حين يبقى الاسم وتُخنق المؤسسة، وحين نهجر مفهوم العودة كحق قابل للتحقيق
سامي مشعشع يكتب لوطن: الأونروا وقضيتنا كلاجئين بعد ثلاث سنوات على إبادة السابع من تشرين الأول

بعد ثلاث سنوات على السابع من تشرين الأول 2023، لم يعد السؤال: هل ستبقى الأونروا أم ستختفي؟ هذا سؤال مهم، لكنه يخفي سؤالا أخطر: ماذا سيحدث لقضيتنا نحن اللاجئين حين تُقلَّص خدمات الوكالة وتُفكَّك وظائفها ويُطمس دورها وولايتها؟ والأهم والأكثر إلحاحا: من يرسم اليوم مستقبل حقوقنا ونحن مغيبون عن الطاولة؟
قد يقول متفائل إن الأمر مطمئن، فالجمعية العامة جددت في كانون الأول 2025 ولاية الأونروا حتى حزيران 2029، وهي ثلاث سنوات تبدأ في 2026، وشددت على تسجيل الأجيال المتعاقبة من اللاجئين وحفظ بياناتهم لدى الوكالة. وهذا دون شك بالغ الأهمية.
حسنا، ولكن المكتوب على الورق شيء والواقع شيء آخر. انظروا إلى واقع اليوم. في 2026، قلصت الوكالة ساعات الخدمة وخفضت أجور معظم موظفيها الفلسطينيين، قرابة 29 ألفا منهم، بنحو 20 في المئة. وببرود أعصاب مثير للغضب، يشير المفوض العام بالإنابة إلى أنه إن لم يُردم عجز بسيط للغاية في الميزانية العادية، وهو نحو 70 مليون دولار، فسينهي خدمات عدد كبير من عاملي الأونروا! وفي غزة، توضع تصورات الحكم والإعمار في إطار "مجلس السلام" المزعوم الذي تقوده الولايات المتحدة، من دون أي دور للوكالة في ترتيباته الأساسية. ولا يقلق المفوض بالإنابة كثيرا بهذا الخصوص، فقد أبدى، كسلفه، استعدادا للعمل مع مجلس يريد الاستفادة من كوادر الأونروا وخبراتها مرحليا، مع إصراره الواضح على أنه مستقبلا لا دور للأونروا فيه، وأنها يجب "أن تختفي"، كما صرحوا.
والوقائع الأخرى المستهدفة للأونروا معلنة ومتراكمة. أقر كنيست الكيان في تشرين الأول 2024 قانونين يمنعان نشاط الوكالة في الأراضي التي يعتبرها خاضعة لسيادته، ومنها القدس الشرقية المحتلة. دخل الحظر حيز التنفيذ أواخر كانون الثاني 2025، وتبعه الاستيلاء على مقر الوكالة في الشيخ جراح وتدميره، ثم إخراجها بالكامل من القدس، ومعها مخيم شعفاط، مخيمها الوحيد في المدينة. وفي الضفة، دمرت العمليات العسكرية منذ مطلع 2025 مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، وهجّرت عشرات الآلاف من سكانها. وفي غزة، قضى الدمار الممنهج على الجزء الأكبر من مخيمات اللاجئين، ثم أُعلنت، على لسان مسؤولين في الكيان وعلى لسان الرئيس الأمريكي في شباط 2025، تصورات لنقل السكان إلى خارجها تحت مسمى "الهجرة الطوعية". وفي الفترة ذاتها، أصدرت محكمة العدل الدولية في تشرين الأول 2025 رأيا استشاريا يؤكد ضرورة التزام الكيان بتسهيل عمل الأمم المتحدة ووكالاتها، ومنها الأونروا. وهو سند قانوني مهم، لكنه لا يكفي ما دامت لا توجد آلية لتنفيذه، وقد تم تجاهله بالكامل.
في تقديري، فإن المسار الأرجح والجاري تطبيقه لمستقبل الأونروا هو التفريغ المُدار والمتدحرج: تبقى الأونروا قائمة قانونيا باسمها وولايتها وقرارات الجمعية العامة، وتُفرَّغ شيئا فشيئا من القدرة التي تجعلها ذات معنى. لا حاجة إلى قرار واحد بالإغلاق، بل إلى قرارات تبدو إدارية: إقصاء من هذا المقر أو ذاك، وتقليص متواصل في التمويل والخدمات، ونقل بعض الوظائف إلى وكالات أممية أخرى أو دول مضيفة أو مؤسسات فلسطينية، حتى تصير الوكالة مؤسسة خدماتية مكملة تقتصر على الطوارئ والتسجيل وبعض الخدمات المساندة. وهذه السياسة لا تستثني إجراءات قاصمة في الوقت المناسب، كتدمير مخيمات غزة وشمال الضفة.
حتى "مجلس السلام"، الذي قال أحد مسؤوليه إن "أيام الأونروا انتهت"، وجد نفسه يلتقي بها، فلديها في غزة نحو 11 ألف موظف وخبرة عميقة في الصحة والتعليم لا تُستبدل بسرعة. يريدون بنيتها وموظفيها وخبرتها، ويريدون التخلص من كونها وكالة مرتبطة بقضيتنا. بمعنى آخر: أن يبقى الجسد وتُنزع الدلالة السياسية والقانونية. والأخطر أن هذا لا يحتاج إلى لحظة واحدة أو حدث محدد يمكن مقاومتهما. يكفي أن يتراجع التمويل ويغادر الموظفون وتتدهور المرافق، ثم يُقال إن الأونروا مؤسسة عاجزة لا ينبغي الإبقاء عليها. هنا يتحول الفشل العملي إلى مبرر سياسي، وهو أخطر من الإلغاء الصريح. وإذا نجح هذا النموذج في غزة عند بدء مرحلة "إعادة الإعمار"، وأخشى أنه سينجح، وقد سبقته "نجاحات" في إنهاء المخيم وصفة اللاجئ عن ثلاثة مخيمات في شمال الضفة، فسيصير سابقة في مناطق عمل الوكالة الأخرى، من مدخل التوطين والدفع بالتهجير إلى دول ثالثة.
والتوطين الذي أتحدث عنه لا يأتي بقرار معلن. يأتي بتدمير المخيمات وإطالة النزوح وتجفيف الخدمات وشيطنة الوكالة والعاملين، وتضييق العيش حتى يصبح الرحيل الخيار الوحيد، وهذا يؤدي وظيفة التوطين أو التهجير إلى دول أخرى، قُصد ذلك أم لم يُقصد. وتبقى هنا كلمة "لاجئ" مكتوبة في السجلات، بينما يتآكل معناها في الحياة. ولكن أين "العودة" من كل هذا؟
الأونروا لا تحمل حق العودة، ولم تكن يوما طريقنا إليه عبرها. هي تجسده. السجلات بملايينها والصفة والنسب هي ما يثبت من يعود وإلى أين. فإذا تفتت السجل وضاعت صفة اللاجئ، صار الحديث عن العودة حديثا بلا أصحاب يمكن إثبات صفتهم، لأن الحق لا يسقط بالتقادم في القانون، لكنه يضعف كثيرا حين لا يبقى من يطالب به ومن يملك الدليل عليه. ولذلك أرى في التفريغ المُدار والمتدحرج للأونروا مساسا مباشرا بالعودة، حتى لو لم يذكرها أحد.
الأونروا إذن ليست أصل حقنا ولا من يحمل حق العودة، فحقوقنا لا تنشأ من وجودها ولا تنتهي بانتهائها. هي وكالة إنسانية بنص تفويضها، وليست ممثلا سياسيا لنا، لأن التمثيل هو مسؤولية منظمة التحرير. لذلك لا أحبذ القول إن قيمة الأونروا "سياسية"، فهذا التوصيف يُوظَّف للطعن في حياديتها، كما يوظف الآن من قبل أعدائها. لكن وجود وكالة أممية مخصصة للاجئين الفلسطينيين هو في ذاته اعتراف دولي بأن لهم حقوقا لم تُسوَّ بعد، وهذا الاعتراف هو ما يُراد إنهاؤه. ومن يظن أن عبارة "الحقوق باقية في القانون" تكفي، عليه أن يجيب: أي قانون، وأي مؤسسة تحميها فعلا؟
نقطة مهمة للنقاش: المادة 1D من اتفاقية اللاجئين لعام 1951 لا تشملنا ما دامت الأونروا تقدم لنا الحماية أو المساعدة. لكن إذا توقفت هذه الحماية أو المساعدة لأي سبب قبل أن تُحل قضيتنا وفق قرارات الأمم المتحدة، ندخل تلقائيا في الاتفاقية ونتمتع بحماية دولية كاملة! أي إن إنهاء الوكالة لا يلغي صفتنا كلاجئين، بل ينقلنا إلى نظام حماية أوسع، نظريا على الأقل. وهنا تبرز نقطة بالغة الأهمية: هذا ما يفسر لماذا يفضل خصومنا التفريغ المتدحرج على الإلغاء. وكالة بخدمات هزيلة تتيح لهم القول إن المساعدة لم تتوقف، وإن المادة أعلاه من اتفاقية 1951 لا تنطبق. وهل يكفي تقليص الخدمات لنقول إن المساعدة "توقفت"؟ هذا سؤال غير محسوم قانونيا، ولا بد أن نستعد له الآن: نوثق كل تقليص وكل مرفق يُغلق وكل أسرة تُحرم، لنبني ملفا يثبت أن المساعدة تتآكل فعلا، لا بعد أن تُغلق الوكالة أبوابها.
السجلات والأرشيف ودور الحماية للاجئين المناط بالوكالة
أربع نقاط.
الأولى: النسب. هناك ثمانية ملايين لاجئ فلسطيني، ستة ملايين منهم مسجلون لدى الأونروا، أغلبهم أبناء وأحفاد. وأي محاولة لحصر التعريف في الجيل الأول أو لنقل السجل إلى جهة أخرى تمس أصل القضية قبل أي خدمة، ومهمة التصدي لها تقع علينا نحن أصحاب القضية، لاجئين وساسة وباحثين وناشطين وإعلاميين.
الثانية: أرشيف الأونروا ووثائقها. كنز قانوني ومعرفي هائل، وفيه إثبات حقوقنا جيلا بعد جيل. أنقذه موظفون شجعان من الأونروا خلال الإبادة في عملية سرية استمرت نحو عشرة أشهر، نقلوا فيها ملايين الوثائق من غزة والقدس إلى عمّان، وتمت رقمنة نحو ثلاثين مليون وثيقة. وللأسف، فشلت محاولات الحصول على حماية دبلوماسية له، وجاء إنقاذه بشجاعة موظفين ميدانيين لا بقرار سياسي. إنه أرشيف الأمم المتحدة، ويجب أن يبقى تحت ولاية الجمعية العامة، لا أن ينتقل إلى دولة مضيفة ولا إلى أي جهة يخطط الآخرون أن تخلف الوكالة. ونحتاج إلى نسخ إلكترونية آمنة تحت حراسة أممية في أكثر من مكان، وحق كل لاجئ في الوصول إلى ملف عائلته، وضمانات تمنع حذف الأسماء أو تغيير الصفات أو تعديل السجلات. باختصار: من يملك السجل يملك تعريف اللاجئ.
الثالثة: الحماية. ليس للأونروا ولاية حماية صريحة، بل دور مارسته عمليا، وهذه ثغرة تُستغل ضدها. إقرار ولاية صريحة بقرار من الجمعية العامة بهذا الخصوص مهم، مع توقع ضغط المانحين، وفي مقدمتهم واشنطن، بحجة أن الحماية تمس الحياد.
الرابعة: لجنة التوفيق التي أنشأتها الأمم المتحدة بالقرار 194 لحماية اللاجئين والبحث عن حل لقضيتهم. لم تُلغَ، لكنها جُمّدت منذ عقود، والمطالبة بإحيائها تكسر ثنائية "الأونروا أو لا شيء" وتعيدنا إلى القرار 194 مرجعا. وهذا موقف سياسي علينا سبره باهتمام وذكاء.
وبعد كل ذلك، يبرز سؤال ملح: ما الذي نريده نحن؟
طرح فكرة "مؤتمر عام للاجئين"
هناك سيناريوهات للأونروا ولغزة وللإعمار وللحكم، لكن لا يكاد يوجد نقاش جدي حول ما يريده اللاجئون أنفسهم، كأن مستقبل أكثر من ثمانية ملايين يمكن أن يُرتَّب إداريا من دون رأي سياسي منظم منهم. بالتأكيد، لا نريد الوكالة كما هي بعيوبها، فليس من المنطقي الدفاع عن مؤسسة بكل أخطائها لمجرد أنها تحمل الاسم. ولا نريدها مؤسسة إغاثة بلا ولاية، ولا أن تُنقل وظائفها بينما تُترك قضيتنا بلا إطار سياسي وبلا ضمانات. القرار يعود إلينا، ولا يحق لأحد أن يقرره بدلا منا. لكن لا أحد منا يملك تفويضا بالحديث باسم ثمانية ملايين لاجئ، ولذلك أقدم ما أقوله اقتراحا نناقشه معا، لأننا إن بقينا ننتظر، سنكون كمن ينتظر عودة غودو، إذ سيملأ الآخرون الفراغ ويفرضون أجندتهم علينا.
نعم، جموع اللاجئين الفلسطينيين لا تعيش الخطر نفسه في كل مكان، ولا تواجه التحديات ذاتها، لكننا نواجه الهدف والمصير نفسيهما. في غزة والضفة، يعني التفريغ دمارا وتهجيرا وفقدان خدمات يعتمد عليها الناس اعتمادا شبه كامل. وفي القدس، يعني طردا من المكان. وفي لبنان، قيودا على العمل والتملك وفقرا يتجاوز 80 في المئة بحسب أرقام الأونروا، وأي نقل لمسؤولياتها إلى دولة منهكة كلبنان هو كارثة. وفي سوريا، نزوحا طويلا ومخيمات مدمرة. وفي الأردن، حيث معظمنا مواطنون، يعيش أبناء غزة وفلسطينيو سوريا بوضع قانوني ناقص، وأغلبهم من المعدمين، إضافة إلى هاجس التوطين ومخططات الكيان وتصريحاته بهذا الخصوص.
وهناك من هم خارج نطاق الوكالة أصلا، غير المسجلين والمهجّرون منذ 1967 والشتات البعيد، وغيابهم عن النقاش هو أيضا جزء من المشكلة. الجراح مختلفة والتحديات مركبة، لكن المستهدف واحد: صفتنا وولايتنا وسجلنا. ولا يجوز أن يقبل لاجئ في بلد ترتيبا يحفظ وضعه إذا كان ثمنه إلغاء صفة أخيه في بلد آخر! لا يكفي أن نطلب مقعدا استشاريا على هامش قرارات تُتخذ في غيابنا. المطلوب جسم تمثيلي حقيقي.
المطلوب، برأيي، "مؤتمر عام للاجئين" مهني، ينتخب مندوبوه من المخيمات والتجمعات في كل مناطق الوكالة ومن الشتات، وتنبثق عنه قيادة دائمة وفريق قانوني وسياسي وإعلامي متمرس، بتفويض صريح لمتابعة كل ما يمس السجل والأرشيف والصفة والولاية والخدمات. مؤتمر دائم لا يحل محل منظمة التحرير، بل يُلزمها بموقف ويمنعها من الحديث باسمنا من دون تفويض، ويحضر عند بحث ترتيبات غزة بوصفه طرفا لا مراقبا، وأي مساس بالسجل أو الصفة أو الولاية أو الخدمات من دون موافقته مساس غير شرعي نواجهه سياسيا وقانونيا وإعلاميا.
أقترح أن نبدأ من الأساس: لجنة في كل مخيم أو تجمع تنتخب ممثليها، وحيث يتعذر الاقتراع يجري الاختيار بالتشاور، ثم هيئة تنسيق وطنية. ويأتي الدعم من الشتات ومؤسسات المجتمع المدني لا من الحكومات، حفاظا على الاستقلالية. ولنعرف ما نريده فعلا، نحتاج إلى اجتماعات مفتوحة واستطلاعات رأي مستقلة تُنشر نتائجها، وتشاور حقيقي مع موظفي الأونروا. وإلى أن يحدث ذلك، علينا أن نتجنب كل عبارة تبدأ بـ"اللاجئون يريدون"، وهم لم يُستشاروا بالأساس.
ولا يكفي أن نلوم الآخرين، فهناك ضعف فلسطيني حقيقي في إدارة هذا الملف، وعلينا أن نسميه بأسمائه. أين الاستراتيجية المكتوبة والعملية لمنظمة التحرير تجاه مستقبل الوكالة؟ وكيف تتواصل مع المخيمات، ومن يحاسبها؟ وهل ترى الفصائل الوكالة جزءا من نظام أوسلو أم جزءا من البنية الدولية للحقوق؟ قضية اللاجئين ليست فوق الانقسام بين غزة والضفة، بل هي من ضحاياه. وأين دور اللجان الشعبية والأكاديميين والباحثين أصحاب الاختصاص ومراكز البحوث الحقيقية؟
والأونروا والأمم المتحدة لا تقلان خذلانا ومسؤولية عن الواقع المتردي. سارعت قيادة الوكالة في بداية 2024 إلى فصل موظفين قبل اكتمال التحقيق، ثم قبلت أن تتحول إلى متهمة تُثبت براءتها أمام المانحين، وبدا وكأن عليها أن تدفع ثمن كونها وكالة اللاجئين. وحين قدّم المفوض العام بالإنابة كريستيان ساوندرز الوكالة في حزيران 2026 بوصفها "داعما حيويا" لمجلس السلام واللجنة الوطنية لإدارة غزة، لم أر في ذلك تفاوضا من موقع قوة، بل تناغما ومهادنة وانصياعا مع جهات تفرض شروطا مصيرية على الوكالة وتتحدث علنا عن انتهاء أيامها. فأين الضمانات المكتوبة التي حصلت عليها مقابل ذلك؟
ولا يُعفى الأمين العام ولا الأمم المتحدة. جددت الجمعية العامة الولاية مرارا من دون توفير التمويل والحماية السياسية، وبقيت الوكالة تعمل تحت الحظر وتنزف. والأمين العام لم يحوّل رأي محكمة العدل الدولية إلى ضغط سياسي يُعتد به، وتجديد كل ثلاث سنوات يوحي بأن الوكالة مؤقتة وقابلة للتصفية. ومن يرى في هذه الوقائع قدرا محتوما فهو يغطي على قيادات سهلة الانصياع. بعد ثلاث سنوات، فشلت الوكالة وقيادة الأمم المتحدة في إثارة استشهاد المئات من عامليها ومحاسبة القاتلين، وفي حماية موظفيها من الاتهام قبل التحقق، وفي تنويع التمويل، وفي مواجهة الحظر بأكثر من بيانات عقيمة، وفي بناء علاقة سياسية حقيقية مع اللاجئين.
وفشلت المؤسسات الفلسطينية، إذ لم تقدم استراتيجية مكتوبة وتعاملت مع الملف خدميا، والفصائل لم تُخرجه من الانقسام، ولجان المخيمات بقيت متفرقة، ونقابة الموظفين، التي تمثل عشرات الآلاف، اكتفت في الغالب بالمطالب المهنية وفشلت حتى في حماية حقوق العاملين، ولم تحقق مطالبها. وكان النجاح الوحيد الواضح هو إنقاذ الأرشيف، وقد جاء من موظفين ميدانيين لا من قيادات.
ما ينبغي عمله فلسطينيا؟ ألا نقبل نقل أي وظيفة من وظائف الأونروا، لا الخدمات ولا السجل ولا الأرشيف ولا الحماية، إلى أي جهة كانت، دولة مضيفة أو وكالة أخرى أو هيئة حكم أو أي كيان يخلفها. الولاية التي منحتها الجمعية العامة لا تُجزَّأ ولا تُسلَّم. والإصلاح الذي نطالب به هو أن تُموَّل الوكالة وتُحمى وتُدار بشفافية ومساءلة، لا أن يُستخدم ذريعة لتقطيعها. وألا يُمس السجل ولا أهلية التسجيل ولا الاعتراف بالأحفاد، وألا تُحمَّل الدول المضيفة مسؤوليات الوكالة. وألا نقبل بأي ترتيب لغزة، سواء انتهت الحرب أو استمرت، يُنهي دور الوكالة أو يستبدلها أو يُخضعها لجهة لا تمثل اللاجئين. ولايتها من الجمعية العامة لا من أي مجلس أو سلطة، وأي ترتيب يمس صفتنا كلاجئين مرفوض، ولا نمنحه شرعية بالمشاركة. ونريد مساهمات مقررة جزئيا من الموازنة العادية للأمم المتحدة بدلا من التبرعات الطوعية وحدها، وصندوقا وقفيا تدعمه الدول العربية والإسلامية والشتات، وتوسيع قاعدة المانحين. وأخيرا، تفعيل لجنة التوفيق، والعمل الجاد على استحقاق تجديد ولاية الأونروا في العام 2029 من دون تغيير تفويضها ودورها، كما يخطط البعض منذ زمن.
أعتقد أن إطارا كمؤتمر عام للاجئين هو التعبير والآلية الأكثر ملاءمة.
هذه الورقة لا معنى لها إذا بقيت ورقة.
ما المطلوب؟ من اللجان الشعبية في المخيمات نريد نقاشا مفتوحا ولجانا محلية تمهد للمؤتمر العام. ومن نقابة الموظفين أن تتجاوز المطالب المهنية وتنخرط في النقاش السياسي. ومن الجاليات في الشتات أن تمول هذا المسار وتضغط على الحكومات المضيفة والمانحة. ومن منظمة التحرير استراتيجية معلنة وتقارير دورية، ومن الفصائل أن تضع ملف اللاجئين خارج الانقسام أو تمتنع، على الأقل، عن استخدامه أداة في الصراع الداخلي. ومن الأونروا شفافية أكبر في التمويل والقرارات، ودفاعا أسرع وأقوى عن موظفيها ومجتمعها.
الأونروا ليست القضية كلها، وليست بديلا عن الحل السياسي، وليست صاحبة الحق في العودة. لكنها كانت لأكثر من سبعة عقود من أهم ما أبقى قضيتنا حاضرة في حياتنا اليومية وفي المؤسسات الدولية، وما يجري اليوم محاولة لفصل هذه البنية عن القضية. فما الذي سيحل محلها، وبأي قرار، ولصالح من، وبأي ضمانات، ومن سيقرر؟ الجواب يجب أن يكون جاهزا عندنا قبل أن يُطرح السؤال علينا.
الذين يريدون إنهاء قضيتنا لا ينتظرون قرارا من الجمعية العامة ولا يراهنون على تصويت. يراهنون علينا: على صمتنا وانقسامنا وانشغالنا بالنجاة اليومية حتى ننسى أننا أصحاب قضية لا مستفيدون من خدمات.
لن يحمي السجل أحد غيرنا، ولن يحمي الأرشيف أحد غيرنا، ولن يقف في وجه نقل الصفة أحد غيرنا. وإن بقينا ننتظر بيانا من هذه الجهة أو مؤتمرا من تلك، فسنكتشف يوما أن الاسم باقٍ والقضية رحلت، وحينها لن نسأل من أغلق الأونروا، بل سنسأل: أين كنا؟
الأونروا قد تختفي وقد لا تختفي، أما قضيتنا فلن تختفي إلا إذا تخلى عنها أصحابها.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


