يونس العموري يكتب لوطن: التيه والتوهان... حين تصبح الازمة عنوان المرحلة

ثمة مراحل في حياة الشعوب لا يكون السؤال فيها .. الى اين نمضي؟ بل يصبح السؤال الاكثر قسوة .. هل ما زلنا نعرف الى اين نمضي اصلا؟ وفي بعض اللحظات لا يعود التيه مجرد حالة عابرة تفرضها ظروف استثنائية، ولا يصبح التوهان مجرد ارتباك في اختيار الطريق، وانما يتحولان الى عنوان لمرحلة كاملة، تتداخل فيها الاسئلة مع الاجابات، وتتزاحم فيها الطرق من دون ان تقود بالضرورة الى وجهة واضحة. ولعل المشهد الفلسطيني الراهن واحد من اكثر تلك اللحظات تعبيرا عن هذا التيه، فكل شيء يبدو مفتوحا على كل الاحتمالات، وكل شيء في الوقت نفسه يبدو عاجزا عن انتاج يقين واحد يمكن البناء عليه.
الانتخابات في هذا المشهد ليست سوى المرآة التي تكشف حجم الارتباك. انتخابات ام لا انتخابات؟ اجراءها في موعدها ام تأجيلها؟ من يدعو الى التأجيل يتحدث عن الحرص على الوفاق الوطني، ومن يدافع عن اجرائها يراها ربما فرصة لكسر حالة الجمود والخروج من مرحلة امتدت منذ العام 2005 حتى اليوم. وبين هذا وذاك يقف المشهد كله في منطقة رمادية، لا احد فيها يملك وحده اجابة مقنعة، ولا احد يستطيع ايضا ان يتجاهل ان استمرار الوضع القائم لم يعد يقدم كثيرا من الاجابات. وهكذا تحولت الانتخابات من اداة يفترض ان تكون وسيلة لتجديد الحياة السياسية الى سؤال جديد من اسئلة الازمة نفسها...
وليس غريبا في ظل هذا المشهد ان تتعدد الذرائع والمخاوف. هناك من يخشى الانتخابات ونتائجها، وهناك من يخشى تأجيلها وما قد يترتب عليه من فقدان ما تبقى من ثقة، وهناك من يستحضر قوانين مرحلة التحرر الوطني وكأن استدعاء النصوص قادر وحده على حسم اسئلة سياسية تتعلق بالشرعية والمستقبل والمصير. وهناك من يرى في التحالفات التي بدأت تتشكل لخوض الانتخابات محاولة لاعادة ترتيب موازين القوى، بينما يرى فيها آخرون احتمالا لانقسامات جديدة قد تكون اكثر تعقيدا من الانقسامات التي عرفناها طوال السنوات الماضية. وبين هذه القراءة وتلك، تبدو الخريطة السياسية وكأنها تعاد رسمها قبل ان يصل الناخب الى صندوق الاقتراع.
والاكثر قسوة ان بعض القوى والاطراف لا تدخل هذه المعركة من موقع الثقة، بل من موقع الخوف الوجودي. هناك من يخشى ان تكون الانتخابات لحظة تكشف حجم التراجع، او تضع حدا لمرحلة طويلة من الحضور السياسي، او تفتح الباب امام قوى ووجوه وتحالفات جديدة. وهنا لا تعود الانتخابات مجرد منافسة على المقاعد، بل تتحول الى معركة حول الوجود والمكانة والمستقبل. وعندما تصل السياسة الى هذه النقطة يصبح الصندوق مخيفا، ليس بسبب ما قد يفرزه من نتائج فقط، بل بسبب ما قد يكشفه من حقائق ظلت مؤجلة او مخفية خلف الخطابات والشعارات.
لكن التيه لا يتوقف عند حدود الداخل. ثمة سؤال اكثر ثقلا يفرض نفسه على المشهد كله .. هل القرار بالانتخابات ما زال قرارا فلسطينيا خالصا، ام ان موعدها وشكلها وحدودها باتت تتقاطع مع ارادات اقليمية ودولية؟ ليس المقصود هنا القفز الى استنتاجات جاهزة، ولا اختزال المشهد في نظرية المؤامرة، ولكن السؤال نفسه لم يعد قابلا للتجاهل. فعندما تصبح الانتخابات مرتبطة بحسابات الاقليم، وبمواقف القوى الدولية، وبطبيعة المرحلة القادمة وترتيباتها، يصبح من حق الجميع ان يسأل .. من يقرر؟ ومن يملك مفاتيح الانتقال؟ وهل نحن امام قرار فلسطيني تتقاطع معه
المصالح الخارجية، ام امام مسار تتداخل فيه الارادات الى الحد الذي يصعب معه الفصل بين الداخلي والخارجي؟
وفي المقابل، هناك من يرى في الانتخابات ضرورة لا لانها ستنتج بالضرورة حلا سحريا، بل لانها قد تكون بداية للخروج من مرحلة استمرت اكثر مما ينبغي. فمنذ العام 2005 ونحن ندور في الدائرة نفسها، تتغير بعض الوجوه وتتبدل بعض التحالفات، لكن المنهج العام بقي اسير معادلاته القديمة. سنوات طويلة من الانقسام، والتجاذب، والسلطة، والمفاوضات، والمقاومة، والتسويات المؤجلة، والحكومات المتعاقبة، والحوارات التي تبدأ ولا تنتهي، وكل ذلك لم ينتج حتى الان صيغة قادرة على اخراج المشهد من مأزقه. ولهذا ربما تكون المسألة ابعد من مجرد اجراء انتخابات، ربما نحن امام حاجة حقيقية الى فتح الباب امام مرحلة جديدة، بمنهج جديد، وادوات جديدة، وربما بشخوص جديدة ايضا...
فالمشكلة ليست دائما في الاشخاص وحدهم، كما انها ليست في النصوص والقوانين وحدها. المشكلة قد تكون في منهج سياسي استنفذ الكثير من قدرته على انتاج الاجابات. حين يصبح المنهج عاجزا عن تقديم شيء جديد، يصبح تغييره ضرورة لا خيارا. وحين تصبح الوجوه نفسها عاجزة عن اقناع القاعدة السياسية بقدرتها على صناعة المستقبل، يصبح السؤال عن التغيير سؤالا مشروعا. وربما لهذا السبب تبدو الانتخابات بالنسبة للبعض فرصة، لا لانها ستنهي الازمة، وانما لانها قد تكسر احتكار المشهد وتفتح نافذة صغيرة في جدار طويل من الجمود...
لكن المفارقة ان الانتخابات التي يمكن ان تكون بوابة للخروج من التيه قد تصبح هي نفسها اداة جديدة لانتاجه اذا جرت من دون رؤية واضحة لما بعدها. فماذا بعد الصندوق؟ هل سنكون امام اعادة انتاج للمشهد نفسه ولكن بأسماء مختلفة؟ هل ستعيد النتائج ترتيب الخلافات فقط، ام ستعيد بناء الحياة السياسية على اسس جديدة؟ وهل ستكون الانتخابات مدخلا الى اعادة بناء الكل الوطني، ام محطة اخرى في مسلسل الانقسام؟ وهل يستطيع الجميع قبول نتائجها اذا جاءت على غير ما يشتهون، ام اننا سنكتشف بعد ظهور النتائج ان الازمة الحقيقية لم تكن في الوصول الى الصندوق، بل في القدرة على قبول ما يخرج منه؟
وهنا تبرز التحالفات الانتخابية الجديدة باعتبارها واحدة من اكثر علامات المرحلة دلالة على حجم التحول. تحالفات تتشكل، وتحالفات تتفكك، وقوى كانت على طرفي نقيض تلتقي عند صندوق الاقتراع، واخرى كانت تبدو اقرب الى بعضها تبتعد بفعل حسابات جديدة. قد تكون هذه التحالفات تعبيرا عن واقعية سياسية تفرضها الانتخابات، وقد تكون محاولة لاعادة توزيع القوة، وقد تكون تحالفات ضرورة مؤقتة، وقد تحمل في داخلها بذور انقسامات قادمة. لكن المؤكد ان الخريطة السياسية التي عرفناها طوال السنوات الماضية لم تعد كما كانت، وان محاولة قراءة المستقبل من خلال خرائط الماضي قد تكون واحدة من اشكال التيه نفسها.
ولعل ازمة الكل الوطني هي التعبير الاوضح عن هذا التوهان. فاذا كان الكل الوطني عاجزا عن الاتفاق على تعريف المرحلة، وعلى اولوياتها، وعلى ادواتها، وعلى حدود الاختلاف، وعلى شكل العلاقة بين السلطة والمقاومة، وعلى معنى الشرعية، وعلى طبيعة المرحلة الانتقالية المقبلة، فكيف يمكن له ان يقدم اجابة مقنعة عن سؤال المستقبل؟ نحن لا نعيش انقساما واحدا يمكن تسميته ومعالجته، بل نعيش طبقات متراكمة من الانقسامات، انقساما سياسيا، وانقساما في الرؤية، وانقساما في تعريف الممكن، وانقساما حول الانتخابات نفسها، وربما انقسامات جديدة تولدها التحالفات قبل ان يبدأ الصندوق عمله.
ولهذا تبدو الصورة احيانا وكأن الجميع يتحرك، لكن احدا لا يعرف الى اين. هناك حوارات، وهناك مبادرات، وهناك تحالفات، وهناك تخوفات، وهناك دعوات للتأجيل، وهناك دعوات للاجراء، وهناك من يستحضر الوفاق، وهناك من يستحضر قوانين التحرر الوطني، وهناك من يخشى النتيجة، وهناك من يرى فيها فرصة، وهناك من يبحث عن موقعه في المرحلة القادمة، وهناك من يخشى ان تنتهي المرحلة قبل ان يجد لنفسه مكانا فيها. كل هذا يحدث في وقت تبدو فيه الاسئلة الكبرى اكبر من قدرة القوى السياسية على تقديم اجابات حقيقية عنها.
ربما لهذا السبب لا تكمن المشكلة في اننا لا نملك طريقا واحدا، بل في اننا نملك طرقا كثيرة ولا نعرف ايها يقود الى الخروج. وهذا هو معنى التيه الحقيقي. فالتائه ليس دائما من لا يرى الطريق، بل قد يكون من يرى امامه طرقا كثيرة ولا يعرف ايها الطريق الصحيح. والتائه سياسيا ليس بالضرورة من لا يملك مشروعا، بل من تتعدد امامه المشاريع الى درجة يفقد معها القدرة على التمييز بين ما هو ممكن وما هو وهم، وبين ما هو تكتيك وما هو استراتيجية، وبين ما هو انتقال حقيقي وما هو مجرد اعادة تدوير للازمة.
ولذلك ربما يكون السؤال الاهم في هذه اللحظة ليس .. انتخابات ام لا انتخابات؟ ولا .. تأجيل ام اجراء؟ ولا .. من سيربح ومن سيخسر؟ كل هذه اسئلة مهمة، لكنها تبقى اسئلة الطريق. اما السؤال الذي يسبقها جميعا فهو .. الى اي مرحلة نريد ان ننتقل؟ ماذا نريد ان ننهي، وماذا نريد ان نبدأ؟ هل نريد فقط تغيير موازين المقاعد، ام نريد تغيير المنهج السياسي الذي حكم هذه المرحلة؟ هل نريد اعادة انتاج الماضي في ثوب انتخابي جديد، ام نريد ان نفتح فعلا بابا لمرحلة مختلفة؟
ان الانتخابات قد تكون بداية الخروج من الازمة، لكنها لن تكون كذلك بمجرد وضع ورقة في صندوق. والخروج من مرحلة طويلة لا يحدث بمجرد تغيير بعض المقاعد او تشكيل بعض التحالفات. نحن بحاجة الى ما هو ابعد من الصندوق، بحاجة الى استعادة البوصلة نفسها. بحاجة الى ان يعرف الكل الوطني ماذا يريد، والى اين يريد الذهاب، وما الذي يريد ان يحافظ عليه، وما الذي يريد ان يتجاوزه، وما الذي لم يعد صالحا للاستمرار. اما ان ندخل الانتخابات ونحن مختلفون على كل شيء تقريبا، ثم نطلب من الصندوق ان يحل كل هذه الازمات، فذلك يعني اننا نحمل الصندوق ما لا يستطيع حمله.
وربما تكون المفارقة الاكثر مرارة اننا نقف اليوم امام انتخابات يفترض ان تكون عنوانا للديمقراطية، بينما تكشف هي في الوقت نفسه عمق ازمة الديمقراطية السياسية نفسها. نقف امام صندوق يفترض ان يحسم الخيارات، بينما تبدو الخيارات ذاتها غير محسومة. ونبحث عن نتائج جديدة فيما لم نحسم بعد سؤال المرحلة الجديدة. ونختلف حول اجراء الانتخابات فيما نحن جميعا، او يكاد الجميع، يقر بان استمرار الحالة الراهنة لم يعد ممكنا ولا مقنعا ولا قادرا على انتاج المستقبل.
هكذا يصبح المشهد كله معلقا بين انتخابات ولا انتخابات، بين تأجيل واجراء، بين خوف وامل، بين تحالفات تتشكل وانقسامات تتوالد، بين من يريد الحفاظ على ما تبقى من الماضي ومن يرى ان المستقبل لن يولد الا من رحم التغيير. وبين هذا كله يقف الكل الوطني امام مرآته، وربما للمرة الاولى منذ سنوات طويلة، مضطرا الى مواجهة السؤال الذي طال تأجيله .. ماذا بعد هذه المرحلة؟
ان الازمة لم تعد ازمة انتخابات، كما انها لم تعد مجرد ازمة انقسام. نحن امام ازمة مرحلة كاملة استنفدت الكثير من طاقتها، وامام مشهد سياسي يبحث عن مخرج ولا يجد حتى الان الا مزيدا من الممرات. ولذلك فان عنوان اللحظة ربما لا يكون الانتخابات، ولا التأجيل، ولا التحالفات، ولا
الحوارات، بل ذلك الشعور الثقيل الذي يحيط بكل شيء ..التيه والتوهان... حين تصبح الازمة عنوان المرحلة...
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


