يونس العموري يكتب لوطن: تأجيل المؤجل

كثر الحديث في الاونة الاخيرة عن التأجيل، وعن مواعيد تأجلت، ومواعيد تنتظر ان تتأجل، واستحقاقات صار لها اكثر من موعد واكثر من اجل، حتى لم نعد نعرف ان كان الموعد ينتظرنا، ام اننا نحن الذين ننتظر موعدا لا يأتي. وكلما اقترب اجل، ظهر من يقول ان الاجل لم يحن بعد، وكلما حان موعد، اكتشفنا ان الظروف لم تنضج، وان المؤجل يحتاج الى تأجيل، وان المؤجل الى اجل جديد، وان ما كان عاجلا يمكن ان يصبح آجلا بقرار، وما كان آجلا يمكن ان يتحول الى مؤجل بمجرد ان تقترب لحظة استحقاقه.
يبدو اننا اكتشفنا حلا عبقريا لكل ما استعصى علينا .. نؤجله. لا نحله، ولا نرفضه، ولا نقرر بشأنه، فقط نؤجله. وهكذا يتحول العاجل الى آجل، والآجل الى مؤجل، والمؤجل الى مؤجل مؤجل، ثم نبحث له عن اجل جديد، ونحتفل كأننا انجزنا شيئا. وربما انجزنا فعلا: نجحنا في تأجيل الفشل، وتأجيل الحساب، وتأجيل الاعتراف، وتأجيل السؤال، الى ان صار التأجيل نفسه انجازا سياسيا يستحق ان يروى للاجيال.
نحن بارعون في صناعة الاجل، لا في بلوغه. نحدد الموعد كي نؤجله، ونضع الاستحقاق كي نعيد النظر فيه، ونعلن الالتزام كي نطلب وقتا اضافيا لتنفيذه. وكلما اقترب الاجل، ظهر من يكتشف ان الاجل لم يحن بعد. ثم يأتي اجل اخر، فنؤجله ايضا، الى ان يصبح السؤال ليس متى نصل الى الاجل، بل كم اجلا نحتاج كي لا نصل اليه.
وللتأجيل عندنا قاموس كامل. نعيد ترتيب البيت، نراجع القوانين، نستكمل المشاورات، نهيئ الظروف، ننتظر اللحظة المناسبة، نحافظ على الوحدة، ندرس الخيارات، ونحذر من الاستعجال. عبارات تبدو في ظاهرها شديدة الحكمة، لكنها في كثير من الاحيان ليست اكثر من عبوات لغوية انيقة تخفي عجزا فظا عن اتخاذ القرار. فبدلا من ان نقول لا نريد، نقول لم يحن الوقت. وبدلا من ان نقول لا نستطيع، نقول الظروف لا تسمح. وبدلا من ان نعترف باننا خائفون من كلفة القرار، نقول ان المصلحة الوطنية تحتاج الى مزيد من الوقت... وهكذا صار الوقت شماعة نعلق عليها كل ما لا نملك شجاعة حمله...
حتى الانتخابات، وهي استحقاق لا ينبغي ان يبقى رهينة المواعيد المؤجلة، يمكن ان تصبح مناسبة جديدة لتأجيل كل شيء. نؤجلها بحجة ترتيب البيت الداخلي، او مراجعة القوانين، او ضمان مشاركة القدس، او انتظار امكانية اجرائها في غزة. وبعض هذه الاسباب جدي، وبعضها لا يمكن تجاهله، لكن الخطر يبدأ حين تصبح الاسباب، مهما كانت وجيهة، ماكينة تنتج اسبابا جديدة للتأجيل. فمتى يصبح ترتيب البيت بديلا عن دخوله؟ ومتى تصبح حماية الوحدة ذريعة لابقاء الانقسام؟ ومتى يتحول انتظار الظروف المناسبة الى طريقة لضمان الا تأتي الظروف المناسبة ابدا؟
وهنا تكمن حيلة التأجيل .. انه لا يقول لك ان الاستحقاق لن يحدث، بل يقول لك انه سيحدث لاحقا. و (لاحقا ) هذه هي اكثر الكلمات راحة لمن لا يريد ان يقول (لا ). ففيها وعد بلا التزام، وموعد بلا تاريخ، وقرار بلا قرار. يستطيع صاحبها ان يبدو حريصا، عاقلا، متأنيا، وطنيا، فيما هو في الحقيقة يشتري لنفسه مزيدا من الوقت، ويترك كلفة الانتظار لغيره.
فالذي يؤجل لا يدفع ثمن التأجيل دائما. هناك من يملك ساعة القرار، وهناك من يعيش داخل ساعة الانتظار. الاول يمدد الوقت، والثاني يستهلكه. الاول يطلب التأجيل، والثاني يدفع عمره ثمنا له.
والمفارقة ان الزمن لا يتعامل معنا بالطريقة التي نتعامل بها معه. نحن نؤجل، اما الاحتلال فلا يؤجل. نحن ننتظر، اما الاستيطان فلا ينتظر. نحن نراجع، اما الخراب فلا يراجع نفسه. نحن نبحث عن اللحظة المناسبة، بينما تتسع اللحظة غير المناسبة كل يوم. ما نؤجله يحتاج الى قرار، وما لا نؤجله يحتاج فقط الى غياب القرار كي يكبر.
وهذا ربما هو اكثر ما يفضح كذبة التأجيل .. ان المؤجل لا يبقى مؤجلا. المؤجل يعمل في غيابنا. يتراكم، ويتشعب، ويستولد مؤجلات اخرى. المصالحة المؤجلة تنتج انقساما اطول، واصلاح النظام المؤجل ينتج نظاما اكثر ترهلا، والمحاسبة المؤجلة تجعل الخطأ عادة، وتجديد الشرعية المؤجل يجعل الشرعية نفسها سؤالا، واعادة بناء المؤسسات المؤجلة تجعل المؤسسات هياكل تنتظر من يعيد اليها معناها.
نحن لا نؤجل القضايا فقط، بل نؤجل استحقاق مواجهتها. وهذا فرق كبير. القضية قد تحتمل بعض الوقت، لكن الخوف لا ينبغي ان يحصل على وطن كامل من الوقت.
لقد اصبح التأجيل عندنا اشبه بنظام ادارة. لا يحتاج الى قانون، ولا الى تصويت، ولا الى مرسوم. يكفي ان تقترب من ملف حساس حتى يظهر لك من يطلب تأجيله حفاظا على المصلحة. وكلما سألت عن المصلحة، وجدت مصلحة اخرى تحتاج الى تأجيل. وكلما سألت عن الموعد، قيل لك .. حين تنضج الظروف. وحين تسأل .. ومتى تنضج؟ يقال لك .. عندما يصبح الوقت مناسبا... وهكذا ندور في الدائرة نفسها، ثم نسمي الدوران سياسة.
الاخطر من ذلك ان التأجيل يمنح العجز هيئة الحكمة. يجعل المتردد حكيما، والخائف متأنيا، والعاجز حريصا، والصامت مسؤولا، ومن يطلب الحسم متهورا. فجأة يصبح صاحب السؤال هو المشكلة، لا المشكلة التي يسأل عنها. ويصبح من يقول ( متى؟ ) اكثر ازعاجا ممن جعل (لاحقا ) عقيدة سياسية.
وليس صدفة ان بعض القرارات عندنا لا تموت، بل تؤجل. فالقرار المؤجل يظل صالحا للاستخدام عند الحاجة، مثل ورقة محفوظة في درج سياسي. يمكن الحديث عنه عند الخطابة، واستدعاؤه عند الازمات، والتذكير به عند المناسبات، من دون ان يضطر احد الى ارتكاب فعل اسمه التنفيذ. وهكذا نحتفظ بالقرار نظريا، ونتخلص من مسؤوليته عمليا.
ثم نكتشف ان لدينا اجيالا كاملة من المؤجلين. جيل ينتظر المصالحة، وجيل ينتظر الانتخابات، وجيل ينتظر الاصلاح، وجيل ينتظر استعادة المعنى، وجيل ينتظر ان يصبح للوطن نظام يحميه بدل ان يصبح الوطن ساحة مفتوحة لصراعات النظام. وكل جيل يرث من الذي قبله ملفا مؤجلا، فيضيف اليه ملفاته، ثم يسلمه الى الجيل الذي بعده باسم الحكمة والصبر والظروف. وهكذا لا نترك للاجيال القادمة وطنا اكثر استقرارا، بل نترك لها ارشيفا من المؤجلات.
وربما هنا تبلغ السخرية مداها .. نحن لا نخشى ان يضيع المستقبل، لكننا نخشى ان نستعجل الوصول اليه. نؤجل الحاضر بحجة المستقبل، ثم نؤجل المستقبل بحجة ان الحاضر لم يتهيأ له. وفي كل مرة نؤجل فيها شيئا، نقنع انفسنا اننا اشترينا وقتا، بينما الحقيقة اننا بعنا وقتا لا نملكه.
لان الوقت ليس ملكا لصاحب القرار وحده. هناك وقت لمن ينتظر، ووقت لمن يدفع، ووقت لمن يكبر، ووقت لجيل كامل لا يستطيع ان يقول .. اعد لي سنواتي التي اجلتموها.
التأجيل ليس دائما خيانة للقرار، لكنه يصبح كذلك حين نعرف ان القرار واجب ونؤجله كي نتجنب كلفته. وليس كل تأجيل جبنا، لكن تحويل التأجيل الى قاعدة يعني ان الخوف صار شريكا في صناعة القرار. وعندما يصبح الخوف صاحب حق في تمديد الاجل، لا يعود السؤال عن القرار فقط، بل عن الذين يملكون شجاعة اتخاذه. لقد طال بنا الاجل حتى نسينا لماذا كان هناك اجل اصلا.
صرنا نؤجل المؤجل، ونمدد الممدد، وننتظر المنتظر، ثم نتساءل لماذا لم يتغير شيء. وكأننا لم نفهم بعد ان الشيء الوحيد الذي ينجح التأجيل في تغييره هو حجم المشكلة. كل تأجيل صغير يلد تأجيلا اكبر، وكل موعد مؤجل يرفع كلفة الموعد التالي، الى ان يصبح الوصول الى القرار اكثر صعوبة من القرار نفسه. وحينها لا يعود المؤجل ملفا على الطاولة، بل يصبح هو الطاولة. وربما لهذا لم تعد مشكلتنا ان لدينا قضايا كثيرة مؤجلة. مشكلتنا الاعمق ان التأجيل نفسه صار قضية مؤجلة، واننا حتى هذه القضية لا نريد مواجهتها. نؤجلها ايضا... الى اجل غير مسمى... والاجل، كما نعرف، قد يعني الموعد الذي ننتظره، وقد يعني النهاية التي لا نستطيع تأجيلها. وبين المعنيين مسافة لا تبدو كبيرة كما نظن. فكلما اكثرنا من التأجيل، اقترب الاجل الاخر .. اجل الحساب... وحين يأتي، لن يسألنا كم مرة اجلنا... سيسأل فقط ..ماذا فعلتم بكل هذا الوقت؟
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


