محمود كلّم يكتب لوطن: نزار بنات... تعازينا لهذه الأمة العظيمة في استشهاد عظمائها

23.10.2026 04:53 PM

 تعازينا لهذه الأمة العظيمة، التي كلما أرادت أن ترفع رأسها، فقدت واحداً من أبنائها الذين حملوا في قلوبهم شيئاً من كرامتها، وفي كلماتهم صوتها، وفي مواقفهم وجعها وأحلامها.

تعازينا لفلسطين، التي لا تُقتلع من أرضها البيوت وحدها، بل يُستهدف إنسانها أيضاً؛ يُهجَّر ويُقتل، وتُحاصر أصواته، ثم يُطلب من الباقين أن يواصلوا الحياة وكأن شيئاً لم يحدث.

ومن بين الأسماء التي خلّفت وراءها أسئلة مفتوحة، يطل علينا اسم الشهيد نزار بنات؛ الرجل الذي لم يكن مجرد اسم عابر في خبر قديم، بل صوتاً اختار أن يقول ما يؤمن به، وأن يدفع ثمن الكلمة حين تصبح الكلمة موقفاً.

لم يكن نزار بنات سياسياً تقليدياً، ولا صاحب خطاب مصقول داخل المكاتب المغلقة. كان أقرب إلى صوت الشارع؛ يتحدث بلغته، يحمل غضبه، يسخر أحياناً، ويصطدم كثيراً، لكنه لم يكن يخفي موقفه خلف العبارات المنمقة. وربما كان هذا سر حضوره عند كثيرين؛ أنه بدا لهم إنساناً عادياً يرفض الصمت أمام ما يراه ظلماً، ويقول ما يخشى آخرون قوله.

كان يتحدث بلسان من أثقلهم الظلم، وبغضب من يرى أن كرامة الإنسان ليست ورقة تفاوض، وأن الوطن لا يُختصر في الشعارات ولا يُقاس بعدد الأعلام المرفوعة، بل بما يمنحه لأبنائه من عدالة وحرية وأمان وكرامة.

كان يرى أن الفلسطيني يستحق أن يعيش عزيزاً في وطنه، وأن يمتلك حقه في السؤال والاعتراض والتعبير، دون أن تتحول الكلمة الحرة إلى تهمة، أو يصبح صاحب الرأي خصماً لوطنه.

لم يكن حضوره مرتبطاً بما يقوله فقط، بل بالطريقة التي جعل بها كثيرين يشعرون أن صوتهم موجود في مكان ما. كان يتحدث عن الفقر والظلم والفساد والسلطة، وعن المواطن الذي يشعر أحياناً أنه لا يملك سوى صوته. وحين يخرج هذا الصوت من شخص يرفض أن يهادن، فإنه لا يبقى صوت صاحبه وحده؛ بل يتحول إلى مرآة يرى فيها آخرون شيئاً من أنفسهم.

ولهذا كان رحيله أكبر من خبر عن رجل فقد حياته. كان لحظة صادمة لكثيرين، لأن السؤال لم يعد فقط: ماذا كان نزار يقول؟ بل أصبح: ماذا يحدث عندما تصبح الكلمة التي يقولها الإنسان سبباً في موته؟

وأي وطن يمكن أن يبقى قوياً إذا أصبح المواطن يخشى أن يرفع صوته في وجه الخطأ؟ وأي قضية وطنية تستطيع أن تقنع العالم بأنها تدافع عن حرية الإنسان، إذا لم يشعر الإنسان نفسه بالأمان وهو يمارس هذه الحرية؟

ثم رحل نزار بنات، وبقيت الأسئلة.
بعض الغياب لا يُقاس بالسنوات، بل بحجم الفراغ الذي يتركه وراءه. وهناك أشخاص لا ينتهي حضورهم برحيلهم، لأنهم يتركون وراءهم قضية أكبر من أعمارهم، وأسئلة أكثر من أن يدفنها النسيان. ولهذا فإن قضية نزار بنات ليست مجرد حكاية رجل رحل، وإنما سؤال عن الإنسان الفلسطيني: من يحمي حقه في الكرامة؟ ومن يصون حقه في الاختلاف؟ ومن يضمن ألا تصبح حرية التعبير امتيازاً يُمنح ويُسحب وفقاً للظروف؟

نزار بنات واحد من الذين يذكّروننا بأن الأوطان لا تُبنى بالأرض وحدها، بل بالأصوات التي تتجرأ على مساءلتها، وبالعقول التي ترفض الاستسلام للأمر الواقع. وحين يخسر الوطن صوتاً كهذا، فإنه لا يخسر شخصاً فقط؛ بل يخسر مساحة من التفكير والاختلاف، وشاهداً كان قادراً على قول ما لا يستطيع كثيرون قوله.

وهنا تتسع المأساة؛ ففلسطين لا تخسر أبناءها بسبب الاحتلال وحده، بل تخسر أيضاً جزءاً من مستقبلها حين تُهمَّش عقولها، وتُحاصر أصواتها، ويبتعد أصحاب الكفاءة والضمير عن المشهد، بينما تتسع المساحات أمام من يجيدون الحديث أكثر مما يجيدون تحمّل المسؤولية.

كأن الوطن يُفقد مرتين:
مرة حين يُقتل أبناؤه، ومرة حين يُترك صوته لمن لا يشبهه.

لقد أنجبت فلسطين شعراء وكتاباً ومفكرين وعلماء وأصحاب مواقف، ولم تكن يوماً فقيرة بالكفاءات أو الأفكار. لكن المأساة تبدأ حين يصبح صاحب المبدأ عبئاً، وصاحب العقل مهمشاً، والصادق موضع شكّ، بينما يجد صاحب الضجيج طريقه إلى الواجهة.

وهذه ليست مشكلة نخبة أو مثقفين وحدهم؛ إنها قضية وطن.
فالأوطان التي لا تحمي أصحاب الفكر والكلمة تخسر أكثر من أفراد؛ تخسر قدرتها على الإبداع، وعلى قراءة أخطائها، وعلى بناء مستقبل أكثر نضجاً. والمجتمع الذي يخاف من السؤال أو يعاقب صاحبه ينتهي به الأمر إلى سماع صوت واحد، حتى لو كان ذلك الصوت يقوده إلى الهاوية.

فخسارة المبدع ليست خسارة فرد فحسب؛ إنها خسارة ذاكرة وتجربة ورؤية كان يمكن أن تمنح الأجيال القادمة طريقاً أكثر وضوحاً. وحين يُقتل صاحب الكلمة أو يُهجّر أو يُجبر على الصمت، يخسر الوطن جزءاً من حكايته، وتصبح مسؤوليته أكبر في ألا يسمح للنسيان بأن يبتلع ما تركه الراحلون وراءهم.

ومن هنا فإن الوفاء لنزار بنات، ولغيره ممن رحلوا وهم يحملون فلسطين أكبر من ذواتهم، لا يكون بتحويلهم إلى صور معلقة على الجدران أو أسماء تُستعاد في المناسبات، بل بحفظ ما آمنوا به؛ حق الإنسان في الكرامة والحرية، وحقه في أن يسأل ويعترض ويختلف، وحق أصحاب الفكر والكفاءة في أن يكون لهم مكان في بناء وطنهم.

أن يصبح الاختلاف وسيلة لإصلاح الوطن، لا سبباً لمعاقبة صاحبه.
وأن ترتقي المسؤولية إلى مستوى تضحيات الشعب الفلسطيني، فلا يُطلب من الناس أن يقدموا أرواحهم وأعمارهم وأحلامهم، بينما تبقى حقوقهم الأساسية في الكرامة والعدالة مؤجلة إلى أجل غير معلوم.

إن فلسطين لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى واقع يليق بتضحيات أبنائها؛ وطن يحفظ الإنسان كما يحفظ الأرض، ويصون الكرامة كما يصون الحدود، ويمنح المثقف والمفكر والمبدع مكانتهم، ويحمي صاحب الرأي بدل أن يخشاه.

فما قيمة أن ننتصر في معركة ونخسر الإنسان؟
وما قيمة أن ندافع عن الوطن إذا كان بعض أبنائه لا يشعرون أنهم قادرون على الكلام داخله؟

إن مقاومة الاحتلال لا تعني فقط حماية الأرض من المصادرة، بل حماية الإنسان من أن يُسلب صوته، وتُهان كرامته، ويفقد إيمانه بأن له في هذا الوطن مكاناً يستحق أن يعيش فيه بكرامة.

ولهذا لا ينبغي أن تتحول المأساة الفلسطينية إلى سجل طويل من الموت والتهجير والتشرد فقط. فلسطين ليست مقبرة للذكريات، ولا ينبغي أن تكون حكاية موت متواصل.

فلسطين أيضاً حياة، وفكرة، وذاكرة، وكلمة، ومستقبل.
نريدها وطناً يكرّم مبدعيه، ويحمي أصحاب الرأي، ويمنح أجياله الجديدة سبباً للأمل بدل أن يورثها الخوف والخيبة.

نريد وطناً لا يضطر فيه الإنسان إلى الاختيار بين كرامته وسلامته، ولا بين صدقه ومستقبله، ولا بين حبه لوطنه وحقه في انتقاده.

رحم الله نزار بنات، ورحم كل من رحل وهو يحمل فلسطين أكبر من ذاته؛ أولئك الذين كتبوا وفكروا وحلموا، ورفضوا أن يتحول الوطن إلى شعار، أو أن تصبح معاناة الناس وسيلة لتحقيق المصالح.

ورحم الله الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، والأطفال الذين حُرموا آباءهم، وكل فلسطيني حمل حزنه من بيت إلى بيت، ومن جيل إلى جيل.

لكن الوفاء لهؤلاء لا يكون بالبكاء وحده.
فالدموع تحفظ الذاكرة، لكنها لا تبني وطناً.
والأسماء تبقى، لكن ما يبقيها حيّة هو أن يتحول معناها إلى فعل، وأن يصبح حلم أصحابها واقعاً تعيشه الأجيال القادمة.

قد يُهدم البيت، ويُهجّر صاحبه، ويغيب الصوت، لكن الذاكرة تستطيع أن تقاوم، والكلمة الصادقة تستطيع أن تعبر السنوات، وأن تصل إلى قلوب لم تعرف أصحابها.

وربما كان أعظم ما نستطيع فعله أمام رحيل نزار بنات وكل من سبقه هو ألا نسمح لرحيلهم أن يتحول إلى مجرد ذكرى؛ أن نبقي الأسئلة حيّة، وأن نبحث عن العدالة، وأن نحمي حق الإنسان في أن يقول الحقيقة دون أن يدفع حياته ثمناً لها.

ومع ذلك، ما دام في فلسطين من يتذكر، ومن يفكر، ومن يرفض الظلم ويتمسّك بكرامته، فثمة شيء لم يمت بعد.
ثمة فلسطين أخرى تستحق أن تُبنى؛ فلسطين لا يكون فيها الإنسان وقوداً للقضية، بل غايتها.

فلسطين التي يكون فيها الدفاع عن الأرض دفاعاً عن الإنسان، والدفاع عن الإنسان دفاعاً عن حريته وكرامته، ويكون فيها الوطن أكبر من السلطة، والعدالة أكبر من المصالح، والحقيقة أكبر من الخوف.

رحم الله نزار بنات، ورحم عظماء فلسطين الذين رحلوا، وحفظ للأحياء حقهم في وطن لا يُهان فيه الإنسان لأنه قال الحقيقة.

وكما قال الشهيد نزار بنات: "تعازينا لهذه الأمة العظيمة في استشهاد عظمائها".

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير