د. عقل أبو قرع يكتب لوطن: نحو تحفيز البحث العلمي التطبيقي في بلادنا

يبين التطور المتواصل في العالم وفي مجالات عديدة، من قطاعات الادوية والكيماويات الى التكنولوجيا الى الزراعة وحتى الى عالم الفضاء، الأهمية القصوى للبحث العلمي وبل لاستغلال نتائجه بشكل تطبيقي عملي يفيد المجتمعات ويساهم في التنمية والتطور، ولهذا يتم استثمار مئات الملايين في توفير الأرضية والظروف لأجراء الأبحاث، ويتم الاستثمار في تدريب وبناء قدرات الباحثين، ويتم ملائمة القوانين والتشريعات والإجراءات والحوافز لتشجيع وتسهيل عملية البحث العلمي، ويتم بناء الشراكات مع القطاع الخاص ومراكز الأبحاث الاكاديمية والمؤسسات الاهلية في اطار مظلة رسمية حكومية، تضع الأولويات للأبحاث العلمية واليات استدامتها ومن ثم استفادة المجتمع من نتائجها.
وفي بلادنا، ما زال البحث العلمي يراوح مكانه، وسواء اكانت مؤسسات عامة مثل الجامعات أو المعاهد أو الكليات، وسواء اكانت حكومية أو غير حكومية، أو مؤسسات تتبع القطاع الخاص بأنواعه، أو مؤسسات المجتمع المدني غير الربحية وهي كثيرة ومتنوعة، لا يوجد زخم باتجاه البحث العلمي الحقيقي من أجل التطوير أو تلبية حاجة أو الاجابة على تساؤل أو حل اشكال ما، وفقط يتم اجراء الابحاث من أجل صرف ميزانية مخصصة لهذه الجامعة أو تلك أو للإعلان بأن هناك بحث علمي في هذه المؤسسة أو تلك، أو من أجل الادعاء بأن تلك الشركة تملك قسما للأبحاث والتطوير في حال القطاع الخاص، أو من أجل صرف ميزانية لاحد المشاريع أو البرامج تحت بنود الدراسات واعداد التقارير أو أوراق الحقائق والسياسات فيما يتعلق بمؤسسات المجتمع المدني، ومع انتهاء الميزانية المخصصة لذلك يتم دفن نتائج الابحاث والدراسات والاوراق في الارشيف حتى حين.
ورغم التقدم الذي حققته المؤسسات الفلسطينية الاكاديمية وغير الاكاديمية، ولكن وبكل موضوعية فإننا لم نواكب التقدم النوعي في التعليم أو البحث العلمي الذي حصل ويحصل في العالم، من حيث اهمية الابحاث، وتطبيقات الابحاث في المجتمع، وبالتالي العلاقة مع القطاع الخاص، ومع المجتمع المدني، وصحيح كذلك ان التعليم لا يقع من ضمن اولويات الدعم الرسمي والاهلي، وصحيح كذلك ان مؤسسات التعليم العالي في بلادنا باتت تتسابق على اعداد الطلبة وبالتالي اقساطهم، متناسيا الجودة والابحاث والنوعية وبالتالي مواكبة الجامعات العالمية وبالأخص في مجال الأبحاث العلمية التطبيقية.
ورغم وجود "مجلس للبحث العلمي" في بلادنا، وعلى ما اعتقد يتبع الى وزارة التعليم العالي، ورغم ما نقرأ في الاخبار عن عقد هذا المجلس اجتماعات دورية بين الفترة والأخرى واتخاذه قرارات تتعلق بدعم البحث العلمي، إلا أن ما نعرفه عن هذا المجلس يبقى ضئيلا، سواء فيما يتعلق بتركيبته ومن اختار اعضاؤه، أو أهدافه، أو ميزانيته أو والاهم الانجازات التي تم تحقيقيها ومدى تأثير ذلك على التطوير وحل مشاكل الناس والبلد والتقدم والتنمية، هذا بالإضافة الى وجود مجلس الابداع والابتكار، ولا اعلم الى اي وزارة أو هيئة يتبع، والذي لا نعرف عنه الكثير ومدى مساهمته في تحفيز ودعم الأبحاث العلمية التطبيقية ومواكبة نتائجها مع احتياجات المجتمع.
ورغم مواصلة افتخار المجتمع الفلسطيني بأنه مجتمع متعلم ويملك الكثير من مؤسسات التعليم العالي ومئات الالاف من الخريجين، الا ان عدم التطور من ناحية مفهوم التعليم العالي ونوعيته، وبالأخص المعايير العالمية التي يتم تصنيف التعليم ومستوى الابحاث على اساسها، وهي البيئة الاكاديمية التي تشمل نوعية الطلبة والعاملين والمنهاج والاسلوب، وكذلك نوعية الابحاث والدراسات، وكذلك مدى استفادة المجتمع او استخدام الناس للأبحاث، وكذلك مستوى الابداع او التجديد.
وإذا لم يتم اخذ هذه المعايير بعين الاعتبار، سوف تبقى المؤسسات الفلسطينية وبأنواعها بعيدة عما يتم من تطور في العالم، وما دامت مؤسسات التعليم العالي لا تولي البحث العلمي الاهمية المطلوبة، سوف تبقى هذه المؤسسات بعيدة عن التقدم أكثر وابعد عن احتلال مراكز متقدمة في سلم البحث، وهذا يتطلب خطة شاملة تضم كافة الاطياف من اجل تحفيز البحث العلمي التطبيقي والاستفادة من نتائجه وربط النتائج مع توفير حلول لاحتياجات المجتمع، التي هي الضمانة الأهم لاستدامة نجاح البحث العلمي التطبيقي في بلادنا.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


