يونس العموري يكتب لوطن: بن غفير... وما بعد بن غفير

01.09.2026 11:22 AM

 لا اعرف ان كان ايتمار بن غفير قد اكتشف مبكرا ان السياسة يمكن ان تكون مهنة مربحة اذا امتلك صاحبها قدرا كافيا من الوقاحة، او ان السياسة الاسرائيلية هي التي اكتشفت فيه موهبة نادرة في تحويل الكراهية الى سلعة انتخابية. لكن المؤكد ان الرجل نجح في شيء لا يحتاج الى كثير من الذكاء السياسي .. عرف كيف يقول ما يريد جزء من جمهوره سماعه، وكيف يرفع منسوب الاستفزاز كلما شعر ان الكاميرات تبتعد عنه، وكيف يحول كل ظهور له الى مشهد يصلح لتيك توك اكثر مما يصلح لقاعة برلمان...

وبن غفير، في الحقيقة، ليس بحاجة الى برنامج انتخابي طويل. هو البرنامج. يكفي ان يظهر بوجهه المستفز، ونظرته المتعالية، ومحكيته التي لا تخلو من عنصرية وتحريض وعداء لكل ما هو عربي، حتى يعرف جمهوره ماذا يريد. لا يحتاج الرجل الى كثير من الشرح .. العربي بالنسبة اليه مشكلة، والاسير هدف، والخصم السياسي الاسرائيلي خائن، والقوة هي رفع الصوت، والاستفزاز فضيلة، والاعتدال تهمة، ومن لا يشبهه يستحق على الاقل ان يكون موضع اشتباه دائم.
لكن المثير في هذه الظاهرة ليس بن غفير وحده، بل ذلك الجمهور الذي وجد فيه ما يريد، وتلك السياسة التي اكتشفت ان الرجل الذي كان يمكن ان يبقى في هامش المشهد قادر على ان يتحول الى ورقة رابحة في لعبة السلطة الحكومية . فبن غفير لم يصنع نفسه من لا شيء، ولم تهبط عليه القوة السياسية من السماء. هناك مزاج اجتماعي وسياسي منحه مساحة، وهناك صندوق انتخابي منحه الشرعية، وهناك منظومة حزبية وجدت في صراخه واستفزازاته وعنصريته ما يمكن استخدامه في معركة الاصوات، ثم جاءت السلطة الرسمية للحكومة لتمنح الرجل ما كان يحتاجه كي يصبح اكثر قوة واكثر وقاحة في الوقت نفسه.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق ان نتوقف عندها طويلا.. ما يجعل بن غفير مثيرا للقرف عند خصومه هو نفسه ما يجعله محبوبا عند جزء من جمهوره. استفزازه ليس عيبا في بضاعته السياسية، بل جزء من البضاعة. عنصريته ليست زلة لسان، بل واحدة من مفردات العلامة التجارية التي صنعها لنفسه. عداؤه للعربي ليس تفصيلا في خطاب انتخابي، بل مفتاح من مفاتيح الوصول الى جمهور يريد ان يسمع السياسي الذي يقول له ما يعتقده هو، بلا تجميل ولا مواربة ولا ذلك النوع من اللغة الدبلوماسية التي اعتاد السياسيون استخدامها عندما يريدون ان يخفوا حقيقة مواقفهم خلف الكلمات.
وبن غفير فهم ايضا ان السياسة في زمن تيك توك لم تعد تحتاج دائما الى ان تكون مقنعا، يكفي ان تكون قابلا للانتشار. لا تحتاج الى ان تقدم فكرة عميقة، يكفي ان تقدم استفزازا جيدا. لا تحتاج الى ان تقنع الخصم، يكفي ان تغضبه وتثير جمهوره. وكلما كان التصريح اكثر فجاجة، كان المقطع اكثر قابلية للتداول، وكلما انتشر المقطع، ازداد حضور صاحبه، وكلما ازداد الحضور، بدا الرجل اكثر اهمية، ثم يأتي الصندوق في نهاية السلسلة ليقول لنا ان ما نراه على شاشة الهاتف لم يكن مجرد تسلية سياسية، بل كان جزءا من صناعة القوة.
وهكذا تحولت السياسة عنده الى دائرة غريبة .. يستفز، فينتشر، ينتشر فيزداد جمهوره، يزداد جمهوره فيكبر وزنه، يكبر وزنه فيصبح اكثر قدرة على الاستفزاز، ثم يعود الى الكاميرا من جديد. وربما هنا تكمن احدى مواهب بن غفير الحقيقية .. انه فهم ان الغضب ايضا رأسمال، وان الكراهية يمكن ان تكون مادة انتخابية، وان هناك جمهورا لا يريد من السياسي ان يكون عاقلا بقدر ما يريد منه ان يكون صاخبا وقاسيا وعدوانيا.
لكن المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد، لاننا لا نتحدث عن ناشط على تيك توك يعيش على اثارة الجدل، بل عن رجل وصل الى موقع وزاري وصار جزءا من بنية السلطة. وهنا يتغير معنى كل كلمة وكل استفزاز. عندما يكون الرجل خارج الحكومة يمكن ان نضع تصريحاته في خانة التطرف السياسي، اما عندما يدخل الحكومة يصبح السؤال مختلفا .. ماذا يفعل هذا التطرف عندما يحصل على ادوات الدولة؟ وماذا يحدث عندما ينتقل خطاب الكراهية من الشاشة الى المؤسسة، ومن المهرجان الانتخابي الى مكتب الوزير، ومن التصريح الى القرار؟
هنا يصبح الحديث عن الاسرى اكثر خطورة، لان تحويل عقوبة الاعدام الى مشروع سياسي ليس مجرد تعبير عن غضب شخصي، ولا مجرد مزايدة انتخابية عابرة. انه انتقال من لغة الانتقام الى محاولة تقنين الانتقام، ومن خطاب العقاب الى مؤسسة العقاب، ومن الاستفزاز الى التشريع. وعندما يصبح الاسير مادة للمزايدة السياسية، يصبح السؤال عن مستقبل هذا الخطاب اكبر من السؤال عن موقف بن غفير نفسه. ماذا سيأتي بعد الاعدام؟ وما هو السقف التالي الذي سيضعه سياسي يريد ان يثبت لجمهوره انه اكثر قسوة من منافسه؟
السياسة التي تجعل القسوة مصدر اصوات لا تتوقف عند حد معين، لان السياسي الذي اكتشف ان رفع سقف الكراهية يزيد رصيده لن يجد سببا يدفعه الى خفض السقف. لماذا يفعل؟ ماذا سيقول لجمهوره؟ انه اصبح اكثر اعتدالا؟ وهل الاعتدال في سوق كهذا فضيلة انتخابية ام خسارة؟ هنا يصبح التطرف سباقا، وكل سياسي يريد ان يثبت انه قادر على الذهاب ابعد من الذي سبقه.
وهنا لا يعود بن غفير حالة منفردة، بل يصبح جزءا من ظاهرة اوسع، وفي مقدمتها سموتريتش، الذي يمثل بدوره وجها مختلفا لهذا التيار اليميني المتطرف. قد يكون بن غفير اكثر صخبا، واكثر ميلا الى الكاميرا، واكثر قدرة على صناعة المشهد والاستفزاز، بينما يبدو سموتريتش اكثر هدوءا في بعض مواقفه واكثر قدرة على تقديم افكاره في لغة سياسية ومؤسساتية، لكن الخطورة ليست في الفروق بين الرجلين بقدر ما هي في المساحة التي تجمعهما .. مساحة سياسية تدفع حدود اليمين الاسرائيلي الى اماكن كانت تبدو في وقت ما هامشية، ثم تحاول جعلها جزءا من الواقع الطبيعي. وهذا هو التحول الاخطر. فالمجتمعات لا تتطرف دفعة واحدة، وانما تتعود على التطرف بالتدريج. فكرة كانت صادمة بالامس تصبح اليوم قابلة للنقاش، وما كان قابلا للنقاش يصبح غدا سياسة، وما يصبح سياسة قد يتحول بعد ذلك الى قانون. ثم يأتي جيل جديد فيجد كل ذلك طبيعيا، ويسأل باستغراب  ... لماذا تعترضون؟ وهذه هي طبيعة المجتمع الاسرائيلي بالواقع الراهن ...  ولذلك لا اعتقد ان السؤال الصحيح هو .. ماذا لو رحل بن غفير؟ السؤال الاصح هو .. ماذا لو رحل بن غفير وبقيت البن غفيرية؟ ماذا لو تغير الاسم وبقي المزاج؟ ماذا لو جاء بعده من هو اكثر قدرة على ارتداء البدلة وربط العنصرية بلغة دبلوماسية ناعمة؟ ماذا لو اصبح ما يقوله بن غفير اليوم سقفا قديما لمتطرف جديد يرى ان عليه ان يرفع السقف اكثر؟
وهنا نصل الى الجزء الذي يعنيني اكثر من بن غفير نفسه .. ماذا نحن فاعلون؟  لانني لا ارى ان المشكلة الفلسطينية في ان بن غفير موجود، فوجوده في نهاية المطاف شأن اسرائيلي، ولا ارى ان مهمتنا ان نقنعه بأن يصبح رجلا لطيفا او ان نعلمه اداب السياسة. مشكلتنا تبدأ عندما نفهم ماذا يعني صعوده، ثم لا نفعل شيئا سوى تسجيل موقفنا منه. ماذا يعني ان يكون هناك في الطرف الاخر تيار سياسي يجد في التطرف والعنصرية والاستفزاز طريقا الى الصندوق والسلطة ويبدو ان التشكيلات السياسية الحزبية الاسرائيلية  هي كذلك على مختلف مشاربها بشكل او بأخر، بينما يظل خطابنا الرسمي محكوما في كثير من الاحيان بمنطق ضبط النفس وسد الذرائع والبيانات والانتظار؟ ضبط النفس ليس عيبا، بل قد يكون في لحظة ما اكثر اشكال القوة حكمة. لكن ضبط النفس يصبح مشكلة عندما يتحول من قرار سياسي الى اسلوب حياة. وسد الذرائع قد يكون ضروريا حتى لا نقدم لخصمنا ما يبحث عنه، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح سد الذرائع ذريعة لعدم الفعل. هناك فرق بين ان تضبط رد فعلك وبين ان تضبط نفسك عن كل فعل. وهناك فرق بين ان تمنع الانفعال وبين ان تمنع السياسة نفسها من الحركة. 
بن غفير لا ينتظر ان نرتكب خطأ حتى يتحرك. هو يتحرك لفرض واقع ثم يترك لنا مهمة البحث عن الرد المناسب. هو لا يكتفي بالرد على الوقائع، بل يحاول صناعة الوقائع. وهذه نقطة يجب ان نفهمها جيدا. الصراع ليس مباراة في حسن السلوك، ولا مسابقة في من يستطيع ان يكون اكثر هدوءا امام الكاميرا. الصراع ايضا هو قدرة على المبادرة، وعلى صناعة الكلفة السياسية، وعلى استخدام القانون والدبلوماسية والاعلام والعلاقات الدولية والمجتمع والمؤسسات وكل ما يمكن ان يجعل الطرف الاخر يدرك ان التغول ليس طريقا مجانيا. اما ان نظل نراقب بن غفير وهو يصعد درجة بعد درجة، ثم نرسل بيانا يقول ان تصريحاته لا تخدم السلام، فهذه ليست مواجهة. هذه شهادة حضور. والسؤال هنا لا يتعلق فقط بالحكومة الفلسطينية او بالنظام السياسي الرسمي، بل يتعلق ايضا بالنخب السياسية والثقافية والاعلامية الفلسطينية والعربية. ماذا فعلنا كي لا تصبح ظاهرة بن غفير نموذجا قابلا للتكرار؟ ماذا فعلنا كي نصل الى المجتمع الاسرائيلي نفسه، ونخاطب التناقضات داخله، ونحاصر هذا التيار سياسيا وقانونيا واخلاقيا؟ ماذا فعلنا كي لا يصبح العربي في الخطاب الاسرائيلي مجرد اداة انتخابية؟ وهل يكفي ان ننتظر من العالم ان يعاقب المتطرفين بينما نحن لا نمتلك حتى استراتيجية واضحة للتعامل مع تمددهم؟  ثم هناك سؤال اخر اكثر قسوة .. ماذا لو تغيرت مواقع الرجل؟ ماذا لو اصبح بن غفير في مرحلة مقبلة وزير خارجية؟ ماذا لو اصبح صاحب موقع اكثر تقدما في السياسة الاسرائيلية؟ ماذا لو وجد نفسه بعد سنوات يجلس في عاصمة عربية بصفته مسؤولا رسميا، لا بوصفه ذلك المتطرف الذي كان يثير الاشمئزاز؟ هل سيكون المشهد مستحيلا؟ السياسة العربية الاسرائيلية علمتنا ان ما يبدو اليوم مستحيلا يمكن ان يصبح غدا جزءا من البروتوكول. الرجل الذي كانت تصريحاته تثير الاحتجاج قد يصل الى مطار عربي، فتستقبله السيارات الرسمية، ويصافح المسؤولين، وتلتقط الصور، ثم يبدأ الحديث عن الاستقرار والسلام والمصالح المشتركة، وتكتشف اللغة الدبلوماسية قدرتها العجيبة على غسل الكلمات وتنعيم الوجوه. وقد لا يتوقف الامر عند عاصمة عربية. ماذا لو جلس بن غفير او من يمثل التيار نفسه يوما الى طاولة المفاوض الفلسطيني؟ ماذا لو صار الرجل الذي بنى جزءا من حضوره على كراهية العربي واستفزاز الفلسطيني شريكا رسميا في مفاوضات يفترض انها تبحث عن السلام؟ ماذا سنفعل حينها؟ هل سنجلس امامه بكل هدوء ونقول له اننا نختلف معه؟ هل سنطلب منه ان يكون واقعيا؟ هل سنقدم له تنازلات كي نقنعه بالاعتدال؟ ام سنكون قد وصلنا الى تلك الطاولة بعد ان تركنا التطرف يكبر بما يكفي ليصبح طرفا لا يمكن تجاوزه؟  هذا السؤال ليس دعوة الى التنبؤ بالمستقبل، ولا الى القول ان بن غفير سيصبح حتما وزيرا للخارجية او سيجلس حتما الى طاولة تفاوض فلسطينية. لكنه سؤال يجب ان يطرح قبل ان يصبح واقعا. لان السياسة الذكية لا تنتظر حتى يتحول الاحتمال الى ازمة ثم تبدأ في التفكير. السياسة الذكية تنظر الى الاتجاه، وتقرأ ما وراء الاسماء، وتسأل ماذا يعني ان يصبح التطرف قوة انتخابية ثم قوة حكومية ثم قوة تشريعية.
ولذلك فان معركتنا ليست مع بن غفير وحده. معركتنا مع المسار الذي يجعل من بن غفير ممكنا، ومن سموتريتش طبيعيا، ومن التطرف سياسة، ومن العنصرية رأيا انتخابيا، ومن الحقد وسيلة للوصول الى السلطة. وهذه المعركة لا يمكن ان تربحها البيانات وحدها، ولا الادانات وحدها، ولا ضبط النفس وحده، ولا انتظار المجتمع الدولي وحده. نحن بحاجة الى سياسة فلسطينية تعرف متى تضبط النفس ومتى تستخدم القوة السياسية الكامنة في وجودها، ومتى تصمت ومتى ترفع الصوت، ومتى تسد الذرائع ومتى تكشف ان الذريعة نفسها مجرد غطاء للتغول. نحن بحاجة الى استراتيجية لا تجعل الطرف الاسرائيلي هو الذي يحدد دائما شكل المواجهة وتوقيتها وحدودها. نحتاج الى ان ننتقل من سؤال ماذا فعلوا بنا اليوم الى سؤال ماذا سنفعل نحن غدا، ومن ادارة الازمة الى صناعة المبادرة، ومن انتظار تغير اسرائيل الى التأثير في كلفة سياساتها. لان بن غفير في النهاية ليس هو الخطر الاكبر... الخطر الاكبر هو ان يصبح بن غفير عاديا...  ان يصبح وجوده في الحكومة عاديا، وعنصريته عادية، واستفزازاته عادية، والحديث عن اعدام الاسرى عاديا، والاستيطان عاديا، والتحريض على العربي عاديا، ثم نكتشف بعد سنوات اننا كنا نرى التطرف يتقدم امامنا خطوة خطوة، وكنا نكتفي كل مرة بالقول .. هذا بن غفير، هذا متطرف، هذا لا يمثل الجميع... قد لا يمثل الجميع، لكنه يمثل ما يكفي...  والصندوق قال كلمته... والسلطة قالت كلمتها... والقوانين بدأت تقول كلمتها...  فماذا عن كلمتنا نحن؟ هذه هي المسألة التي يجب ان تشغلنا، لا كيف نسخر من بن غفير فقط، ولا كيف نغضب من تصريحاته فقط. لان السخرية منه سهلة، والغضب منه سهل، وادانته اسهل. اما الاصعب فهو ان نبني سياسة تجعل كل بن غفير قادما يعرف ان الطريق الى القوة لن يكون مفتوحا بلا كلفة، وان العنصرية لن تتحول مجانا الى مكاسب سياسية، وان من يختار التطرف لن يجد امامه شعبا فلسطينيا ينتظر فقط ان يهدأ، ولا قيادة فلسطينية منشغلة فقط في تجنب الخطأ، ولا عالما عربيا يكتفي بالاستنكار... بن غفير ليس قدرا... لكن ترك الظاهرة تكبر ثم التفاوض معها باعتبارها امرا واقعا قد يجعلها كذلك...

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير