محمود كلّم يكتب لوطن: سمر حمد… أسئلةٌ معلّقة خلف قضبان الاعتقال

بعض الكلمات لا تنتهي بانتهاء الحديث، وبعض الأسئلة تظل مفتوحة في الذاكرة، كأن أصحابها تركوها أمانةً في أعناقنا؛ فلا نملك لها جواباً، ولا نستطيع تجاوزها بسهولة.
من بين الكلمات التي بقيت في ذاكرتي كلماتٌ كتبتها سمر حمد لي عن الشهداء:
«الحياة نفق لا بد من عبوره، وهؤلاء مصابيح تؤنس وحشتنا في عبور هذا النفق، والسعيد حقّاً هو من تعلّم كيف يصبح هو بذاته مصباحاً لمن بعده».
لم تكن هذه الكلمات مجرد عبارة جميلة، بل كانت تختصر نظرةً إلى الحياة، وإلى أولئك الذين يضيئون عتمة الآخرين، ويتركون في أرواحهم أثراً لا تمحوه الأيام.
كانت سمر تكتب بلغة أنيقة، وتعبّر عن أفكارها بعمق يترك أثره في النفس. وحين أثنيتُ على لغتها، ردّت بعبارة لا تزال عالقة في ذاكرتي:
«هذه من كاتب له وزنه الكبير بالنسبة لي، شكراً لك».
كانت كلماتها تحمل تقديراً صادقاً، وتكشف عن روح تعرف قيمة الكلمة، وتدرك ما يمكن أن تتركه من أثر في الآخرين.
وكان للشهيد نزار بنات مكان خاص في وجدانها، على الرغم من قِصر معرفتها به. فقد رأت فيه صوتاً للحرية، ورمزاً لا تنتهي حكايته برحيل صاحبه، وكتبت عنه:
«هنا الثوار لهم وقع في القلوب، كأنهم صوت القيامة الذي لا بد أن يدوي، ولو بعد حين، لهدم عروش الظالمين. لذلك نزار ومن مثله لهم مكان في قلب كل من يرنو إلى الحرية».
لكن ما ظلّ عالقاً في ذهنها لم يكن فقط ما يمثّله نزار، بل الأسئلة التي طاردتها بشأن لحظاته الأخيرة؛ أسئلة لم تجد لها إجابات، ولم تستطع أن تطوي صفحتها. فكتبت:
«للآن، وبعد كل تلك السنوات، ما زلت أحاول أن أستشف كيف كانت لحظاته الأخيرة؟! بماذا فكر؟! صورة من كانت في مخيلته؟ أي حلم كان متعلقاً بروحه وهي تغادر جسده؟ هل ابتسم ساخراً منهم؟! هل حدّق فيهم بتلك النظرات التي تقدح تحدياً وصموداً أمام عنجهيتهم؟! هل مرت أمامه السنون مودعة إياه وما كان يتمنى؟!».
ليست هذه الأسئلة مجرد محاولة لاستعادة اللحظات الأخيرة في حياة إنسان، بل هي محاولة للاقتراب من عالمه الداخلي حين تضيق المسافة بين الحياة والغياب؛ حين تتزاحم الوجوه والذكريات والأحلام في لحظة لا نعرف عنها إلا القليل.
وربما لا نجد إجابات عن كل تلك الأسئلة، لكن بقاءها مفتوحة يكشف مقدار ما تركه نزار في نفوس الذين رأوا فيه صوتاً للحرية ورفضاً للظلم. كما يذكّرنا بأن وراء كل نهاية حكايةً لا يعرف تفاصيلها كاملةً إلا صاحبها، وأن بعض الأسئلة تظل تؤلمنا لأننا لا نملك سبيلاً إلى إجاباتها.
وبين أسئلة سمر حمد التي ظلّت معلّقة أمام غياب نزار بنات، ومعاناة علاء الريماوي القابع خلف قضبان الاعتقال، تمتدّ حكاية ألمٍ فلسطيني واحد؛ شهيدٌ غاب وترك خلفه أسئلةً لا تهدأ، ومعتقلٌ ينتظر الحرية بعيداً عن أحبّته، وامرأةٌ بقيت كلماتها شاهدةً على حكاية وطنٍ أنهكه الألم، ولم يفقد إيمانه بالحرية. وكأن الحكاية، رغم اختلاف الوجوه والمصائر، تكتب السؤال ذاته من جديد؛ كم من المعاناة ينبغي لفلسطين أن تحتمل، وكم من المحن عليها أن تجتاز قبل أن ترى أبناءها أحراراً؟
ومع كل هذا الألم، لم تفقد سمر إيمانها بفلسطين، ولم تسمح لعتمة الحاضر أن تطفئ نور المستقبل. وحين تحدثت عن حلم التحرير، كتبت بثقة:
«بإذن الله في فلسطين المحررة بلا أدنى شك».
لم تكن الحرية في وجدانها أمنيةً عابرة، بل حقاً لا يسقط مهما طال الطريق، وأملاً يستمد بقاءه من إيمان أصحابه بعدالة قضيتهم. كانت فلسطين، بكل ما يثقلها من احتلال وجراح، حاضرةً في وجدانها بوصفها وطناً يستحق الحرية، وحلماً لا يُطفئه طول الانتظار.
وفي كلماتها التي أحتفظ بها، كان هناك نداء صادق من قلب الضفة الغربية، حيث يشتد الألم، ويصبح الدعاء شكلاً من أشكال التضامن والمحبة. قالت لي:
«وأنت لا تنسانا من الدعاء فنحن هنا أحوج المحتاجين إلى دعاء الصادقين بحبهم وودهم لهذه الأرض».
لم تكن سمر تطلب الكثير؛ كانت تطلب دعاءً لأرض تحبها، ولأناس يواجهون أياماً ثقيلة، ولأمل يريد أصحابه أن يبقى حياً رغم كل ما يحيط بهم من ألم.
واليوم حين أعود إلى كلماتها، أجد فيها أكثر من رسائل متبادلة؛ أجد أثراً إنسانياً يستحق أن يُروى، وصوتاً يحمل أسئلةً لم تجد إجاباتها، وأمنياتٍ لا تزال معلّقة بين قسوة الواقع واتساع الأمل.
فخلف كل اسم حكاية، وخلف كل اعتقال أسئلة لا تجد جواباً، وخلف كل رسالة إنسانٌ له أحلامه ومخاوفه وتطلعاته. وحين يُحرم الإنسان من مواصلة حكايته بحرية، تصبح كلماته شاهداً على ما أراد قوله، وعلى ما لا ينبغي للذاكرة أن تنساه.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


