محمود كلّم يكتب لوطن: دغموش، وخليل نزار بنات... ما زال في القلب متّسع للأمل

01.11.2026 10:07 PM

 

هناك أطفالٌ لا يحتاجون إلى خطبٍ طويلة كي يشرحوا لنا معنى الحياة، ولا إلى كلماتٍ كبيرة كي يعلّمونا كيف نتمسك بالأمل. يكفي أن نستمع إليهم، ونراقب عفويتهم، ونرى كيف يصنعون من تفاصيل صغيرة عالماً يخصّهم، حتى في زمنٍ يبدو فيه الفرح ترفاً بعيد المنال.

من هؤلاء الطفل دغموش باشا، الذي أراه واحداً من الوجوه التي تختصر حكاية الطفولة الفلسطينية ومعاناتها في غزة. طفلٌ يستطيع بتعليقاته العفوية وحضوره المحبّب أن ينتزع من القلب ابتسامة، رغم كل ما يحيط به من وجع. لديه كلبٌ أطلق عليه اسم «عتاب»، وكأن هذا الصغير، وسط عالمٍ أثقلته الحرب، يصرّ على أن يحتفظ لنفسه بصديقٍ يشاركه تفاصيل أيامه ومغامراته.

كلما استمعت إلى تعليقات دغموش، أشعر بسعادة لا أستطيع وصفها. أبتسم من القلب، وأجد في كلماته العفوية فسحةً صغيرة أتنفس فيها بعيداً عن أخبار القتل والدمار. ليس لأنني نسيت ما يحدث في غزة، بل لأن هذا الطفل يمنحني شيئاً بتنا نفتقده كثيراً؛ الأمل.

يذكّرني دغموش باشا بخليل، ابن الشهيد نزار بنات، وبمغامراته مع كلبه «كشكش». هناك شيء مشترك بين الطفلين يتجاوز مجرد وجود كلبٍ في حياة كلٍّ منهما. فكلاهما يأخذنا إلى عالم الطفولة البسيط، حيث يمكن لمغامرة صغيرة أو حديث عابر مع صديق أن يصنع حكايةً كاملة، وحيث لا تزال الضحكة قادرة على أن تجد طريقها إلى القلب، مهما اشتدّ الحزن.

لكن خلف هذه الحكايات البسيطة تختبئ حكاية أكبر، هي حكاية الطفل الفلسطيني الذي لم يُترك له دائماً ما يكفي ليعيش طفولته.

في غزة هناك أطفالٌ عرفوا أصوات الطائرات والقصف قبل أن يعرفوا أصوات العصافير، وعرفوا النزوح والخيام والجوع قبل أن يعرفوا معنى الاستقرار. أطفالٌ فقدوا آباءهم وأمهاتهم وإخوتهم، ووجدوا أنفسهم فجأة أمام حياةٍ لا تشبه أعمارهم، ولا تحتملها قلوبهم الصغيرة. بعضهم لم يعد يملك بيتاً يعود إليه، وبعضهم يبحث بين الركام عن لعبة أو صورة أو ذكرى.

وليست غزة وحدها التي تحمل وجع الطفولة الفلسطينية. ففي الضفة الغربية، يكبر أطفالٌ على وقع الاقتحامات والاعتقالات والخوف، وتلاحقهم مشاهد الجنود والحواجز، فيما يعيش أطفال مخيمات الشتات حكايةً أخرى من الحرمان والانتظار؛ يكبرون بعيداً عن أرضهم، ويحملون فلسطين في روايات الأهل وذاكرة البيوت التي هُجّر منها الأجداد. قد تختلف تفاصيل المعاناة من مكانٍ إلى آخر، لكن القاسم المشترك بينها أن الطفل الفلسطيني ما زال يدفع ثمن حكاية لم يخترها.

ومع ذلك، لا يتوقف الأطفال عن اختراع الفرح. يبحثون عن لعبة، أو كرة، أو صديق، أو كلبٍ يطلقون عليه اسماً يحبونه. يركضون خلفه، ويتحدثون إليه، ويصنعون معه مغامراتهم الصغيرة، كأنهم يتمسكون بحقهم في أن يكونوا أطفالاً، لا مجرد أرقام في نشرات الأخبار أو وجوهٍ عابرة في صور المآسي.

كم هو مؤلم أن يصبح ضحك طفلٍ فلسطيني خبراً جميلاً وسط هذا الكم الهائل من الأخبار الحزينة! وكم هو موجع أن نفرح لأن طفلاً استطاع أن يضحك، بينما كان ينبغي أن تكون الضحكة أبسط حقوقه، لا حدثاً استثنائياً نتمسك به كي لا نفقد ما تبقى فينا من إنسانية.

وأنا أستمع إلى دغموش باشا، أفكر في خليل ابن الشهيد نزار بنات، وفي كلبه كشكش، وفي كل أطفال فلسطين الذين لا نعرف أسماءهم، ولا نعرف ماذا حلّ بأحلامهم الصغيرة. أتخيلهم لو اجتمعوا في مكانٍ واحد، بعيداً عن الحروب والخوف، يلعبون ويتبادلون الحكايات والمغامرات، ولا يشغلهم سوى ما يشغل الأطفال في كل مكان.

لكن الواقع أكثر قسوة من الخيال. فهناك أطفالٌ لن يكبروا مع أصدقائهم، وآخرون لن يجدوا من يروي لهم حكايات ما قبل النوم، وهناك من سيحملون في ذاكرتهم مشاهد لا ينبغي لطفلٍ أن يراها، وأوجاعاً سترافقهم طويلاً.

لا أعرف ماذا سيصبح دغموش عندما يكبر، ولا ماذا تخبئ الأيام لخليل. لكنني أتمنى أن يكبرا في عالمٍ لا يخاف فيه الأطفال من أصوات الطائرات، ولا يبحثون فيه عن الأمان بين الركام. أتمنى أن يبقى عتاب إلى جانب دغموش، وأن يواصل كشكش مغامراته مع خليل، وأن تكون أكبر مشكلاتهما خلافاً على لعبة أو شجاراً عابراً بين طفلٍ وكلبه.

دغموش باشا وكلبه عتاب... وخليل وكلبه كشكش. أربعة أسماء صغيرة، لكنها تفتح في القلب أبواباً واسعة من الحزن والأمل.

ربما لا يستطيع دغموش أن يوقف حرباً، ولا يستطيع خليل أن يعيد والده الشهيد نزار بنات، الذي قُتل ظلماً، ولا يستطيع عتاب وكشكش أن يحميا الأطفال من قسوة هذا العالم، لكن هؤلاء الصغار، دون أن يعرفوا، يمنحوننا درساً في التمسك بالحياة. يذكّروننا بأن الأمل قد يطلّ أحياناً من تعليقٍ عفوي لطفل، أو من مغامرةٍ صغيرة مع كلبه، وأن الحياة، مهما حاصرها الموت، تظل تبحث عن نافذةٍ تعبر منها.

نحن لا نريد من أطفال فلسطين أن يكونوا أبطالاً، ولا أن يتعلموا الصبر قبل أوانه، ولا أن يكبروا قبل أن يعيشوا طفولتهم. لا نريد منهم أن يعتادوا الخوف، أو أن يصبح صوت القصف جزءاً من ذاكرتهم اليومية.

نريدهم أطفالاً فقط؛ يضحكون ويلعبون ويخطئون ويحلمون، ويكبرون دون أن يسرق أحدٌ منهم أعمارهم.

فلسطين لا تحتاج إلى مزيدٍ من الأطفال الذين يعرفون الموت، بل تحتاج إلى أطفالٍ يعرفون الحياة.

وإلى دغموش باشا وخليل ابن نزار بنات أقول، من بعيد: واصلا الضحك، واحتفظا بعتاب وكشكش، وواصلا مغامراتكما الصغيرة. أتمنى أن تكبرا وتحققا أحلامكما، وأن تبقى في حياتكما مساحةٌ واسعة للفرح، وألا ينتزع هذا العالم القاسي منكما حقكما في الطفولة.

دغموش، وخليل... ربما لا نملك اليوم ما يكفي لنمنحكما عالماً آمناً، لكنكما، دون أن تعرفا، تمنحاننا أنتما ما تبقى لنا من أمل.

ولعل أجمل ما يمكن أن نتمناه لكما أن يأتي يومٌ لا نكتب فيه عن طفولتكما بوصفها حكاية صمودٍ في وجه الألم، بل بوصفها طفولةً عادية، مليئة بالضحك والمغامرات والأحلام.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير