فراس ياغي يكتب لوطن: قراءة اولية في نتائج الإنتخابات الإسرائيلية - الملك فاز وسقط

بداية، وبغض النظر عن النتائج التي قد تتعدل، بحيث يتغلب معسكر نتنياهو أو يتساوى مع معسكر المعارضة الصهيونية، إلا أن حكومة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش "روّحت". هذه الحكومة لن تعود، والفضل الأول والأخير يعود إلى روح المسؤولية الوطنية العالية التي أبداها فلسطينيو الداخل برفع نسبة التصويت، الأمر الذي أدى إلى رفع نسبة الحسم لتصل إلى 186 ألف صوت.
أما قضية الحزب الأكبر، فقد كانت أيضا سببا في سقوط عوفر فينتر وهندل، إذ ذهبت الأصوات إلى الليكود ونتنياهو، وبالتالي بقي التوازن، مع رجحانه لمصلحة معسكر نتنياهو، كما هو تقريبا، بزيادة أو نقصان بين المعسكرين، أي عدم القدرة على تشكيل حكومة تحظى بـ61 مقعدا.
وقبل الخوض في السيناريوهات المقبلة، لا بد من الإشارة إلى الحقائق التالية:
أولا: لا يستطيع نتنياهو أن يكون وزيرا بسبب قانون المتهم، ولا يسمح له إلا بأن يكون رئيسا للوزراء. وعليه، فإن مسألة التناوب بحاجة إلى صفقة عفو لنتنياهو، لكي يستطيع تسليم رئاسة الوزراء.
ثانيا: الفائز في هذه الانتخابات هم العرب، والخاسر الأكبر هو نتنياهو، ومعه جرّاؤه سموتريتش وبن غفير.
ثالثا: ترفض قيادات المعارضة بشكل تام أي حكومة وحدة وطنية يرأسها نتنياهو على أساس التناوب، لأن شعار المعارضة الأساسي هو إسقاط نتنياهو. وقد قال غالبية الجمهور من الوسطين اليهودي والعربي كلمتهم، وأصبح لديهم الأغلبية القادرة على إسقاط نتنياهو بسهولة، إذا ما تجاوزت بعض الأحزاب الصهيونية عقدة العرب.
رابعا: التصريحات قبل الانتخابات شيء، وما بعد ظهور النتائج شيء آخر. وإذا كان الهدف هو إسقاط نتنياهو، فإن ذلك تحقق، ومن الممكن تجسيده، والفضل في ذلك يعود إلى الجماهير العربية.
خامسا: بغض النظر عن هوية الحزب الأكبر، فإن ذلك ليس شرطا للتكليف برئاسة الحكومة، لأن التكليف يأتي بعد المشاورات بين رئيس الدولة والقوائم الفائزة. ومن يحصل على دعم أكبر من القوائم هو الذي يكلفه رئيس الدولة، لأن ذلك يعني أن لديه الأغلبية القادرة على تشكيل الحكومة.
أما السيناريوهات الممكنة، فتتمثل في الآتي:
السيناريو الأول: حكومة وحدة وطنية موسعة على أساس التناوب، بحيث تُحل مشكلة نتنياهو عبر العفو عنه قبل انتهاء فترته التناوبية. وهناك حديث عن منحه منصب رئيس الدولة بعد العفو عنه. هذا السيناريو ضعيف، بل لا يحظى بدعم أحزاب المعارضة، ما يعني تخلي نتنياهو عن جميع حلفائه من الحريديم الأرثوذكس والتيار الصهيوني الديني والتيار القومي الديني. كما سيخلق ذلك مشكلة لنتنياهو حتى داخل قاعدته الليكودية المتطرفة.
السيناريو الثاني: حكومة يشكلها آيزنكوت بأغلبية صهيونية، عبر استقطاب الأحزاب الحريدية مقابل حل مشكلة قانون التجنيد، من خلال تأجيل إقراره أو تخفيف حدته بما يتناسب مع رؤية الحريديم. وهذا سيناريو ممكن وقابل للتنفيذ، ويهدف إلى إسقاط نتنياهو، مع بقاء الحكومة لفترة محددة ثم التوجه إلى انتخابات مبكرة. لكنه سيناريو معقد من حيث القدرة على استقطاب حزب شاس ورئيسه آريه درعي، الذي يعد من الأصدقاء المقربين لنتنياهو، إذ إن كليهما متهمان بجرائم فساد وخيانة الأمانة. كما أن هذا السيناريو يحتاج إلى موافقة حزب ليبرمان، ولذلك يبقى ضعيفا.
السيناريو الثالث: تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة آيزنكوت، بالتحالف مع القوائم العربية، بحيث يكون الرجل الثاني في القائمة الموحدة، سيغلوفيتس، وزيرا للأمن القومي. وهذا سيناريو ممكن، هدفه إسقاط نتنياهو ومنعه من البقاء رئيسا لحكومة انتقالية. وفي الوقت نفسه، وحتى في حال عدم تشكيل ائتلاف مع العرب، يمكن استغلال وجود أغلبية للمعارضة، بالتعاون مع الغرب، للعمل على تغيير رئيس الكنيست ولجنة التنظيم في الكنيست، وتشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر، وتعديل قانون المتهم ليشمل منصب رئيس الوزراء، ثم التوجه إلى انتخابات جديدة بعد عدة أشهر.
ويتطلب سيناريو الائتلاف مع الأحزاب العربية جرأة غير مسبوقة من الأحزاب الصهيونية المعارضة، لكن التعاون داخل الكنيست مسألة محسومة.
السيناريو الرابع: بقاء نتنياهو رئيسا لحكومة انتقالية والتوجه نحو جولة انتخابات جديدة. وهذا لن يكون في صالح المعارضة الصهيونية، ولن تستطيع من خلاله إحداث التغيير الذي تحقق نتيجة التصويت العربي. وإذا اتجهت المعارضة الصهيونية إلى هذا الخيار، فإنها ستكرس حكم اليمين واليمين المتطرف. وهو سيناريو قوي وممكن.
السيناريو الخامس: توجه نتنياهو نحو التصعيد العسكري، بالاتفاق مع الرئيس ترامب وبقيادته، بما يفرض حالة طوارئ في "إسرائيل" تستدعي تشكيل حكومة صهيونية موسعة برئاسة نتنياهو، تستثني الحريديم وحزب بن غفير، مع الإبقاء على حزب سموتريتش، مع إمكانية انسحابه لاحقا إذا طرح الرئيس الأمريكي ترامب مشروعه وترتيباته لما يسمى "الشرق الأوسط الجديد".
ويُعتبر هذا السيناريو الأقوى، لأنه يحلل الجميع من التزاماتهم بذريعة الأمن والخطر والوجود والطوارئ. كما قد يشكل خاتمة مسيرة نتنياهو السياسية، إذ سيحصل بعدها على صفقة عفو ويعتزل الحياة السياسية، لكنه سيُسجل لنفسه أنه فعلا "ملك إسرائيل".
ويبقى السؤال المهم في هذا السيناريو: هل ستتحلل المعارضة فعلا من التزاماتها أمام ناخبيها، وتكون سببا في أن يُتوّج نتنياهو ببصمات انتصار بدلا من وصمات العار؟ أعتقد أن خيار المعارضة سيكون تقديم الدعم له دون الدخول معه في الحكومة.
هذا السيناريو قوي جدا، لكن من الصعب للغاية على الأحزاب الصهيونية التحلل من التزاماتها. ومع ذلك، فإنها في حالة الطوارئ ستقف إلى جانب الأمن والدولة دون التحالف مع نتنياهو، ومن ثم التوجه إلى جولة انتخابية جديدة.
أثبتت نتائج الانتخابات الإسرائيلية أن قوة اليمين واليمين المتطرف هي القوة المركزية في الدولة، وأن من يمنع سيطرتها الكاملة هم الفلسطينيون في الداخل، بل إنهم قادرون على إسقاطها. ويبدو أن الشوكة التي تقف في حلق نتنياهو، والعقدة التي تمنعه من التتويج "ملكا"، هما الفلسطينيون: مرة في الداخل، ومرة أخرى فلسطينيو غزة الذين جعلوه بدمائهم "مجرم حرب"، أما في الضفة الغربية، فتنتظره العقوبات الاقتصادية.
لقد فاز الملك وسقط؛ فاز لأنه بقي الزعيم الأكثر حضورا بين جمهور اليمين، وسقط لأنه لم يستطع ترجمة هذه المكانة إلى أغلبية في الكنيست.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


