خالد فحل يكتب لوطن: كوبر تقاوم النسيان بالصورة... حين تصبح الذاكرة وطنًا

هناك أشياء يمكن للزمن أن يمحوها، لكن هناك أشياء ترفض أن تُمحى.
من بينها الصورة.
الصورة لا تكذب. قد تُهدم البيوت، وتتغير ملامح الأماكن، وتغيب الأسماء، ويرحل أصحابها، وقد تمتد محاولات الطمس والإلغاء إلى الذاكرة نفسها، لكن الصورة تبقى شاهدة؛ تحفظ وجهًا، وبيتًا، وشارعًا، وملامح حياة كانت هنا ذات يوم، وتقول للأجيال القادمة: هؤلاء عاشوا هنا، وهذه حكايتهم.
من هنا تبدو مبادرة صفحة «كوبر لإحياء التراث» أكثر من مجرد استعادة لصور قديمة. إنها محاولة لاسترداد الذاكرة من يد النسيان.
الصفحة تعيد نشر صور أبناء بلدة كوبر الذين رحلوا، وتعمل على ترميم الصور القديمة وتحسين جودتها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل وتحويل بعضها إلى مقاطع قصيرة تمنح الوجوه حركة وحضورًا من جديد. وجه كان حبيس صورة باهتة يعود ليطل على الناس، ليس ليعيش من جديد، وإنما ليذكّر الأحياء بأن وراء كل صورة إنسانًا وحكاية وزمنًا ووطنًا.
وهنا تكمن قيمة الفكرة.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يرمم الصورة، لكنه لا يستطيع أن يختلق الذاكرة. يستطيع أن يمنح الصورة حركة، لكنه لا يستطيع أن يمنحها التاريخ. لذلك تبقى قيمة هذه التقنيات في خدمة الحقيقة، لا في صناعة حقيقة جديدة؛ وفي إعادة الاعتبار إلى الوثيقة القديمة، مع الحفاظ على وضوح أنها صورة جرى ترميمها أو تحريكها رقميًا.
كل صورة قديمة هي وثيقة صامتة تقول: هنا عاش إنسان، هنا كانت عائلة، هنا كان بيت، هنا كان شارع، وهنا كانت فلسطين بتفاصيلها اليومية التي لا تكتبها كتب التاريخ دائمًا.
ولهذا فإن ما تفعله كوبر يستحق أن يتجاوز حدود البلدة.
لماذا لا تتحول الفكرة إلى مشروع فلسطيني واسع؟
لماذا لا يكون في كل قرية فلسطينية، وفي كل مدينة ومخيم، أرشيف شعبي للصور القديمة؟ لماذا لا تُجمع صور الأجداد والآباء، وصور البيوت القديمة، والمدارس، والأسواق، والأعراس، والحقول، والحارات، والعمال، والفلاحين، والمعلمين، والنساء، والأطفال؟ لماذا لا تُحفظ إلى جانب الصورة أسماء أصحابها وقصصهم وتواريخهم، حتى لا تتحول الذاكرة إلى وجوه مجهولة؟
من الخليل إلى نابلس، ومن القدس إلى جنين، ومن رام الله إلى غزة، ومن أصغر قرية إلى أكبر مدينة، هناك آلاف الصور التي تختبئ في أدراج البيوت وصناديق العائلات. صور قديمة بدأت تتآكل أطرافها، لكن قيمتها تزداد كلما ابتعد الزمن عن اللحظة التي التقطت فيها.
هذه الصور ليست مجرد حنين.
إنها جزء من الرواية الفلسطينية.
وفي مواجهة محاولات الاقتلاع والتهجير وتغيير أسماء الأماكن وطمس ملامحها، يصبح حفظ الذاكرة فعلًا ثقافيًا ووطنيًا. فحين تحفظ صورة بيتك القديم، فأنت لا تحفظ جدرانًا فقط؛ أنت تحفظ حقك في أن تقول: كان لنا هنا مكان. وحين تحفظ صورة جدك أو جدتك، فأنت لا تحفظ وجهًا فقط؛ أنت تحفظ امتدادًا بشريًا لا يمكن اختصاره في سطر من كتاب.
الذاكرة هي آخر ما يبقى للإنسان حين يحاول الآخرون أن يقولوا له: لم تكن هنا.
وفلسطين تقول: كنا هنا... وما زلنا هنا.
ولهذا، فإن بلدة كوبر تستحق الثناء؛ لأنها لم تنظر إلى صور الراحلين باعتبارها صورًا قديمة انتهى زمنها، بل رأت فيها ذاكرة يجب أن تبقى، وأسماء يجب ألا تُنسى، ووجوهًا تستحق أن تعود إلى المشهد من جديد.
وتستحق الثناء صفحة «كوبر لإحياء التراث» وكل من يقف خلفها؛ لأنها تقدم نموذجًا يمكن أن تحتذي به كل قرية ومدينة فلسطينية.
فما تفعله كوبر اليوم يمكن أن يصبح مشروعًا وطنيًا غدًا: أن تستعيد كل بلدة صور أبنائها، وأن تجمع حكاياتهم، وأن تحفظ أرشيفها، وأن تستفيد من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في ترميم الصور وإحيائها، حتى تصل هذه الذاكرة إلى الأجيال الجديدة بلغة تفهمها وتستطيع التفاعل معها.
كوبر هنا لا تحفظ ماضيها فقط؛ إنها تفتح الطريق أمام فلسطين كلها لتحفظ ذاكرتها.
فالشعوب التي تحفظ وجوه أبنائها لا تخاف على هويتها.
والصورة التي تنجو من النسيان... قد تنقذ وطنًا كاملًا من أن يُنسى.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


