خالد فحل يكتب لوطن: حين لا تجيب الصورة: أين جولان؟

على مواقع التواصل الاجتماعي، تواصل إحدى الأمهات نشر صورة ابنتها المعتقلة جولان أبو عواد، من بلدة بيرزيت، ومرةً بعد أخرى تعيد الأم نشر صورتها، لعلّ الصورة تصل إلى من يعرف عنها شيئًا، أو إلى من يستطيع أن يخبرها أنها بخير.
جولان طالبة جامعية، وكانت ذات يوم إحدى طالباتي؛ فتاة مفعمة بالنشاط، مثابرة في دروسها، حاضرة بحماسها وأسئلتها وطموحها، مثل كثير من الطلبة الذين نعبر معهم سنوات الدراسة، ثم يبقى بعضهم في الذاكرة أكثر من غيره.
لكن الأكثر وجعًا اليوم أنني، كما والدتها، لا أعرف شيئًا عنها؛ لا أعرف كيف تقضي أيامها، ولا كيف تمر عليها الليالي، ولا إن كانت بخير، ولا ماذا تحتاج. كل ما نملكه عنها صورة، وبعض الذكريات، وأسئلة معلقة في فضاء لا يجيب.
تعود أمها إلى الصورة، مرة بعد أخرى، وكأنها تترك معها رجاءً صغيرًا: لعلّ الصورة تصل إلى من يعرف عنها شيئًا، أو إلى من يستطيع أن يخبرها أنها بخير. وفي الجهة الأخرى، تمر الصورة أمام أعيننا وسط سيل لا ينتهي من الأخبار والمنشورات والنقاشات، نراها ثم ننتقل إلى ما بعدها، بينما هناك أم معلقة بين صورة ابنتها وبين مجهول طويل اسمه الانتظار.
وربما هنا تحديدًا يبدأ السؤال الذي يغيب عن الشارع الفلسطيني: كم أمًّا فلسطينية تنام كل ليلة وهي لا تعرف شيئًا عن ابنتها أو ابنها خلف القضبان؟ وكم جولان أخرى أصبحت قضيتها مجرد خبر عابر، بينما خلف الخبر إنسانة لها أحلامها ودراستها وبيتها وأم تنتظرها؟
قضية الأسرى لم تكن يومًا قضية عائلاتهم وحدها، ولا ملفًا خاصًا بفصيل فلسطيني دون غيره. الأسير الفلسطيني جزء من الحكاية الفلسطينية كلها؛ من القرية والمخيم والمدينة، من المدرسة والجامعة، ومن آلاف البيوت التي تعلّمت أن تعيش على موعد مؤجل مع الغائب.
لكن شيئًا ما تغيّر. وسط الحرب والانقسام والأزمة الاقتصادية وتدفق الأخبار، أصبحت قضية الأسرى تظهر أحيانًا في زاوية بعيدة من المشهد، كأن الاعتقال تحول إلى خبر عادي، وكأن الغياب الطويل أصبح جزءًا طبيعيًا من حياتنا.
وهنا تكمن المأساة: أن نعتاد الألم. أن نقرأ خبر اعتقال شاب فلا نتوقف طويلًا، وأن نسمع عن معتقل إداري فلا نسأل ماذا يعني أن يعيش إنسان خلف القضبان دون أن يعرف متى تنتهي محنته، وأن نقرأ عن أسير مريض ثم ننتقل إلى الخبر التالي.
المشكلة ليست أن الفلسطينيين نسوا الأسرى، بل أننا أصبحنا مثقلين إلى درجة تجعلنا عاجزين أحيانًا عن حمل وجع جديد.
لكن الأسرى لا يستطيعون الانتظار حتى ننتهي من أزماتنا. هناك أم تنتظر ابنتها، وأب ينتظر ابنه، وطالب كان له مقعد في الجامعة، ودفاتر وأصدقاء وأحلام مؤجلة.
لذلك لا يكفي أن نتذكر الأسرى في يوم الأسير، ثم نترك قضيتهم تتراجع إلى الصفحات الداخلية للأخبار، ولا يكفي أن تتحول قضيتهم إلى بيانات موسمية أو خطابات سياسية. الأسرى يحتاجون إلى حضور دائم؛ إلى صحافة تتابع قصصهم لا أرقامهم فقط، وإلى خطاب فلسطيني موحد لا يجعل قضيتهم مادة للمناكفة، وإلى شارع لا يسمح بأن يصبح الاعتقال الفلسطيني مشهدًا مألوفًا لا يثير السؤال.
فالأسرى أكبر من الفصائل، وأكبر من الخلافات السياسية، وأعمق من الحسابات الضيقة. هم جزء من الذاكرة الفلسطينية.
وجولان بالنسبة لي ليست رقمًا في قائمة، ولا اسمًا في خبر عن الاعتقال. إنها طالبة عرفتها ذات يوم في مقاعد الدراسة، وكانت مفعمة بالحياة والنشاط والمثابرة.
ولهذا تصبح صورتها اليوم أكثر قسوة؛ فالصور لا تُظهر دائمًا ما حدث للإنسان، أحيانًا تُظهر فقط ما نفتقده منه.
أمٌّ تنشر صورة ابنتها، ومعلم يتذكر طالبته، وشارع فلسطيني عليه أن يسأل:
أين جولان؟ وأين آلاف الأسرى الذين أصبح غيابهم خبرًا عابرًا في حياتنا؟
ربما آن الأوان ألا نمر أمام صورهم مرورًا عابرًا؛ فخلف كل أسير إنسان ينتظر، وخلف كل صورة أمٌّ لا تعرف شيئًا، وخلف كل غياب حكاية فلسطينية كاملة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


