حنان قاعود تكتب لوطن: الانتخابات والحوار الوطني: موقع الناس والمشروع التحرري

10.10.2026 10:03 PM

ما يزعجني في السجال الدائر حول تأجيل الانتخابات هو تراجع حضور الناس ومطالبهم في النقاش. فالناس أصحاب الحق في المشاركة في القرار، وتحديد أولوياتهم، ومساءلة من يتولى إدارة شؤونهم. ومن هذا الحق تستمد الانتخابات قيمتها، ويستمد الحوار الوطني المُعلن معناه وجدواه.

قرأنا بيانات صحفية تتناول التأجيل وتورد أسبابًا له، تحتاج مناقشتها إلى تقدير أثر العوائق المذكورة في إمكان إجراء الانتخابات، وتوضيح العمل الذي سيجري لمعالجتها خلال مدة التأجيل. كما يحتاج الاعتراض إلى بيان ما يمكن أن تحققه الانتخابات في الظروف الراهنة، وكيف تتيح للفلسطينيين مشاركة مؤثرة في القرارات التي تحدد حياتهم ومستقبلهم.

يتصل هذا النقاش بطبيعة الحقل السياسي الفلسطيني، وبالعلاقة بين مؤسساته والمجتمع الذي من المفترض أن تستمد منه شرعيتها. فالانتخابات تتيح تجديد التمثيل، وتحتاج فاعليتها إلى مؤسسات تستجيب للمطالب العامة، وتخضع للمساءلة، وتملك اختصاصات واضحة وقدرة على تنفيذ قراراتها. وتقتضي مناقشتها النظر في المجال السياسي الذي ستعمل داخله، وفي حدود قدرتها على التأثير في واقع يخضع للسيطرة الاستعمارية.

الناس تريد زيتونها ولقمة عيشها، والوصول إلى أرضها، والأمان في بيوتها، ومستقبلًا لأبنائها. وتريد الحرية والكرامة وتقرير المصير. تحمل هذه المطالب مضمونًا سياسيًا يتصل بالسيطرة على الأرض والموارد، وبالقدرة على حماية الحياة وتنظيمها. ومن هنا تنبع ضرورة وصل التمثيل السياسي بهذه المطالب، وتوضيح موقع المؤسسات في غياب مشروع وطني جامع يسعى إلى مواجهة الاستعمار وإنهائه، ويعزز قدرة الفلسطينيين على الفعل.

ويقتضي ذلك التمييز بين وظائف منظمة التحرير ومهمتها التحررية التي تأسست لأجلها، ومؤسسات السلطة، وتحديد العلاقة بينهما. فإدارة الشؤون العامة تستدعي مؤسسات كفؤة وخاضعة للمساءلة، فيما يتطلب التحرر تنظيمًا وطنيًا جامعًا يستوعب الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم. ويساعد وضوح هذه العلاقة في تحديد ما ننتظره من الانتخابات التشريعية، وما يحتاج إلى أطر أوسع للتمثيل والعمل الوطني.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية "الحوار الوطني" ومسؤوليته. فالحوار الذي يتناول مستقبل الشعب الفلسطيني يحتاج إلى أهداف معلنة، وأسس واضحة للمشاركة والتمثيل واتخاذ القرار. كما يحتاج إلى بيان علاقته بالمؤسسات القائمة، وبالناس الذين ستؤثر نتائجه في حياتهم. وتُقاس جدواه بقدرته على معالجة الخلافات السياسية، وصياغة توجهات مشتركة، وتحديد مسؤوليات تنفيذها.

تتعدد خبرات الفلسطينيين في غزة والقدس والضفة والشتات، وتتفاوت الظروف التي يعيشونها والأعباء التي يتحملونها. ويقتضي بناء مشروع جامع إتاحة المجال لهذه الخبرات كي تسهم في تحديد الأولويات. وللنساء والشباب والعاملين والمزارعين وسائر الفئات الاجتماعية مصالح ومعرفة بالواقع تستحق حضورًا مؤثرًا في الحوار. ويتحقق هذا الحضور من خلال صيغ مشاركة واضحة، وصلات مستمرة بين المشاركين والفئات التي يمثلونها، وإتاحة النقاش العام حول ما يتوصلون إليه.

ويحتاج الحديث عن المشروع الوطني إلى مضمون محدد يتصل بإنهاء الاستعمار، وحماية الوجود الفلسطيني، واستعادة قدرة الناس على تقرير مصيرهم. ويشمل ذلك مناقشة موقع المقاومة، وأشكالها وأهدافها، وعلاقتها بالعمل السياسي والتنظيم المجتمعي. وتقتضي المسؤولية تقدير جدوى الخيارات وكلفتها ونتائجها، والاستماع إلى الناس الذين يتحملون آثارها، وربط القرار بقدرة المجتمع على الاستمرار والمشاركة.

أما مدة التأجيل فتستدعي برنامج عمل يوضح العوائق التي ستجري معالجتها، والجهات المسؤولة، والخطوات التي يمكن متابعتها وتقييمها. ويحتاج الحوار الوطني إلى بيان ما سيضيفه إلى هذا العمل، وكيف سيسهم في توسيع المشاركة وإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته. فالثقة تنمو حين يجد الناس أثرًا لمطالبهم في القرار، وحين يستطيعون مساءلة المسؤولين عن تنفيذه.

أرى أن النقاش حول الانتخابات وتأجيلها والحوار الوطني يحتاج إلى هذا الاتساع: علاقة المؤسسات بالناس، وعلاقة التمثيل بالمساءلة، وعلاقة إدارة الشؤون العامة بالمشروع التحرري. وعلى هذا الأساس تتحدد قيمة المسارات المطروحة بقدرتها على تمكين الفلسطينيين من حماية حياتهم وأرضهم، وتنظيم فعلهم الجماعي، والمشاركة في تقرير مستقبلهم.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير