعبئة عبواتهم أو تنكاتهم أو غلناتهم. بعضهم عبّأ ثلاث تنكات، وبعضهم اثنتين، وآخرون تنكة واحدة.
وكان فادي يقول لي: «إن شاء الله تنكة»، فأجيبه: «كاسة تكفي».
وعندما جاء دوري، كانت ضربات قلبي ربما أعنف من صوت الطبل، لكن صوت الماكينات طغى عليها، فلم أسمعها إلا أنا!
لحظة خروج أولى القطرات
دمعت عيناي عندما شاهدت أولى قطرات الذهب الأخضر وهي تنزل في حوض التجميع، ثم توالت القطرات لتصبح أكثر قوة وانسيابًا. وبعد أن امتلأ ربع التنكة، توقف ضخ الزيت، معلنًا انتهاء عملية العصر.
طلبت من المسؤول وزن كمية الزيت، فكانت خمس كيلوغرامات. حمدت ربي، ودفعت خمسين شيكلًا أجرة عصر الزيتون، ثم غادرنا المعصرة.
كانت السيارات تأتي محمّلة بالشوالات وتغادر، ونظرًا إلى الازدحام، كان الجميع ينتظر دوره.
الزيتون بين فرحة الموسم واعتداءات المستوطنين
الكثيرون كانوا يقطفون الزيتون على عجل خوفًا من هجمات قطعان المستوطنين، الذين إما يسرقون المحصول، أو يمنعون المزارعين من جمع ثمارهم، أو يحرقون كروم الزيتون، أو يقتلون كل من يقف في طريقهم. وكل ذلك تحت حماية جيش الاحتلال، وعلى مرأى ومسمع من العالم، دون أن يقف أحد في وجه دولة الكيان وربيبتها أمريكا.
إلى متى يستمر الظلم؟
إلى متى سيبقى الفلسطيني هو الوحيد المحروم من كل شيء في هذا العالم الظالم؟!
لا بدّ من نهاية، ولكل ظالم نهاية، طال الزمان أم قصر.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


