إسماعيل الريماوي يكتب لوطن: طائرات الأطفال الورقية... عندما تتحول ألعاب أطفال غزة إلى مبرر للعدوان

هل يعقل أن تتحول طائرات ورقية يطلقها أطفال ومراهقون في قطاع غزة إلى سبب لاستنفار أمني إسرائيلي، وتهديدات باغتيالات، وإخلاء أحياء سكنية كاملة، وربما فتح جبهة عسكرية جديدة على قطاع غزة؟ للوهلة الأولى يبدو الأمر أقرب إلى مشهد عبثي، لكن خلف هذا المشهد تكمن حسابات سياسية وأمنية أكثر تعقيداً، فالمسألة في جوهرها، لا تبدو مرتبطة بالطائرة الورقية بقدر ما ترتبط بالطريقة التي تتعامل بها إسرائيل مع كل ظاهرة قادمة من غزة، وكيف يمكن تحويلها إلى «تهديد أمني» يستدعي التصعيد.
اللافت أن الرواية الإسرائيلية نفسها تتحدث عن العثور على طائرات ورقية من دون متفجرات، فيما تشير المعلومات المتداولة إلى أن بعضها أطلقه أطفال ومراهقون، ومع ذلك ينتقل الخطاب الرسمي بسرعة من الحديث عن لعبة أطفال إلى الحديث عن «عمل حربي»، ثم إلى التهديد بالاغتيالات وإخلاء مناطق سكنية، وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام خطر أمني حقيقي، أم أمام تضخيم سياسي وأمني لتهيئة الأرضية لجولة جديدة من العدوان على غزة؟
من أخطر ما في هذه القضية ليس الطائرات الورقية نفسها، وإنما اللغة المستخدمة في وصفها ، فعندما تطلق وسائل إعلام إسرائيلية عليها تسمية «إرهاب الطائرات الورقية»، فإن الأمر يتجاوز الوصف الإعلامي إلى صناعة صورة ذهنية لدى المجتمع الإسرائيلي بأن غزة تمثل خطراً دائماً، حتى عندما يتعلق الأمر بظاهرة محدودة لا تحمل في ذاتها قدرة تدميرية، وهذه ليست المرة الأولى التي يجري فيها التعامل مع ظواهر مدنية أو احتجاجية فلسطينية باعتبارها تهديداً أمنياً يستوجب الرد العسكري، فالمشكلة تبدأ عندما يصبح تعريف «التهديد» واسعاً إلى درجة تسمح بتبرير أي رد، مهما كان حجمه، ومهما كانت كلفته على المدنيين.
والأكثر إثارة للقلق أن التهديدات لا تتوقف عند اعتراض الطائرات الورقية أو اتخاذ إجراءات محدودة، وإنما تصل إلى الحديث عن اغتيالات وإخلاء أحياء سكنية، وهذا يجعل السؤال أكبر من الطائرات الورقية: ما الذي تريده القيادة الإسرائيلية فعلياً من وراء هذا التصعيد؟
بنيامين نتنياهو ليس سياسياً بعيداً عن الحسابات الداخلية، وفي إسرائيل، كما في أي نظام سياسي، يمكن للأزمات الأمنية أن تتحول إلى أدوات سياسية، خصوصاً عندما يكون الخطاب الأمني أحد أهم عناصر التعبئة الشعبية والانتخابية، ولهذا فإن تضخيم أي حدث قادم من غزة يمكن أن يخدم أكثر من هدف: رفع مستوى الخوف داخل المجتمع الإسرائيلي، وتوحيد الجمهور حول القيادة السياسية والعسكرية، وإظهار الحكومة بمظهر من «يحمي أمن إسرائيل»، وفي الوقت نفسه توفير الغطاء السياسي لأي عملية عسكرية جديدة.
لكن المشكلة أن غزة ليست ساحة تجارب سياسية، او مزادات انتخابية، عملية اغتيال أو قصف واسع أو إخلاء لأحياء سكنية لن تكون مجرد رسالة سياسية، بل ستكون لها نتائج إنسانية خطيرة، وسيدفع المدنيون الفلسطينيون ثمن قرار قد تكون دوافعه مرتبطة بالحسابات السياسية أكثر من الضرورات الأمنية.
والخطورة الحقيقية تكمن في عملية التصعيد التدريجي، يبدأ الأمر بظاهرة صغيرة، ثم يجري وصفها بأنها «تهديد»، ثم تُنسب إلى تنظيم مسلح، ثم يقال إنها اختبار لقدرات الجيش، وبعد ذلك تُستخدم لتبرير رفع مستوى الاستنفار، وصولاً إلى التهديد بالاغتيالات والقصف والإخلاء، وهكذا تتحول الطائرة الورقية من جسم صغير في السماء إلى حلقة في سلسلة سياسية وعسكرية قد تنتهي بانفجار كبير.
وهنا ينبغي الحذر من الرواية التي تختصر القضية في سؤال: هل أطلقت حماس الطائرات الورقية أم لا؟ السؤال الأهم هو: هل حجم الرد الإسرائيلي المقترح يتناسب مع حجم الخطر المعلن؟ فإذا كانت الطائرات التي عُثر عليها خالية من المتفجرات، وإذا كانت المعلومات الإسرائيلية نفسها تتحدث عن أطفال ومراهقين يطلقونها، فإن الانتقال مباشرة إلى التهديد بالاغتيالات وإخلاء الأحياء يثير علامات استفهام كبيرة حول الهدف الحقيقي من هذا الخطاب.
قطاع غزة عاش سنوات طويلة تحت الحصار والحروب والدمار، وأي تصعيد جديد يعني مزيداً من المعاناة للمدنيين الذين لم يتعافوا أصلاً من آثار الجولات السابقة، لذلك فإن تحويل طائرة ورقية إلى عنوان لمعركة جديدة يحمل خطراً يتجاوز الحدث نفسه، فحين يصبح كل شيء ذريعة للحرب، يصبح المدنيون أول من يدفع الثمن.
والأخطر أن الإخلاء الجماعي للأحياء السكنية لا يمكن التعامل معه كإجراء أمني عابر؛ لأن خلف كل بيت عائلة، وخلف كل شارع أطفال ومرضى وكبار سن، وأي قرار بإخلاء منطقة واسعة يعني عملياً دفع آلاف المدنيين إلى النزوح والخوف وعدم الأمان.
ربما تبدو الطائرة الورقية صغيرة وضعيفة في مواجهة قوة عسكرية هائلة تمتلك أحدث الطائرات والصواريخ وأنظمة الدفاع والمراقبة، لكن المفارقة أن الخطر الحقيقي قد لا يكون في الطائرة الورقية، وإنما في استخدامها ذريعة لتغيير قواعد التصعيد.
فإذا تحولت ألعاب الأطفال إلى «إرهاب»، وتحولت ظاهرة محدودة إلى «عمل حربي»، وتحول ذلك إلى تهديد بالاغتيال وإخلاء الأحياء، فإن السؤال لم يعد: ماذا تفعل الطائرات الورقية في سماء غزة؟ بل يصبح السؤال الأخطر: من يريد تحويل طائرات الأطفال الورقية إلى شرارة لحرب جديدة؟
غزة لا تحتاج إلى ذريعة جديدة للحرب، وأطفالها لا ينبغي أن يتحولوا إلى أهداف في معركة أكبر منهم، وإذا كانت إسرائيل تبحث عن الأمن، فإن الطريق إلى الأمن لا يمر عبر العقاب الجماعي والتهديد بإخلاء الأحياء، بل عبر وقف دوامة التصعيد التي تجعل كل حادث صغير مقدمة لحرب أكبر.
فالطائرة الورقية قد تسقط من السماء خلال دقائق، لكن الحرب التي تُبنى على ذريعة قد تترك وراءها سنوات من الدم والدمار.
وفي النهاية، قد لا تكون المأساة في طائرة ورقية تحلق فوق سماء غزة، بل في عالمٍ يستطيع أن يرى فيها تهديداً عسكرياً، ولا يرى في الطفل الذي يطلقها طفلاً يبحث عن لحظة فرح وسط الركام والخوف والحصار، طائرة ورقية لا تملك صاروخاً ولا قنبلة، لكنها تذكّر العالم بأن في غزة أطفالاً ما زالوا يحاولون أن يصنعوا من السماء مساحة صغيرة للحياة، بينما هناك من يريد أن يحوّل حتى ألعابهم إلى مبرر جديد للقتل والدمار.
غزة لا تحتاج إلى مزيد من الصواريخ، ولا أطفالها بحاجة إلى مزيد من الخوف، ما يحتاجه هؤلاء الأطفال هو أن يعيشوا طفولتهم، أن يذهبوا إلى مدارسهم، أن يرفعوا طائراتهم الورقية في سماء آمنة، وأن يحلموا بمستقبل لا تكون فيه أصوات الطائرات الحربية أعلى من ضحكاتهم.
فإذا كانت إسرائيل ترى في طائرة ورقية خطراً يهدد أمنها، فكيف يمكن للعالم أن يبرر الصمت أمام الخطر الأكبر: أن يتحول أطفال غزة أنفسهم إلى أهداف؟
ربما تسقط الطائرة الورقية بعد دقائق، لكن صورة طفل يركض خلفها في غزة ستبقى شاهدة على حقيقة أكبر: أن شعباً محاصراً لا يزال يبحث عن نافذة للحياة، بينما يحاول الاحتلال إغلاق حتى السماء في وجهه.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


