أبو علي مصطفى العين بالعين والرأس بالرأس

28.08.2026 12:32 PM

 كتب حمزة البشتاوي: في صيف العام 1994 وبينما كنت جالساً في البيت الذي كنت أسكنه بمخيم الرمل الفلسطيني في مدينة اللاذقية على الساحل السوري، طرق باب البيت الصديق داوود السمرا وقال لي: لدينا حفل تأبين لشهيد في طرطوس ونريد منك إلقاء قصيدة في الحفل، فذهبت إلى بيته وكان مفاجئاً لي وجود القائد الوطني الكبير الشهيد أبو علي مصطفى الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين يجلس بكبريائه الثوري العالي وصافحني بقلبه قبل يديه، و كانت زوجة داوود السمرا المرحومة سالي تحضر الطعام حيث كان الغذاء وقتها سردين وبطاطا مقلية وسلطة خضار، تناولنا الغداء وذهبنا معاً في سيارة القائد أبو علي مصطفى، ووصلنا قبل الوقت المحدد للحفل بساعة تقريباً، ولذلك قمنا بجولة بمحيط المكان حيث راح القائد أبو علي مصطفى يحدثنا عن تضاريس الوطن والأرض والتربة الخصبة في بلدته عرابة قضاء جنين التي عرفها منذ نعومة أظفاره ودراسته للمرحلة الإبتدائية فيها، وكنا نحن والشمس سعداء بما يقول عن الأرض وزينة الدار وشموخ السنابل.

في حفل التأبين ألقى ابو علي مصطفى كلمة كانت إمتداد لحديثه عن الأرض والفكرة والثورة والبنادق والوفاء لدماء الشهداء، وجسد هذا الوفاء بالأقوال والأفعال عبر التمسك بالمقاومة والحقوق والوحدة الوطنية، وعلى الرغم من جريمة إغتياله في 27 آب عام 2001 فإنه ما زال حاضرا كموقف ونهج حي وبوصلة وطنية مقاومة إنطلاقاً من تجسيده العميق للوحدة الوطنية التي آمن بها وقال بأنها تحتاج إلى بناء مؤسسات وطنية قوية وفاعلة وفي مقدمتها المجلس الوطني الفلسطيني وذلك على قاعدة التوافق وصون الوحدة كشرط من شروط الصمود والإنتصار.
مزج الشهيد القائد أبو علي مصطفى بصدق ونقاء ما بين الحب والنضال من أجل فلسطين، ومنذ بدء مسيرته النضالية وحتى لحظة استشهاده كان قابضاً على جمر الفكرة والثورة من أجل العودة والتحريرمستنداً إلى قناعاته ومنها أن كل مقاتل هو سياسي وكل سياسي يجب أن يكون مقاتل ويجب ايضاً أن يكون متسلحاً بالوعي والمعرفة بأبجديات الوطن ومفاتيح الصراع.
في كل محظة نضالية وفي ظل حرب الإبادة على قطاع غزة والعدوان على الضفة والقدس نتذكر حكمة القائد وفكرة المفكر الثوري، خاصة داخل الوطن المحاصر بجرافات الإستيطان وضجيج محاولات إخراج الكل الفلسطيني من المعادلة السياسية وهذا ما يستدعي التمسك اكثر بالروح الوطنية وبرؤية ومواقف الشهيد القائد أبو علي مصطفى وبملح الثورة الذي لا يذوب.

في 17 تشرين الأول عام 2001 كان الرد المزلزل من قبل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بتنفيذ عملية إغتيال وزير السياحة الإسرائيلي المتطرف رحبعام زئيفي، وفي هذا الرد طبقت الجبهة الشعبية مقولة الأمين العام الأسبق القائد أحمد سعدات صاحب التجربة الثورية المدهشة (العين بالعين والسن بالسن والرأس بالرأس) وذلك رداً على جريمة إغتيال أبو علي مصطفى صاحب المكانة البارزة في التاريخ السياسي الفلسطيني المعاصر، والذي تميزت تجربته بالربط ما بين البعد الوطني والإجتماعي وفكرة التحرير ، ووجود الشعب الفلسطيني على أرضه، والأرض بالنسبة له ليست مساحة جغرافية أو حدود سياسية، بل هي الوطن والبيت والهوية والبيارة والذاكرة والوجود، ولهذا قرر في العام 1999 العودة إلى أرض الوطن رافعاً شعار (عدنا لنقاوم لا لنساوم) واستناداً إلى هذا الشعار كان ينظر إلى الثقافة كجزء أساسي وضروري من عملية بناء الوعي الوطني مع التأكيد على أهمية قراءة الواقع بصورة نقدية للحفاظ على البعد الوطني وعلى الحلم والطريق الذي يقودنا إلى فجر جديد، وقد مشى أبو علي مصطفى في هذا الطريق رغم وحشته مؤمناً بالأرض وبأن العتمة مهما اشتدت فإنها لن تستطيع أن تطفىء حلماً يسكن في شعب لا يعرف المستحيل، وهذا الشعب المضحي يقول اليوم مختصراً كل جماليات اللغة والشعر والأغاني والأناشيد: سلاماً لذكراك وسلاماً للطريق.
 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير