سامي مشعشع يكتب لوطن: مفقودو غزة ومن تحت الركام: حين يفشل الصليب الأحمر في تنفيذ تفويضه ورسالته

بعد ثلاث سنوات من الحرب على غزة، تضع الهيئات الفلسطينية عدد المفقودين بقرابة ١١ ألف شخص. وتقدر وزارة العدل الفلسطينية أن أكثر من ٤٧٠٠ امرأة وطفل من بينهم ما زالوا في عداد المفقودين، وأن جلهم تحت الأنقاض. أما منظمات إغاثية، وعلى سبيل المثال مؤسسة "إنقاذ الطفل"، فتقدر أن ما بين ٤٠٠٠ إلى ٦٠٠٠ طفل قد يكونون مدفونين تحت المباني التي دمرت. رقم مهول وموجع ويكسر الروح.
وبحسب حصيلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر نفسها، فقد ساعدت المنظمة، منذ تشرين الأول ٢٠٢٣، في إعادة ١٩٥ رهينة، بينهم ٣٥ متوفى، و٣٤٧٢ معتقلا، كما سهلت نقل جثامين ٣٦٠ فلسطينيا إلى غزة. وهذه جهود لا ينبغي التقليل من شأنها، ولكن أمام نحو ١١ ألف حالة مفقود، وآلاف العائلات التي لا تزال تنتظر جوابا عن مصير أحبائها، فإنها تبقى جهدا متواضعا وبعيدا عن المطلوب.
للصليب الأحمر الدولي تفويض واضح وخبرة متراكمة في البحث عن الأشخاص المفقودين بسبب الحروب، وتعقب مصيرهم وإعادة الصلة بينهم وبين عائلاتهم. وفي بيانه المثير للخيبة، والصادر في ٣٠ آب، أكد ما تعرفه العائلات الفلسطينية منذ زمن: أن العيش في حالة من عدم اليقين لا يحتمل، وأن أحباءها قد يكونون تحت الركام أو محتجزين في مكان مجهول أو ببساطة لا يعرف أين هم. لكن أكثر ما يلفت في بيان المنظمة هو ما يكشفه بين سطوره. فهي تقر بأن القدرة على إجراء أعمال الطب الشرعي في غزة ما زالت محدودة بصورة شديدة، وأنه لا توجد حاليا مرافق لإجراء فحوص الحمض النووي. إن هذا ليس مجرد عائق تقني آخر في ملف إنساني بالغ التعقيد، بل إقرار صادم بفجوة هائلة بعد ثلاث سنوات من الكارثة، ومن مؤسسة دولية تمتلك، بحكم تفويضها وخبرتها، دورا أساسيا في التعامل مع حالات المفقودين في الحروب عالميا.
نعم، حجم الدمار في غزة استثنائي، والوصول إلى مناطق واسعة مقيد، والبنية الصحية والقدرات الطبية والجنائية تعرضت لضربات هائلة. لكن الاعتراف بصعوبة المهمة لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لعدم القيام بها. فإذا لم تكن هناك قدرة على إجراء فحوص الحمض النووي، فالسؤال بعد ثلاث سنوات لا ينبغي أن يكون: لماذا لا؟ بل: لماذا لم تبن هذه القدرة، أو تستقدم من الخارج؟
ومع دخول الجرافات والآليات الثقيلة إلى أجزاء من المشهد المحطم الذي يسمى غزة، وبدء إزالة ملايين الأطنان من الركام، ومع عامل الوقت الضاغط، ينشأ خطر آخر لا يقل خطورة عن خطر بقاء المفقودين بلا إجابة: خطر محو آخر الأدلة المادية على الكيفية التي مات بها آلاف الفلسطينيين. حين تسحق الرفات البشرية تحت الجرافات، وتختلط المتعلقات الشخصية بالركام، وتدفن شظايا المنازل المدمرة في أكوام وتنقل بعيدا، فإن الأدلة قد تضيع إلى الأبد.
إن الصليب الأحمر الدولي واحد من عدد قليل جدا من الهيئات الدولية التي تمتلك الخبرة والمكانة والقدرة على استعادة الرفات البشرية بكرامة، وعلى حماية ما يمكن إنقاذه من الأدلة قبل أن يختفي تحت عجلات الجرافات. كل رفات تضيع ليست مجرد إنسان تحرم عائلته من معرفة مصيره ودفنه، إنها أيضا قطعة من الحقيقة قد لا تتمكن أي محكمة، في يوم من الأيام، من فحصها.
والمفارقة هنا أن هذه الفجوة لم تبرز فجأة، فقد تحولت غزة، أو أجزاء واسعة منها، إلى أنقاض مرة بعد أخرى منذ عام ٢٠٠٨، وكانت محدودية قدرات البحث عن المفقودين والتعرف إلى الرفات وإجراء فحوص الحمض النووي نقطة ضعف معروفة منذ سنوات. كان هناك، بالتالي، ما يقارب عقدين من الزمن لمعرفة أن كارثة واسعة النطاق في غزة ستطرح بالضرورة سؤالا هائلا عن المفقودين والموتى وكيفية التعرف إليهم. وعندما جاءت الكارثة، لم تكن هناك عملية دولية واسعة ومخصصة للبحث عن المفقودين والتعرف إلى هوياتهم، قادرة على التعامل مع حجم ما حدث.
وللمقارنة، فإن الصليب الأحمر أنشأ في أوكرانيا، بعد تصاعد الحرب عام ٢٠٢٢، مكتبا مخصصا للبحث عن المفقودين، هو مكتب وكالة البحث المركزية للنزاع بين روسيا وأوكرانيا. وقد وصفه الصليب الأحمر نفسه بأنه أول فريق مخصص من هذا النوع منذ حرب الخليج عام ٢٠٠٣، وأكبر فريق من نوعه منذ الحرب العالمية الثانية. قد تكون غزة أصعب، وقد يكون حجم الدمار فيها غير مسبوق، وقد تكون قيود الوصول إليها أشد، وقد تعرضت بنيتها الطبية والطب الشرعي فيها لدمار هائل، لكن هذه هي بالضبط اللحظات التي يختبر فيها التفويض الإنساني. عندما تصبح الظروف أصعب من المعتاد، وعندما تبدو المهمة شبه مستحيلة، يظهر معنى التفويض الحقيقي: هل تستطيع المنظمة أن تجد طريقة للعمل، أم تكتفي بتفسير أسباب العجز ببيان يأتينا بعد ثلاث سنوات؟
بالنسبة إلى العائلات الفلسطينية، ومن دون معرفة أين انتهى أحباؤهم، لا تستطيع العائلات أن تضع حدا للانتظار. والشخص الذي يظل رسميا في عداد «المفقودين» يظل معلقا بين احتمالين، وكذلك عائلته: هل تبكيه؟ هل تنتظره؟ هل تواصل البحث عنه؟ وهل تسمح لنفسها بأن تتعامل مع غيابه باعتباره موتا، من دون أن تعرف؟ إن يعيش الإنسان ثلاث سنوات في هذه المنطقة المعلقة بين الأمل واليأس هو في حد ذاته شكل قاس من المعاناة.
هؤلاء الناس لا يطلبون معجزة. إنهم يطلبون جوابا. ولهذا فإن ما تحتاجه غزة الآن ليس بيانا آخر متأخرا، بل عملية بحث واستعادة وتعريف تتناسب مع حجم الكارثة. وعلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن ترفض أن تكون مجرد طرف في اجتماعات التخطيط لإعادة الإعمار ما لم تحصل فرق البحث والاستعادة على وصول كامل وآمن ومرافق إلى مواقع إزالة الركام. قد يكون الانسحاب من طاولة إعادة الإعمار مخاطرة، وقد يعني التخلي عن فرصة للتأثير في بعض القرارات، لكن الجلوس إلى الطاولة بينما تسحق تحتها الأدلة التي يمكن أن تكشف مصير آلاف المفقودين ليس نفوذا. وقد ينتهي الأمر باستخدام اسم الصليب الأحمر غطاء لعملية تمحى خلالها الأدلة بدل أن تستعاد.
وعلى الصليب الأحمر أن يضغط علنا من أجل كشف مصير كل فلسطيني معتقل أو مفقود أو مجهول المكان، وأن ينشر، أسبوعيا لا سنويا، عدد الحالات التي فتحت، وعدد الحالات التي جرى التحقيق فيها، وما الذي تم التوصل إليه. وحيث لا توجد قدرة على إجراء الفحوص الجنائية أو فحوص الحمض النووي، فعليه أن يبني هذه القدرة أو يستقدم من يستطيع القيام بها. وحين يرفض وصوله إلى مكان ما، عليه أن يقول ذلك بوضوح، وأن يحدد أين منع وما الذي منع من القيام به، بدل أن يتحدث فقط عن صعوبة الظروف وتعقيدها.
كل يوم يمر من دون استعادة المفقودين لا يطيل انتظار عائلاتهم فحسب، بل يترك الحقيقة نفسها تضيع تحت الركام.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


