نتنياهو شجّع كوشنر على إيداع أموال إماراتية في بنك إسرائيل لإظهارها كأموال حكومية

مليارا دولار في الظل.. المخابرات الهولندية تكشف أسرار المال والنفوذ بين كوشنر والإمارات والسعودية وإسرائيل

23.10.2026 07:13 AM

الشبكة المالية المرتبطة بكوشنر مخصصة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط

حسابات كوشنر السرية تثير شبهات انتهاك القانون الأمريكي وتضارب المصالح

هاتف كوشنر المخترق يكشف أسرار المال بين الإمارات والسعودية وإسرائيل

 

 وطن للأنباء: كشف تقرير استقصائي نشرته مجلة «فانيتي فير» الأمريكية، استنادا إلى مقتطف حصري من كتاب جديد للصحفي ماثيو كول، عن ترتيبات مالية ودبلوماسية سرية يُزعم أنها ربطت جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاره السابق، بقيادات في الإمارات والسعودية وإسرائيل، عبر حسابات مصرفية وتحويلات مالية بمئات الملايين من الدولارات، وصلت قيمتها الإجمالية، وفق التقرير، إلى نحو ملياري دولار.

ويستند التقرير، المنشور في 22 تشرين الأول/أكتوبر 2026، إلى معلومات قال الكاتب إنه جمعها على مدى أربع سنوات، ويعرض تفاصيل اكتشاف أجهزة الاستخبارات الهولندية صورا من شاشة هاتف كوشنر بعد اختراقه، ما أتاح لها رصد دخوله إلى حساب مصرفي إماراتي تلقى مئات الملايين من الدولارات عبر مصرف في أذربيجان، إضافة إلى تحويلات أخرى يُزعم أنها ارتبطت بحسابات في إسرائيل.

وبحسب التقرير، فإن الأموال لم تكن مجرد معاملات مصرفية عادية، بل ارتبطت، وفق مصادر مطلعة استند إليها الكاتب، بترتيبات سياسية وأمنية سرية بين كوشنر وحاكم الإمارات محمد بن زايد، وولي العهد السعودي آنذاك محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في إطار مساع لإعادة ترتيب موازين المنطقة، والتأثير في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، بما في ذلك القضية الفلسطينية والعلاقات مع إسرائيل.

اختراق هاتف كوشنر يقود إلى حسابات مالية سرية
يقول كول إنه تلقى في ربيع عام 2020 معلومات من مصدر موثوق تفيد بأن الحكومة الهولندية اخترقت هاتف كوشنر، وراقبته أثناء دخوله إلى حساب مصرفي في دبي تلقى مئات الملايين من الدولارات من مصرف في أذربيجان. وأشار المصدر إلى أن كوشنر بدا وكأنه حوّل مبالغ كبيرة من الحساب إلى أشخاص آخرين، بينهم أمير حرب ومرتزق وشخص سبق أن عمل قاتلا مأجورا.

وبعد نحو ستة أشهر، حصل الكاتب، وفق روايته، على تأكيد من مصدر آخر بشأن صلات الإمارات باستخدام المرتزقة في الصراعات بالشرق الأوسط وأفريقيا، وبشأن وجود معلومات عن كوشنر والتحويلات المالية من حساب إماراتي.

ويعود أصل القضية، بحسب التقرير، إلى أواخر عام 2017، عندما تمكنت دائرة الاستخبارات والأمن الدفاعي الهولندية من الوصول إلى أحد عملاء الاستخبارات العسكرية الروسية، وهو قرصان إلكتروني متخصص في سرقة البيانات المصرفية من الشبكة المظلمة، بعد توقيفه في بريطانيا وتحويله للعمل لصالح الهولنديين بدلا من الاستخبارات الروسية.

وفي وقت لاحق، أتاح العميل الروسي للهولنديين الوصول إلى ملفات سرية مخزنة على خادم تابع لفريق القرصنة والهجمات الإلكترونية للاستخبارات العسكرية الروسية في مدينة روستوف الروسية. وخلال فحص الملفات، عثر الهولنديون على صور لشاشة هاتف كوشنر.

وتمكن الفريق الهولندي، بحلول أوائل عام 2018، من اكتشاف ثغرة في هاتف «آيفون إكس» الذي كان يستخدمه كوشنر، ما أتاح له رؤية ما يظهر على شاشته أثناء استخدامه. ولم يسمح الاختراق بالتحكم الكامل بالهاتف، لكنه مكّن أجهزة الاستخبارات من التقاط صور متتابعة للشاشة وتخزينها على خوادمها الداخلية.

ومن خلال مراقبة الهاتف، اكتشف الهولنديون أن كوشنر كان يدخل إلى حساب مصرفي إماراتي تلقى مئات الملايين من الدولارات عبر مصرف في أذربيجان، واعتقدوا في البداية أن الحساب مرتبط بالحكومة الأذربيجانية.

حساب «ألفا».. نحو 750 مليون دولار لتمويل السياسة الخارجية
يربط التقرير بين كوشنر ومحمد بن زايد ومحمد بن سلمان في مرحلة حساسة من التطورات الإقليمية. فبحسب الكاتب، كان محمد بن سلمان يسعى إلى ولاية العهد، بينما أراد محمد بن زايد إسقاط الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمته إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، في حين سعى كوشنر إلى الاستعانة بهما لدفع الفلسطينيين نحو اتفاق تقبله إسرائيل.

ويشير التقرير إلى أن كوشنر لم يكن مستقلا ماليا بصورة كاملة عن عائلته، وأن شركة عائلته العقارية كانت تواجه استحقاق قرض بقيمة مليار دولار مرتبطا بمبنى تجاري بارز في مانهاتن.

وفي بداية إدارة ترامب الأولى، طرح محمد بن زايد ومحمد بن سلمان فكرة تمويل صندوق مالي سري يساعد الإدارة الأمريكية الجديدة على تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية. وكان من بين الأفكار المطروحة تمويل الجدار الحدودي الذي وعد ترامب ببنائه بين الولايات المتحدة والمكسيك، في محاولة للمساعدة على ضمان إعادة انتخابه.

وناقش الطرفان مع كوشنر في البداية ضخ أكثر من 10 مليارات دولار في هذا الصندوق، لكن الفكرة تراجعت خلال أشهر، بالتزامن مع ضغط محمد بن زايد على إدارة ترامب لدعم مساعي محمد بن سلمان للوصول إلى ولاية العهد، تمهيدا لتوليه العرش السعودي مستقبلا.

وبدلا من ذلك، يزعم التقرير أن محمد بن زايد ومحمد بن سلمان، ثم محمد بن زايد وحده لاحقا، أودعا ما لا يقل عن ملياري دولار في حسابين مصرفيين على الأقل مرتبطين بكوشنر، مع بقاء تفاصيل تنظيم هذه التحويلات غير واضحة بالكامل.

وكان الحساب الأول، الذي أطلق عليه الكاتب اسم «ألفا»، لدى بنك أبوظبي الأول، أكبر المصارف الإماراتية، ويشرف عليه طحنون بن زايد، شقيق محمد بن زايد ورئيس مجلس إدارة البنك.

وبحسب التقرير، حوّل السعوديون والإماراتيون نحو 750 مليون دولار إلى الحساب ابتداء من عام 2017، بهدف استخدامه صندوقا لتمويل السياسة الخارجية، مع إشراف كوشنر ومحمد بن زايد على الأموال وإدارة جزء منها.

وقال مصدر مطلع على الترتيبات إن كوشنر وعد محمد بن زايد بالضغط لدى ترامب لدعم أجندة الإمارات إذا شاركت في الصندوق، مضيفا أن كوشنر أراد تطبيع العلاقات مع إسرائيل بما يتيح انطلاق الأعمال التجارية.

ووصف المصدر هذه الصناديق بأنها تجمعات مالية مشتركة تُستخدم لتحقيق أهداف دبلوماسية خارج الأطر الرسمية، معتبرا أنها شكل من أشكال الفساد الحكومي في دول الخليج. ونقل عنه قوله إن الإماراتيين والسعوديين اعتادوا ضخ مبالغ كبيرة في مثل هذه الترتيبات، وإن المليار أو الملياري دولار لا يمثلان مبلغا كبيرا بالنسبة إليهم إذا كانا سيحققان أهدافهم.

تحويل الأموال عبر أذربيجان ومؤسسة خيرية إماراتية
ويشير التقرير إلى أن الأموال التي وصلت إلى حساب «ألفا» حُوّلت بالدولار الأمريكي عبر مصرف في أذربيجان، التي قال الكاتب إن بعض مصارفها تُستخدم محطات عبور لتحويلات مالية ضخمة، مستفيدة من ضعف الشفافية المصرفية.

ووفق التقرير، تتيح هذه الآلية تحويل مبالغ بالريال السعودي أو الدرهم الإماراتي إلى مبالغ مكافئة بالدولار، مقابل رسوم تتراوح بين 6 و7 في المئة تقريبا. ويرسل العميل الأموال إلى المصرف الأذربيجاني، الذي يحول قيمتها بالدولار عبر حساب مصرفي آخر إلى الوجهة المطلوبة، بما يصعّب على المدققين تتبع مسار الأموال.

وكشف التحقيق، بحسب الكاتب، أن كوشنر لم يكن المالك القانوني لحساب «ألفا» لدى بنك أبوظبي الأول، بل كان مخولا بالتوقيع عليه، فيما كانت مؤسسة «وطني الإمارات» الخيرية، الممولة من الحكومة الإماراتية، تملكه وتديره.

وكانت المؤسسة تُدار، عند بدء تحويل الأموال إليها عام 2017، من قبل ضرار بالهول الفلاسي، العضو في المجلس الوطني الاتحادي، الذي وصفه التقرير بأنه كان مقربا من أحد أبرز مستشاري محمد بن زايد.

ويزعم التقرير أن المؤسسة الخيرية استُخدمت أيضا غطاء لتحويل الأموال لدعم العمليات العسكرية والاستخباراتية الإماراتية السرية في الخارج، وأن بالهول ساعد في تسهيل برامج سرية لشراء الأسلحة. ونقل الكاتب عن مصدر مطلع مباشرة على هذه البرامج قوله إن صفة المؤسسة الخيرية جعلت معاملاتها الدولية أقل عرضة للتدقيق، وهو ما وفر غطاء لتمويل عمليات عسكرية سرية.

وبحسب التقرير، جعل محمد بن زايد وشقيقه طحنون كوشنر مخولا بالتوقيع على الحساب، بما يتيح له الوصول إلى الأموال وإجراء معاملات منها من حيث المبدأ، رغم أنه لم يكن مالك الحساب.

شبهات بشأن تضارب المصالح والإفصاح المالي
ويثير التقرير تساؤلات بشأن قانونية وصول كوشنر إلى الحسابات، باعتباره موظفا رسميا في إدارة ترامب، رغم أن منصبه مستشارا أول للرئيس لم يكن مدفوع الأجر.

ويقول الكاتب إن كوشنر كان ملزما بتقديم إفصاحات مالية علنية وسرية سنويا، والإعلان عن أي حسابات مصرفية يملك حق التوقيع عليها أو الاستفادة من أموالها، نظرا إلى وصوله إلى معلومات حكومية سرية.

وينقل التقرير عن أربعة مسؤولين كبار في إدارة ترامب، بينهم مستشاران سابقان للأمن القومي ورئيس سابق لموظفي البيت الأبيض ومدير سابق لوكالة الاستخبارات المركزية، قولهم إنهم لم يكونوا على علم بوجود تفويض رئاسي يسمح لكوشنر بالوصول إلى حساب مصرفي تابع لحكومة أجنبية.

ويشير الكاتب إلى أن عدم الإفصاح عن الحساب، إذا لم يكن قد أُعلن للحكومة الأمريكية وحصل على موافقتها وأُدرج في الإقرارات الضريبية، قد يشكل انتهاكا للقانون الأمريكي.

كما يرى التقرير أن إتاحة الوصول إلى نحو ملياري دولار قد تثير شبهة شراء النفوذ داخل الحكومة الأمريكية، إذا كانت الأموال قد قُدمت مقابل التأثير في قرارات السياسة الخارجية. ويلفت إلى أن القانون الأمريكي يلزم من يمارس الضغط السياسي نيابة عن قوة أجنبية بالإفصاح عن ذلك لدى وزارة العدل.

ونقل كول عن مدع عام سابق عمل في تحقيق روبرت مولر قوله إن كوشنر ربما يكون قد خالف القوانين الفيدرالية المتعلقة بالرشوة وقانون الوكلاء الأجانب إذا وعد محمد بن زايد ومحمد بن سلمان بأي مقابل للأموال، حتى لو اقتصر الأمر على التحدث مع ترامب.
حساب «بيتا» وتحويل نحو مليار دولار إلى إسرائيل
ولا يقتصر التقرير على حساب «ألفا»، إذ يزعم أن محمد بن زايد ضخ أموالا في حساب ثانٍ مرتبط بكوشنر، أطلق عليه الكاتب اسم «بيتا».

وبحلول ربيع عام 2018، كان نحو مليار دولار قد نُقل إلى إسرائيل عبر أذربيجان لصالح كوشنر، بحسب التقرير. ولا يوضح الكاتب بصورة قاطعة كيف علم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بهذه الأموال للمرة الأولى، لكنه ينقل عن شخص أُطلع على تفاصيل الحساب قوله إن نتنياهو شجع كوشنر على إيداع الأموال في البنك المركزي الإسرائيلي، بما يجعلها تبدو كأنها أموال حكومية.

ويضيف التقرير أن تخصيص الأموال كان، وفق المصدر، لمصلحة كوشنر الشخصية، لكنه لا يقدم توضيحا نهائيا بشأن كيفية استخدامها.

ويشير الكاتب إلى أن البنك المركزي الإسرائيلي لا يفتح حسابات شخصية، بل يحتفظ بالأموال الحكومية وينقلها، وأن الحسابات الحكومية تخضع لنظام يتطلب موافقة شخصين مخولين على التحويلات.

وبحسب التقرير، طلب نتنياهو من كوشنر إبلاغه قبل إجراء أي معاملات من حساب «بيتا»، وكان كوشنر يمرر رسائله عبر السفير الأمريكي السابق ديفيد فريدمان، الذي كان يلتقي نتنياهو باستمرار.

ويقول الكاتب إن إيداع الأموال في البنك المركزي الإسرائيلي كان من شأنه أن يجعل ربط التحويلات التي قدمها محمد بن زايد بكوشنر أمرا بالغ الصعوبة.

كما ينقل التقرير عن شخص عمل مع كوشنر على إخراج الأموال من إسرائيل قوله إن جزءا كبيرا منها انتقل إلى حسابات مصرفية في قبرص قبل تحويله إلى وجهات أخرى.
حساب ثالث لتمويل الدفاع عن الإمارات في مواجهة إيران
ويتحدث التقرير عن حساب ثالث منفصل، يقول إن كوشنر ساعد في التفاوض بشأنه ضمن تقارب دبلوماسي سري بين إسرائيل والإمارات.

وبحسب الرواية الواردة في التحقيق، ساعد كوشنر في التوصل إلى اتفاق تتولى إسرائيل بموجبه مساعدة الإمارات في الدفاع عن نفسها إذا تعرضت لهجوم عسكري إيراني كبير. ولتغطية تكاليف هذا الدفاع الطارئ، حوّلت الحكومة الإماراتية سرا مبلغا آخر إلى البنك المركزي الإسرائيلي، في ما يشبه صندوقا احتياطيا للطوارئ الدفاعية.

ويرى الكاتب أن الحسابات الثلاثة مجتمعة عكست ترتيبات للسياسة الخارجية جرى التفاوض بشأنها بصورة سرية بين كوشنر وقادة إسرائيل والإمارات والسعودية.
ردود النفي والموقف القانوني
وردا على ما ورد في التقرير، قال محامي كوشنر إنه لم يبرم أي اتفاقات أو ترتيبات مع قادة أو مسؤولين أجانب لم يوافق عليها رئيس الولايات المتحدة، وإن جميع تعاملاته كانت تصب في مصلحة الولايات المتحدة.

كما نفى محاميه أن يكون كوشنر على علم بمؤسسة «وطني الإمارات» أو بضرار بالهول الفلاسي أو بأي حساب مصرفي إماراتي، مؤكدا أنه امتثل لجميع المتطلبات القانونية في تعاملاته مع الحكومات الأجنبية.

من جهته، نفى السفير الأمريكي السابق ديفيد فريدمان علمه بأي أموال إماراتية أُتيحت لكوشنر أو مشاركته في تمرير رسائل نيابة عنه، ووصف الادعاءات المتعلقة به وبمشاركته المزعومة في المخطط بأنها «كاذبة بنسبة 100 في المئة».

كذلك نفى محامي كوشنر علم موكله بوجود حساب «بيتا»، مؤكدا أنه لا توجد حسابات من هذا النوع ولم توجد قط، كما نفى ارتكابه أي مخالفة قانونية خلال عمله في البيت الأبيض.

ويستند التقرير إلى مقتطف من كتاب «أمراء ولصوص: المخطط السري لجاريد كوشنر ومحمد بن زايد لإعادة تشكيل الشرق الأوسط»، للصحفي ماثيو كول، والمقرر نشره عن دار «ون سيغنال بابليشر/أتريا بوكس»، التابعة لدار النشر «سايمون آند شوستر».

وتبقى المزاعم المتعلقة بالتحويلات المالية والحسابات السرية والتأثير في قرارات السياسة الأمريكية منسوبة إلى التحقيق ومصادره، في ظل نفي كوشنر وممثليه للاتهامات والمخالفات القانونية الواردة فيه.

تصميم وتطوير