التعلم الذي لا يستعير بوصلته...نحو نموذج فلسطيني للتعلم التفاعلي والسيادة التربوية

23.10.2026 09:56 AM

 كتب ثروت زيد الكيلاني: تفرض التحولات الحضارية والرقمية إعادة تحديد غايات التعليم، وطبيعة المعرفة، والقدرات التي يحتاجها المتعلم لفهم العالم والتفاعل مع متغيراته، وفي مقدمتها التفكير النقدي والاستدلال والتحقق وحل المشكلات والتعلم المستمر.

وفي فلسطين، تتشابك هذه التحولات مع تحديات الاحتلال والحرب وتراجع نواتج التعلم، فيما يواجه التعليم في قطاع غزة دمارا واسعا وانقطاعا ممتدا. ويضع ذلك النظام التعليمي أمام استحقاق وطني يتجاوز تطوير أساليب التدريس إلى إعادة بناء قدرته على ضمان تعلم نوعي ومستدام، وصون حق الأطفال في التعليم.
من هنا، تبرز الحاجة إلى نموذج فلسطيني للتعلم التفاعلي يوائم بين بناء المعرفة وتوظيفها، ويجعل المتعلم فاعلا في تعلمه، والمعلم قائدا للعملية التعليمية، والتقويم أساسا لتوجيه القرار وتصحيح السياسات، ضمن مرجعية وطنية تضبط التكامل بين المناهج والتدريس والتقويم والتمويل.
وتتأسس السيادة التربوية على قدرة المجتمع الفلسطيني على تحديد أولوياته التعليمية ومعاييره الناظمة، والاستفادة النقدية من المعرفة والخبرات الإنسانية في ضوء احتياجاته وسياقه الوطني.
أولا: التعلم التفاعلي في سياق التحولات الحضارية
تتحدد قيمة التعليم بقدرته على بناء الفهم وتنمية التفكير وتمكين المتعلم من توظيف المعرفة في تفسير الظواهر وتحليل القضايا وحل المشكلات. ويقوم التعلم التفاعلي على مشاركة عقلية فاعلة تتجسد في التساؤل والاستقصاء والحوار والتجريب وبناء الحجج وفحص الأدلة. ويتولى المعلم تصميم خبرات التعلم وتوجيه التفكير وتشخيص الصعوبات وتقديم التغذية الراجعة، بما يضمن بناء المعرفة على أسس علمية سليمة. ويُقاس التفاعل بعمق الفهم وجودة الاستدلال والقدرة على تطبيق المعرفة في سياقات جديدة، لا بكثرة الأنشطة أو بمجرد استخدام التكنولوجيا.
وتدعم الأدلة البحثية أهمية تجاوز التلقي السلبي؛ فقد أظهرت مراجعة لدراسات تناولت ممارسات التعلم النشط في العلوم والهندسة والرياضيات بالتعليم الجامعي تحسنا في أداء الطلبة مقارنة بالمحاضرات التقليدية (Freeman et al., 2014). وتوفر هذه النتائج سندا لأهمية المشاركة الفاعلة في التعلم، مع ضرورة تقويم فاعلية الممارسات المقترحة وملاءمتها للمدارس الفلسطينية في سياقاتها المختلفة. ويتوقف الأثر التربوي على اتساق المناهج والتدريس والتقويم والتطوير المهني للمعلمين، بحيث تتكامل هذه العناصر في بناء الكفايات المستهدفة، وتتراجع هيمنة كثافة المحتوى والاستظهار على حساب الفهم والتفكير وتوظيف المعرفة.
وتتعاظم أهمية هذا التوجه مع التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، التي أعادت تشكيل طرائق إنتاج المعرفة وتداولها، ووسعت إمكانات الوصول إلى المحتوى، وزادت في الوقت نفسه صعوبة التمييز بين المعلومات الموثوقة والمحتوى المضلل. وأصبح التعلم مطالبا بتنمية قدرة المتعلم على التحقق من المصادر، وفحص الأدلة، وتقدير موثوقية المخرجات الرقمية، واتخاذ قرارات تستند إلى التفكير النقدي والمسؤولية. كما تبرز أهمية التعاون والتعلم المستمر في ظل تغير المهارات ومتطلبات العمل، الأمر الذي يستدعي استجابة متكاملة في المناهج وخبرات التعلم، تهيئ المتعلم للتعامل مع هذه التحولات بوعي واستقلالية.
وفي السياق الفلسطيني، تكتسب هذه المتطلبات أهمية خاصة لاتصال المعرفة بالروايات المتداولة عن فلسطين وتاريخها وتجربتها. فالتعامل مع المحتوى الرقمي يقتضي تمكين المتعلم من فحص المصادر، وتمييز الوقائع من الادعاءات، والتحقق من الأدلة، والتعامل مع الروايات المتعارضة وفق معايير علمية وأخلاقية. وبهذا يتسع دور التعلم التفاعلي ليشمل بناء القدرة على إصدار الأحكام المعرفية المسؤولة، في بيئة تجمع بين الانفتاح على المعرفة الإنسانية والوعي بالسياق الفلسطيني وتعقيداته.
ثانياً: ماذا تكشف الأدلة عن واقع التعلم الفلسطيني؟
تكشف التقييمات الدولية وواقع التعليم الفلسطيني عن تحديات متداخلة في نواتج التعلم واستمراريته وعدالة فرصه. وتقتضي قراءة هذه الأدلة مراعاة حدودها المنهجية وسياقاتها، والاستناد إلى مصادر متعددة لبناء تشخيص وطني متكامل.
وفق نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلبة PISA 2025، بلغت نسبة الطلبة الذين حققوا المستوى الثاني أو أعلى 17% في الرياضيات، و22% في القراءة، و24% في العلوم (OECD, 2026). وتكشف هذه النتائج عن تحديات عميقة في اكتساب الكفايات الأساسية اللازمة للفهم والاستدلال وتطبيق المعرفة وتفسير الظواهر العلمية. وتظهر المقارنة مع دورة 2022 تراجعا في الرياضيات والعلوم، واستقرارا تقريبا في القراءة، مع مراعاة حدود التغطية التمثيلية للتقييم؛ إذ تمثل العينة نحو 54% من إجمالي الفئة العمرية البالغة 15 عاما. كما ينبغي قراءة هذه النتائج في حدود نطاقها، فهي لا تمثل جميع الأطفال الفلسطينيين، ولا تعكس واقع الأطفال الذين حرموا من التعليم في قطاع غزة بفعل الحرب.
وتعزز نتائج دراسة TIMSS 2023 هذه المؤشرات؛ إذ بلغ متوسط طلبة الصف الثامن 382 نقطة في الرياضيات و393 نقطة في العلوم، مقابل متوسط دولي بلغ 478 نقطة (وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، 2024). وتستدعي هذه الفجوات فحص فهم المفاهيم، وقدرة الطلبة على توظيف المعرفة، ومدى اتساق المناهج والتدريس والتقويم مع الكفايات المستهدفة.
وتتخذ الأزمة بعدا أشد خطورة في قطاع غزة. فقد أفادت اليونيسف بأن نحو 700 ألف طفل بين الرابعة والسابعة عشرة حرموا من التعليم الوجاهي النظامي لما يقارب ثلاثة أعوام دراسية، وأن نحو 98% من المباني المدرسية تعرضت للضرر، فيما تحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة تأهيل كبيرة أو إعادة بناء، ويظل نحو 420 ألف طفل محرومين من التعلم وجها لوجه (UNICEF, 2026).
وتتجاوز آثار الأزمة انقطاع الدروس وفقدان فرص اكتساب المعرفة والمهارات، لتطال الأمان النفسي والاجتماعي والعلاقات المدرسية والانتماء واستمرارية التعلم. لذلك، يتطلب التعافي استعادة فرص التعليم بالتوازي مع تأهيل المدارس ودعم المعلمين ودمج الدعم النفسي والاجتماعي في البيئة التعليمية، بما يحمي حق الأطفال في التعلم.
وتقود هذه المؤشرات إلى تجاوز اختزال الأزمة في مفهوم الفاقد التعليمي، نحو فحص قدرة النظام على إنتاج التعلم واستعادته واستدامته. ويتطلب ذلك منظومة تشخيص وطنية تجمع نتائج التقييمات الدولية والوطنية، والتقويم الصفي، وتحليل أعمال الطلبة، وقياس زمن التعلم الفعلي، ودراسة ظروف المدارس واحتياجات المعلمين. فالأرقام تكشف جوانب من المشكلة، بينما يتطلب تفسير أسبابها وتحديد الاستجابات الفاعلة أدلة تربط نواتج التعلم بشروط إنتاجها.
ثالثاً: ملامح النموذج الفلسطيني للتعلم التفاعلي
تتجسد خصوصية النموذج الفلسطيني في تكامل ثلاثة مقاصد: بناء تعلم عميق قابل للتطبيق، وترسيخ المرجعية الوطنية والذاكرة الجمعية في الممارسات التعليمية، وضمان الحق العادل في التعلم في ظل الاحتلال والحرب وتفاوت الظروف. وتترجم هذه المقاصد إلى الأبعاد الآتية:
1. المعرفة والتفكير المستقل: يرتكز النموذج على معرفة راسخة في اللغة والرياضيات والعلوم والعلوم الإنسانية، وعلى تنمية التحليل والاستدلال والنقد وحل المشكلات. ويتمكن المتعلم من تنظيم المعرفة وربطها، وفحص الأدلة وتقييم الادعاءات وتوظيف ما يتعلمه في مواقف جديدة. وتزداد أهمية هذه القدرات في البيئة الرقمية، حيث تتفاوت دقة المحتوى وموثوقيته.
2. المتعلم الفاعل والمعلم القائد: يشارك المتعلم في التساؤل والاستقصاء والحوار والتطبيق، ويتدرج في تحمل مسؤولية تعلمه وفق عمره واحتياجاته. ويقود المعلم هذه العملية بتصميم خبرات التعلم وتوجيه التفكير وتشخيص الصعوبات وتقديم التغذية الراجعة ومتابعة التقدم. ويتطلب ذلك تمكينا مهنيا يضمن الحقوق والموارد والوقت اللازم للتخطيط والتعاون والتطوير المرتبط بالممارسة الصفية وأدلتها.
3. المرجعية الفلسطينية والعدالة في فرص التعلم: يربط النموذج المعرفة باللغة والتاريخ والمكان والذاكرة والمسؤولية الاجتماعية، مع الانفتاح النقدي على الخبرات الإنسانية والعلمية، بما ينمي قدرة المتعلم على فهم واقعه وتحليل قضاياه والمشاركة الواعية في مجتمعه.
وتقتضي العدالة ضمان فرص تعلم نوعية في قطاع غزة والقدس والضفة الغربية، وتوجيه الموارد وفق تفاوت الاحتياجات والظروف، مع إيلاء اهتمام خاص للأطفال ذوي الإعاقة، والطلبة المعرضين للتسرب، ومن حرموا من التعليم المنتظم بسبب الحرب أو الفقر أو القيود المفروضة على الوصول إلى المدارس.
4. التقويم وإنتاج الأدلة والتحسين المستمر: يشكل التقويم جزءا من التعلم؛ إذ يكشف مستوى الفهم ومواطن القوة والصعوبات، ويوجه التحسين. وتزداد فاعلية التغذية الراجعة حين ترتبط بأهداف واضحة وتمكن المتعلم من تحسين أدائه (Black & Wiliam, 1998; Hattie & Timperley, 2007).
وعلى المستوى الوطني، يحتاج النموذج إلى منظومة تقويم متعددة المستويات تربط نتائج الطلبة بالمناهج والتدريس والتطوير المهني وظروف التعلم، وتوظف الأدلة لتحديد الأولويات وتصحيح المسار وقياس الأثر. كما يخضع توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لمعايير تحمي الخصوصية، وتضمن الموثوقية والعدالة، وتتحقق من القيمة التربوية المضافة.
رابعاً: من التصور إلى سياسة وطنية
يقتضي الانتقال إلى نموذج فلسطيني للتعلم التفاعلي ترجمة الرؤية إلى سياسات وطنية متكاملة، تحدد الأولويات والمسؤوليات، وتوفر شروط التنفيذ، وتربط القرارات بأثرها في تعلم الطلبة:
1. إقرار إطار وطني للتعلم التفاعلي يحدد الغايات والكفايات ومعايير الأداء، ويوحد المرجعية التربوية مع احترام تنوع السياقات الفلسطينية ومتطلبات المراحل التعليمية.
2. إعادة بناء الاتساق بين المناهج والتدريس والتقويم عبر تخفيف كثافة المحتوى، وتعزيز الفهم والاستدلال والتطبيق، وتطوير أدوات تقيس توظيف المعرفة، وضبط الاستخدام التربوي والأخلاقي للذكاء الاصطناعي.
3. تمكين المعلم وصون حقوقه ومكانته المهنية بضمان حقوقه وانتظام مستحقاته، وتعزيز استقلاليته المهنية ومشاركته في صنع القرار، وتوفير شروط العمل والتطوير المستمر والدعم النفسي والاجتماعي.
4. استعادة زمن التعلم ومعالجة تعثر الطلبة بخطط وطنية تستند إلى تشخيص دقيق للاحتياجات، وتحدد أولويات التعلم الأساسية، وتعوض الانقطاع والتعثر، وتحمي استمرارية التعليم في الطوارئ والأزمات.
5. ضمان العدالة والشمول في فرص التعلم بتوجيه الموارد والخدمات نحو الطلبة الأكثر تضررا، بمن فيهم طلبة غزة والقدس والمناطق المهمشة والطلبة ذوو الإعاقة والمعرضون للتسرب، بما يصون حق الجميع في تعلم نوعي.
6. تطوير الحوكمة والقدرات المؤسسية للنظام التعليمي بتحديد الصلاحيات والمسؤوليات، وتعزيز التكامل بين الوزارة والمديريات والمدارس والجامعات ومؤسسات البحث، وتمكين الكفاءات الوطنية من أداء أدوارها وفق اختصاصاتها ومعايير مهنية واضحة.
7. بناء منظومة وطنية للأدلة والمساءلة والتحسين المستمر تربط السياسات والإنفاق بنتائج التعلم، وتتكامل فيها التقييمات الوطنية والدولية والبيانات المدرسية، وتُستخدم نتائجها لتصحيح السياسات وتحديد المسؤوليات وقياس الأثر.
8. ضمان التمويل المستدام واستقلال القرار التربوي بتعبئة الموارد المحلية والعربية والدولية وفق الأولويات الوطنية، وتوجيهها إلى التدخلات ذات الأثر، ودراسة إنشاء صندوق وطني للتعلم والتعافي، ضمن حوكمة شفافة تحفظ وحدة النظام التعليمي الفلسطيني ومرجعيته، وتضمن إعادة إدماج غزة فيه.
يتطلب تنفيذ هذه المطالب قيادة وطنية واضحة، وخطة زمنية بمؤشرات قابلة للقياس، وتوزيعا محددا للمسؤوليات، ومراجعة دورية للنتائج، مع إشراك المعلمين والجامعات ومؤسسات البحث والمجتمع في صياغة السياسات وتقويمها.
ختاماً، يُختبر نجاح النموذج الفلسطيني للتعلم التفاعلي بقدرته على إحداث تحول ملموس في خبرة المتعلم، وجودة ما يكتسبه من معارف وكفايات، وعدالة الفرص المتاحة له، وقدرة النظام التعليمي على ضمان استمرارية التعلم في مختلف الظروف. فالقيمة الحقيقية لهذا النموذج تكمن في انتقاله من التصور إلى الممارسة، ومن المبادئ إلى نتائج قابلة للرصد والتقويم، بما يجعل التعلم النوعي حقا متاحا ومستداما، ويمنح التعليم الفلسطيني قدرة أكبر على الاستجابة للتحولات وصون مستقبله.


المراجع
وزارة التربية والتعليم الفلسطينية. (2024، 15 كانون الأول). مناقشة نتائج دراسة TIMSS 2023.
Black, P., & Wiliam, D. (1998). Assessment and classroom learning. Assessment in Education: Principles, Policy & Practice, 5(1), 7–74. https://doi.org/10.1080/0969595980050102
Freeman, S., Eddy, S. L., McDonough, M., Smith, M. K., Okoroafor, N., Jordt, H., & Wenderoth, M. P. (2014). Active learning increases student performance in science, engineering, and mathematics. Proceedings of the National Academy of Sciences, 111(23), 8410–8415. https://doi.org/10.1073/pnas.1319030111
Hattie, J., & Timperley, H. (2007). The power of feedback. Review of Educational Research, 77(1), 81–112. https://doi.org/10.3102/003465430298487
Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD). (2026). PISA 2025 results (Volume I): Palestinian Authority. https://www.oecd.org/en/publications/pisa-2025-results-volume-i-country-notes_2d4ff9ea-en/palestinian-authority_65393534-en.html
United Nations Children’s Fund (UNICEF). (2026, May). UNICEF in the State of Palestine humanitarian situation update: Education (reporting period: 30 April 2026). https://www.unicef.org/sop/reports/unicef-state-palestine-humanitarian-situation-update-education

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير