طاهر تيسير المصري يكتب لوطن: سيداويات وسيداويون ومنابر

07.09.2026 11:32 AM

 أحياناً يبدو لي أن المرأة، في كثير من نقاشاتنا حول النوع الاجتماعي، هي آخر من يُسأل عن المرأة. يتحدث باسمها رجال ونساء، مؤسسات وناشطون ودعاة وخصوم للناشطين، وكل طرف تقريباً يعتقد أنه يعرف مصلحتها، وما يناسبها، وما يهددها، وما ينبغي أن تكون عليه. وفي زحمة هذا اليقين يراودني سؤال مربك هو ماذا لو لم تكن القضية، في بعض الأحيان، قضية المرأة أصلاً؟ ماذا لو تحولت إلى ساحة للصراع على السلطة والمكانة والمال والاعتراف الاجتماعي، فيما تبقى المرأة عنواناً مناسباً لمعركة تجري فوق رأسها؟.

أنا أؤمن بالمساواة، وبأن كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية لا ينبغي أن تتغير بتغير جنسه. وأؤمن في الوقت نفسه بأن المساواة لا تعني إنكار الاختلاف البيولوجي بين النساء والرجال، ولا تجاهل الاحتياجات التي تفرضها طبيعة الجسد وظروف الحياة. فالعدل لا يقوم على الادعاء بأن البشر متطابقون، بل على منع الاختلاف من أن يتحول إلى ذريعة للهيمنة أو الانتقاص أو حرمان الإنسان من حقه في الاختيار.
لم أتعلم هذه الفكرة أول مرة من كتاب، ولا من دورة تدريبية، ولا من مؤسسة تعمل في مجال النوع الاجتماعي. تعلمتها من أمي الأمية. كانت، من دون أن تعرف كلمة "الجندر"، تعلمني منذ صغري أن أخواتي لسن موجودات لخدمتي لأنني ذكر؛ أن أنهض لأحضر كأس الماء بنفسي، وأن أرتب أغراضي وأتحمل مسؤولية شؤوني، وأن أحترم خصوصيتهن ولا أعتبر نفسي صاحب حق في التدخل في حياتهن لمجرد أنني الأخ. لم تكن تعرف قاموس الحقوق، لكنها صنعت داخل البيت معنى للمساواة أكثر عمقاً من كثير من الكلمات التي نسمعها اليوم.
ومن هنا يبدأ ارتباكي؛ إذا كانت امرأة أمية تستطيع أن تزرع هذه القيمة من دون أن تعرف اسمها النظري، فماذا تضيف المصطلحات إذا لم تغير سلوك الإنسان؟ وهل يصبح المرء أكثر عدالة لمجرد أنه أتقن لغة العدالة؟.
ويعود هذا السؤال إلى ذهني عندما أرى مؤسسة تتحدث عن حقوق النساء ثم تستعين بمدرب أو خبير لا ينسجم سلوكه الفعلي مع القيم التي يدرّسها، أو حين تكون لنا تجارب مباشرة مع أشخاص يتعاملون مع النساء باستعلاء أو انتقاص، ثم يظهرون في قاعات التدريب بوصفهم مدافعين عن المساواة. المشكلة هنا ليست في أن يحصل الإنسان على أجر مقابل عمله في مجال حقوق النساء؛ فالعمل المهني مشروع، والجهد يستحق مقابلاً. المشكلة تبدأ عندما تنفصل القضية عن القناعة، وتتحول إلى مهنة يمكن للمرء أن يعيش منها من دون أن يعيش قيمها.
وهنا لا يمكن تجاهل السؤال عن المصلحة. هل يمكن لإنسان أن يبني دخله ومكانته المهنية على الدفاع عن النساء، فيما تكشف ممارساته اليومية عن علاقة بالنساء تناقض الخطاب الذي يقدمه؟ وهل يمكن أن تتحول القضية العادلة نفسها إلى سلعة، تصبح فيها المرأة موضوعاً لمشروع أو تقرير أو تدريب أكثر من كونها إنساناً ينبغي احترامه؟
لكن الطرف المقابل ليس بمنأى عن هذا السؤال. فبعض من يهاجمون مفهوم النوع الاجتماعي أو الناشطات النسويات يستخدمون منابر دينية أو اجتماعات عائلية ومناسبات عامة في التحريض والتشهير وإثارة الخوف. وقد لا يكون الدافع دائماً مجرد الدفاع عن الدين أو الأسرة أو القيم كما يُعلن. فالموقف المتشدد يمكن هو الآخر أن يصنع لصاحبه مكانة، ويمنحه صورة الرجل الحامي الذي يتقدم الصفوف للدفاع عن المجتمع.
وفي بعض البيئات تصبح السيطرة على النساء واحدة من الطرق التي يثبت بها الرجل رجولته أمام الآخرين. بدلاً من أن تُقاس الرجولة بالمسؤولية والنضج والقدرة على حماية كرامة من حوله، تصبح مرتبطة بإصدار الأوامر، والتدخل في خيارات النساء وتفاصيل حياتهن. وهنا يراودني سؤال؛ هل يخاطب الرجل المرأة حين يمارس سلطته عليها، أم أنه يخاطب رجالاً آخرين يريد أن يثبت أمامهم أنه "رجل" وفق الصورة التي صنعها المجتمع للرجولة؟.
ربما لهذا لا يكفي أن نسأل مَن مع حقوق النساء ومَن ضدها؟ فالسؤال باعتقادي يمكن أن يكون: ماذا تمنح الفكرة لصاحبها؟ قد يمنح خطاب الدفاع عن النساء شخصاً دخلاً أو مكانة مهنية أو قبولاً في فضاء مؤسساتي معين، كما قد يمنح الهجوم على هذه الأفكار شخصاً آخر وجاهة وسلطة داخل جماعته. تختلف اللغة، ويختلف الجمهور، لكن الإنسان يظل قادراً على تحويل المبادئ إلى أدوات لبناء موقعه الشخصي.
وهذا لا يعني أن كل ناشط انتهازي، أو أن كل معارض لفكرة الجندر يبحث عن السلطة، أو أن المؤسسات النسوية تعمل بدافع المصلحة وحدها، كما لا يعني أن كل من ينطلق من موقف ديني أو اجتماعي محافظ يمارس التحريض. التعميم ظلم من نوع آخر. لكن من حقنا أن نسأل عن المسافة بين الفكرة والمصلحة، وبين الخطاب والسلوك، وأن نرفض منح أي طرف حصانة أخلاقية لمجرد أن الشعار الذي يرفعه يبدو نبيلاً.
فالأفكار لا تولد في الفراغ. نظرتنا إلى المرأة وإلى الرجل والأسرة والعمل والسلطة هي نتاج تاريخ وثقافة وعلاقات اجتماعية واقتصادية تراكمت عبر زمن طويل. وما يعتبره مجتمع ما طبيعياً وثابتاً قد يكون في جانب منه نتاجاً لظروف تاريخية قابلة للتغير. ولهذا تختلف مكانة المرأة ودورها من مجتمع إلى آخر، وتتغير هذه النظرة كلما تغيرت شروط الحياة والتعليم والعمل والعلاقات داخل الأسرة.
المشكلة تبدأ عندما نعامل ما صنعه التاريخ وكأنه حقيقة أبدية، أو حين نذهب إلى الطرف الآخر فنعتقد أن المجتمع يمكن تغييره بمجرد تقديم مفردات جديدة وفرضها عليه. لا يكفي أن تكون الفكرة صحيحة في نظر أصحابها حتى تصبح طريقة فرضها صحيحة أيضاً. فالناس لا يتغيرون بالإهانة، ولا يصبح المجتمع أكثر وعياً عندما يُعامل وكأنه كتلة جاهلة يجب إعادة تشكيلها.
لهذا أنا ضد التكفير والتخوين والتحريض، وضد استخدام الدين لإغلاق باب النقاش، كما أرفض استخدام الحداثة أو حقوق الإنسان بوصفها سلطة أخلاقية جديدة لاحتقار المختلفين. لا يمكن بناء مجتمع صحي بمنطق الإقصاء، سواء جاء الإقصاء باسم المقدس أو باسم التقدم. وما نحتاجه ليس انتصار معسكر على آخر، بل خلق مساحة يستطيع الناس فيها أن يختلفوا من دون أن يسلب بعضهم بعضاً الحق في الكرامة.
وربما هنا يظهر السؤال الأكثر عمقا والحاحاً: هل نريد فعلاً تحرير الإنسان، أم نريد استبدال سلطة بسلطة؟ وما قيمة الدفاع عن الحرية إذا كان المدافع عنها لا يحتمل المختلف معه؟ وما قيمة الدفاع عن الأخلاق إذا كانت وسيلته التحريض والإهانة؟ وما الرجولة إذا كانت تحتاج إلى امرأة أضعف حتى تثبت نفسها؟ وما الدفاع عن النساء إذا أصبحت النساء مجرد أرقام في تقرير أو سُلماً لمهنة أو مكانة؟.
من نكون عندما تسقط عنا عناويننا؛ ناشطاً كنت أم داعية، تقدمياً أم محافظاً، مدرباً أم مثقفاً؟ ماذا يبقى منا عندما لا توجد قاعة تدريب، ولا منبر، ولا جمهور، ولا كاميرا، ولا تقرير أو خبر صحفي نكتب فيه عن إنجازاتنا؟ ربما هناك تحديداً يظهر مقدار ما نؤمن فعلاً بالقيم التي نتحدث عنها.
لهذا أعود دائماً إلى أمي وإلى ذلك الدرس الصغير الذي لم تعرف له اسماً: قم وأحضر كأس الماء بنفسك. جملة بسيطة، لكنها كانت تعيد ترتيب علاقة كاملة بالقوة والمسؤولية والمرأة. كانت تقول من دون تنظير: أختك ليست أقل منك، وليست موجودة لخدمتك، وأنت لست أكثر استحقاقاً منها لأنك ولدت ذكراً.
وربما تبدأ المجتمعات العادلة من هذه التفاصيل الصغيرة أكثر مما تبدأ من الشعارات الكبرى. فالمساواة ليست مؤتمراً، والنوع الاجتماعي ليس مجرد مصطلح، والحرية لا تُقاس بعدد المرات التي نتحدث عنها. الامتحان الحقيقي يبدأ عندما نمتلك سلطة على إنسان آخر، وتكون لدينا القدرة على إخضاعه، ثم نختار ألا نفعل. ربما هناك فقط يصبح احترام الإنسان أكثر من فكرة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير